" فيــن عبد الإله ؟!! "
تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة،
التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو موظفى الأرشيف قبل أن يخرج
مهرولاً نحو الطابق الأرضى ليكون فى استقبال وزير الري. و لما لم تتناهى إلى
أذنِه أية إجابة صرخ مجدداً و هو يرتمى على أجساد الموظفين الذين يصعدون
السلالم برتابة:
"شــوفــولى عبد الإلـــه !!"
لكن حين وصل إلى المدخل الرئيسي للمصلحة كان الوقت قد
فات، إذ ضاعت أصداءُ صرختِه وسط ضجيج التجمهر العشوائى لموظفى القطاعات المختلفة
الذين خرجوا ليشهدوا القدوم المباغت للضيف، و وجد مدير المصلحة نفسَه مواجهاً
لكاميرات و أضواءٍ تابعة لقنواتٍ إخبارية شتى -لا يعرف كيف و لا متى أُنبِئَت-
جاءت لتُغطى تلك الزيارة المفاجئة!
لكن من هو الرجل الذى نطق مدير المصلحة باسمه كآخر ما
نطق قبل أن يغشى بصرَه وميض الكاميرات و معدات الإضاءة، و قبل أن يضع السيد
وزير الري قدميه على عتبة الباب الرئيسي؟
إنه عبد الإله السيد جوّاد، أحد أقدم موظفى القطاع الذى
لم يتبق له إلا سنة واحدة على التقاعد، و الذى عُهِد إليه منذ زمنٍ بعيد بختم
المصلحة، حيث يضعه بحرصٍ مقدس فى درج خاص بمكتبه، مغلقاً إياه بمفتاح لا يفارق
جيبه أبداً. و متى أراده كان يقوم بإخراجه فى طقسٍ ملؤه الخشوع، كمن يقترب من ضريحٍ
لأحد الأولياء!
و لما سَرَت شائعة، قبل أعوامٍ، بأن أحد مديرى القطاع ينتوى
نقل الختم إلى عُهدة موظفٍ آخر، أصيب بمرض السكرى، و أنفق زمناً طويلاً يرسل الشكاوى
إلى مسئولى الوزارة متوسلاً أن يرفعوا عنه ذاك الجور!
رفض عبد الإله السيد جوّاد تعلّم استخدام الكمبيوتر
رفضاً قاطعاً، و علل ذلك بأنه لا يمكن استبدال الأرشيف الورقى بجهازٍ يمكن أن يضيع
كل محتواه فى لحظة.
"إن ماكنتش أسجل الحاجة بإيدى فى الدفتر يبقى و لا
ليها لازمة... شغل الحكومة يعنى ورق!"
لذلك، و باعتباره من الأوفياء للماضى، جرى تهميشه
تدريجياً مع مرور السنين، و اقتُطِعت منه جُلّ مسئولياته حتى لم يبق له إلا ذاك
الختم المدفون فى الدرج إلى جواره!
هل يدرك الآن كم صار مُبعداً و معزولاً عن كل شىء ييجرى حوله؟
على الأرجح... فقد صار يعترف - لنفسِه فقط، و
متى تمكّن منه اليأس- أنه ارتكب "غلطة العمر" حين رفض الانصياع لحركة
الزمن...
"هيييح... فات المعاد "
العبارة تنفلت من بين شفتيه مُشبّعة بالحسرة... كان
الزملاء الأحدث عهداً بالمصلحة يظنونه يسترجع كلمات السِت فحسب، فكانوا يُسْدون
إليه المجاملة:
" الله على مزاجك يا أستاذ عبده "...
لم يعرفوا سبب حسرته، و لم يجرؤ على إخبارهم أبداً...
بقى أن تعلموا أن لعبد الإله السيد جوّاد طقساً
يومياً آخر يُمعن فى ممارسته كلما تمرر مذاقُ الأيام فى حلقِه، و ما أكثر أن كان
مُرّاً... إذ يغادر مكتبه فجأة و يعبر الشارع حيث يجد عبد الرحيم ماسح الأحذية، رجل
فى مثل سنه يفترش الرصيف منذ زمنٍ طال. يجلس أمامه على كرسي عالٍ، و يمد نحوه قدميه!
يقوم بذلك متى نَهَره مديرُه، أو حين يرى زملاءه الأصغر
سناً يتوافدون إلى غرفة الاجتماعات، فيما يبقي هو وحيداً كنبتةٍ ذابلة لا يلحظ
وجودَها أحد... و مؤخراً، متى تذكّر الديون المتراكمة عليه. إذ اضطر، استسلاماً
لرفيقة عمرِه المُتخم بالفواتير المتأخرة و براشيم الضغط و أقساط الجمعيات، أن
يشترى تكييفاً لمواجهة الحر...
