الأحد، 9 أغسطس 2015

المسيحيون فى بلادنا (1)


عانت الكنيسة المصرية على امتداد تاريخها من محاولات متعددة لإقصائها عن الحياة العامة و حصرها فى إطار ضيق يفقدها جوهر وجوديتها كمكونٍ رئيس فى نسيج الوطن. ثم ما لبثت، مع تكرار تلك المحاولات بصورٍ شتى إما بالقمع أو بالضغط على رئاساتها الروحية ، أن أصبحت تلك العزلةُ متأصلةً فى وجدان الشعب القبطى، بحيث صار بطبعه مؤثرا لتلك الحدود التى تفصله بشده عن غير المسيحيين فى بلاده . بمعنى أدق؛ كانت سلوكاً استثنائيا حيال ظرفٍ ما ثم باتت طبيعةً متأصلةً فى صميم شخصياتنا . إذ أن الكنيسة القبطية ، بدافعٍ من الحفاظ على وجودها و الخوف من سطوة تيارات "ذوى اللحى" التى أخذت فى التنامى منذ مطلع السبعينيات ، قد سيّجت على بنيها بحيث تقلّص مع كل أسفٍ أىُ نشاط ملحوظٍ لهم يبرهن على انخراطهم الفعلىّ فى هيكل الوطن . و ها نحن ، نصل إلى النصف الثانى من العام ٢٠١٥ ، و قد أصبحنا أمةً بداخل أمة ، و مجتمعا مصغراً محكم الغلق داخل مجتمعٍ كبير يؤمن " نظرياً " بقبول الآخر !

على الكنيسة و الدولة أن يبدئا فى البحث عن نقطةٍ جيدة للتلاقى ، لقد حان الوقت أن تفتح الدولة ذراعيها لتقبل الجميع كأعضاء عاملة برغم اختلافاتها. كما أظن أنه قد بزغ الأوان لأن تُبنى الكنائس بلا أسوار ...  
على كنيستنا أن تعى أن حماية التراث الدينى لن تتأتى إلا ببناء جسورٍ جديدة و قوية مع الحاضر! و على حكوماتنا أن تدرك أنه ما عاد لها خيارٌ آخر إلا أن تسعى لضم الأقباط بصورة جد عملية داخل نسيجها الذى بات مهترئا بفعل الفرقة . إن العزلة التى كان لزامًا علي المسيحيين أن يدرجوا تحت ظلالها كحَلٍ جبرى مُحَركه الخوف و مبتغاه بلوغ أمان مفتقد لكنائسهم و بيوتهم قد صارت هى الفاصل القمىء الذى يَجُزّ اليوم أى بادرة للامتزاج المجتمعى من جديد .
فنحن شعوبٌ أتقنت فن إدعاء الكمال ، ذاك الذى نحن أبعد ما نكون عنه فى الوقت الراهن !

ربما يملك آخرون المعرفة الكافية لنقد سياسة الثلاثين عاما الماضية من عمر الوطن ، و هذا ما أتركه كمجال نقاشٍ وجب على أكثر من فئة المشاركة فيه.. ما يهمنى هو التركيز على دور الكنيسة ذاتها فى الخروج من الأزمة .
إن استعادة الدور و الوضع الطبيعيين لأى مؤسسة تنشد تغييرا حقيقيا فى وضعها المجتمعى لابد أن يسبقها ما أسميه ب(التحرر المنضبط) . 