تلك أجمل لحظات يومه الغارق فى الحسرة. من
يراه و هو يعبر الشارع حتماً سيندهش من مدى اللهفة التى تحترق فى صدرِه فتدفعه لتلميع
حذائِه! فهنا المكان الوحيد الذى لا توخزه فيه وحدتُه... هنا يخفت ضجيج المصطفين
فى طوابير بلا نهاية. لا مدير عليه تملقه و لا زملاء عليه أن يخفى عنهم جهلَه بادخال
البيانات رقمياً... الجميع أمامه عبد الرحيم، راكعين عند قدميه...
يجلس فى شموخٍ فيما تلتمع وراءه النوافذ الزجاجية للمبنى الذى التهم سنوات عمرِه و لم يُبدِله عوضاً عنها شيئاً!
الآن أحكم
العالم،
أُخَلّد فى
التاريخ كالإسكندر و نابليون و رمسيس الثالث.
يؤتى بالأسرى
راكعين عند قدمىّ...
أتقدم الرَكب كآخر المنتصرين فى التاريخ و
أعظمهم...
هذى الشعوب تقترب لتلمس شسع نعلى فلا تقدر!
ها إنى أملك
مفاتيحَ السماءِ و الأرض بلا شريكٍ و لا ولد...
السُحب أنفاسي، و الشمس تُشبهنى و لكنى أفوقها
سطوعاً...
أنا الملك و
مملكتى ورائى و جميع من فيها عبيدى. فى يدىّ أقدارُهم و ماضيهم و الآتى من
أعمارهم.
أليس لى مُلك
العالم لا ينازعنى فيه أحد ؟
- عشرة جنيه!
أليست لى الديار و الأمصار ؟!
- الفردة بخمسة، ده ورنيش مستورد.
صوتُ عبد الرحيم ينخس نفسَه الآبية أن تهبط من عليائها!
كلماتُه تسحبه إلى بئرٍ يحاول الخروج منه. يقذفه بحجرٍ من كلام... يرجم به نفسَه
الكافرة بالواقع و المصلحة و ختم النسر و الدفاتر الغاطسة فى قاع الماضى...
لماذا توقظنى يا عبد الرحيم ؟
سوف أغدق
عليك بالجنيهات العشر مقابل ركوعك أمامى، سوف أمنحك ثمن عبوديتك حتى تجعلنى ملكاً
و لو كنتُ بلا عرشٍ و لا مملكة...
لقد صرتُ آخر الكل يا عبد الرحيم، و لم يبق بعدى سواك...
كان على أتم استعداد فى تلك الأثناء أن يجيب عن أى سؤال
أو يسدى أية نصيحة لعبد الرحيم،. فكان يسأله بلا تحفّظ عن أحوال بيته. و من ثم كان
يمنحه قبساً من بصيرتِه فى كل شىء، بدايةً من وضع ميزانية للبيت و انتهاءً بنصائح
للفراش! و قبل أن يعود أدراجه لا ينسي أن يُذكّره باستعداده الدائم و المطلق
لمساعدته:
" تقولهم بس أنا من طرف الأستاذ عبد الإله مديرعام
الأرشيف و الوثائق، و ملكش دعوة بالباقى."
كان يقولها باعتبارها نبوءة من المؤكد أنها ستتحقق ذات
يومٍ.
لكن حين يقترب من المصلحة تنعقف كتفاه تلقائياً لأسفل و
تتباطأ خطواتُه جداً، مثل ملكٍ راحلٍ إلى منفاه، يعود الرجلَ الذى كان قبل دقائق،
يصعد السلالم بتثاقل، يتحاشي الجدال مع مديره حتى لا يحرمه من آخر ما تبقى له من
مسئوليات الوظيفة... الختم!
لكن اليوم زيارة مفاجئة للوزير!
كان طابور المواطنين المنتظرين ختم أوراقهم قد وصل إلى
الدرجات الأولى من السلم. تدخل مدير القطاع فى استياءٍ و بصوتٍ تناهى إلى مسامع
الواقفين:
- أسرع شوية يا عبده مش هنبيّت هنا!
كالرصاصة، التى أشيع أنها ارتدّت فى صدور الجنود إبان
حرب الثامن و الأربعين، جاءت كلمة المدير لتخترق لا أذنيه فقط بل كامل روحه... لمح
فى عيون الواقفين نظراتِ التشفّى، فاحمر وجهُه خجلاً... رأى سنوات خدمتِه بالمصلحة
تنطفىء أمام عينيه واحدة تلو الأخرى. بقي له سلاحٌ واحده يستطيع إشهاره متى شاء:
"ودينى و ما أعبد لاسيبها تتطربق فوق نافوخهم!"
قالها سراً و هو يُحكم غلق الدرج بالمفتاح بعد إيداع
الختم بداخله، و كذا هاتفه المحمول.