أو هو التحرر الذى يضمن إمكانية الاختلاط و التفاعل اللازم مع المجتمع ، بالشكل و الوتيرة التى تضمن فى ذات الوقت الحفاظ على الهوية القبطية التى طالما دافع عنها المسيحيون لقرونٍ طوال. ليتنا نعترف بأن الاختباء وراء أستار من العزلة بمدعاة الحفاظ على هويتنا قد يؤدى الى طمس تلك الهوية من الأساس! و الشاهد هو : إما أن تتسلم الأجيال القادمة كنيسةً معاصرة ، واعية لمتغيرات الزمن ، و قادرة على إحداث تأثير قوى داخل الوطن .و إما أن يتبعثر ميراث الأجداد بلا رجعة . هذا الوضع يشبه بالضبط من ورثوا كنزاً ثميناً دون أن يتسلموا معه مفتاح هذا الكنز! بالفعل نمتلك كنزاً و لكننا مع كل الأسف نجهل استثماره .

و حتى لا أسهب فى الحديث، أقول أن الخروج الى النور لابد أن يرتكز مبدئياً على اساسين : الأساس الإجتماعى و الآخر الفكرى . 

فيما يخص الجانب الإجتماعى ؛ فقد عاصرتُ الكنيسةَ و هى تُغلق على نفسها الأبواب و الأقفال بمتاريس لا تقل صلابةً عن القوة التى أطاحها بها المدّ الوهابى فى مصر حتى اخضعها لذلك الوضع من الانطواء . حتى تحولت كنائسنا إلى أماكن للصلاة ، و منافذ لبيع المنتجات الغذائية التى تأتى من الأديرة الأرثوذكسية ، و ملاعب رياضية لضم الشباب المسيحى داخل دوريات و مسابقات تحاكى ما يحدث فى الأندية و المراكز ، كذلك قاعات للمحاضرات و خدمات الكلمة و ربما ساهمت فى بعض الأحيان كمراكز بديلة لدروس التقوية الدراسية للطلاب المسيحيين المتعثرين فى بعض المواد .ثم مكاتب لتوفير فرص عمل لدى رجال الأعمال الأقباط . كما تنظم مجالس إدارات الكنائس قوافل مجانية تنطلق الى نجوع الوطن للتخفيف من آلام فقراء المسيحيين الذين طوّح بهم القدر الى مناطق نائية تعجز أيدى العون عن أن تصل إليه .

 بكل  هذا و ربما أكثر ، كونّا مجتمعنا الصغير داخل المحيط الكنسى، بعدما أبى المحيط الأوسع أن يضمنا بالشكل الصحى . . ففى كلمة : رفضونا ، فدخلنا و صلينا لهم من الداخل ! 
و لأنى أوجه هذا المقال الى الكنيسة فسأفترض أن العلاج سيأتى من الداخل ، لذلك على الكنيسة أن تبادر بعقد اواصر الصلة من جديد مع الواقع من حولها ، فعلى المسيحيين أن يشعروا أن مصيرهم مرتبط جذريا مع كل أبناء الشعب. و لن يتأتى ذلك الا بانخراط الشباب القبطى فى كل الأنشطة الاجتماعية منها و السياسية و حتى الرياضية ؛ (* لا يوجد مسيحي واحد فى الدورى المصرى بأكمله ! ) .. حتى يتثنى للجميع
أن يعرفونا كما نحن و ليس كما يقال عنا. فما أسوأ أن تعيش بين قوم لا يعرفونك كيفما تتمنى أن تكون تلك المعرفة !
 قوم لا يعرفون على وجه الدقة بكم إله تؤمن ! كيف تحيا فى بلدٍ يلتبسون حتى فى تسميتك ، فهل أنت مسيحى عندهم أم قبطى أم 
نصرانى أم من أهل الذمة ؟
تلك الفاجعة التى اكتشفتها و أنا لازلت فى طور الشباب ، أننا مجهولون فى بلادنا رغم أننا نملأ كل أرجائها ! 
هذا فيما يتعلق بالجانب الأول ، ألا و هو الإجتماعى ، أما الجانب الفكرى فإنى أراه كفيلاً بأن يملأ مقالاً بأكمله وليس ما يتسع لإداراجه هنا لذا أفضل أن أستكمله فى المقال القادم إن شاء الله . 


هناك تعليق واحد:

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...