أصواتُهم تتعالى مناديةً أن يعود، يلتفت إليهم كالفائز
فى الجولة الأخيرة، على شفتيه ابتسامةٌ خبيثة ترتسم:
- رايح دورة المياه! راجل كبير و عندي السكر، حد عنده
مانع؟!
حين عبر الشارع لم يجد عبد الرحيم كسائر الأيام.
جاء صبىٌ دون الحادية عشرة يمسك بصندوقٍ لتلميع الأحذية:
- ورنيش يا جدو؟
- فين عمك عبـ رحيم يا واد؟
- عيان.
- بتلمع بكام ؟
- خمسة جنيه للجوز. ورنيش مستورد!
- فين الكرسى؟
- مكسور. استنانى على سور الجنينة و هحطلك كرتونة تحت
رجلك. هاروح ألمعها بعيد عن الشمس.
أى إلهٍ بلا عرش؟
و هل فى كل
التاريخ المدوّن ثمة ملك لم يجد عرشاً يعتليه؟
لكنى سأقف
كالفاتحين الكبار،
الذين يدخلون من
الأبواب العالية معفّرين بتراب النصر...
قال للصبي:
- بس ماتعوّقش!
حين اختفى الصبي عن الأنظار، و صار عبد الإله حافياً لمح
سيارتين تحملان علم الدولة و ترافقهما دراجات نارية من الجانبين تتوقفان عند
البوابة الرئيسية للمصلحة. أسرع عددٌ من رجال الشرطة حول الموكب لتأمينه، فيما
امتلأ الشارع فجأة بآلات تصوير.
***
" فيــن عبد الإله ؟!! "
دوت صرخة مدير القطاع و هو يلتهم السلالم نزولاً ليستقبل
الوزير.
حين وصل الضيف رأى اصطفافاً
غير مألوفٍ أمام مكتبٍ يخلو من الموظفين.
على الجانب الآخر يأس عبد الإله من العثور على الصبي
الذى اختفى بحذائه تاركاً إياه حافياً تكاد الدموع تنفجر من مقلتيه.
ماذا يفعل الإله حين يعصاه عبادُه ... أى
عقابٍ سينزله بهم حتى يقتصّ منهم... إن يوم حشرهم لقريب...
اختفي الولد، و معه الحذاء، و شاهد المارةُ
رجلاً على حافة الهِرَمِ حافي القدمين يسب حظَه و أيامَه و ماسحي الأحذية فى كل
زمنٍ من الأزمنة، بل و امتد به السباب حتى طال المصحلة و رؤساءها السابقين و الحاليين...
التف حوله الجالسون على المقهى المجاور. أيادٍ مختلفة امتدت لتربت على كتفه و تجفف
عنه عرقه..
"هدى نفسك هنجيبهولك من قفاه"
"هى الجزمة غالية ؟"
يشعر للحظة أنه ذاب بين الحشد الملتف حوله،
يتخفف من كل شىءٍ تدريجياً... أجلسوه على مقعدٍ خشبي أتى به القهوجى، و منحوه كوبَ
ماءِ، نظراتهم الحانية و القلقة أنسته للحظة العقاب الذى سيطوله... حلقُه الجاف و
نفَسُه المتقطّع منعاه من شرح مأزقه...
جفناه انسدلا
ببطءِ حين حجب عنه الواقفون آشعة الظهيرة الحارقة... فى التفافهم حوله شىءٌ لم
يألفه منذ سنواتٍ بعيدة، حتى فقد الأمل كلياً فى استعادته، حين كان محبوباً و
مقدّراً من رؤسائه و مرؤوسيه... كان يأتيهم بالإفطار صباحاً، يعلّم أصغرَهم أصولَ
العمل و أدق تفاصيله، و يسجّل تاريخ ميلاد زملائه و أبنائهم حتى يكون أول المبارِكين...
يحتفظ بدفترٍ لتسجيل أقساط الجمعيات و أسماء المشاركين بها كما يحدد أول الحاصلين
عليها... و لا يذكر كم من المرات بلغ أقاصي الصعيد لحضور زفاف أحد العاملين معه...
و كم من المرات توسّط ين متخاصمَين فأنهى الخلاف بقليل الكلمات و أحكمها... و يذكر
له الأقدم عهداً بالمصلحة كيف حال مراراً دون توقيع الجزاء على المقصّرين، حتى علت
مكانتُه فى قلوب الجميع، و أنزلوه
منزله الأخ الأكبر الذى لا غنى عنه في حياتهم... كان مثل شجرةٍ مورقة تطوّقها
الثمار، بيد أن موسم أفولها قد حان...
" الـ ... ختم"
قال بصوتٍ متحشرج و هو يجاهد عينيه الدامعتين ليبصر
السيارتين الواقفتين من بعيد. أدرك من حوله أنه يحاول الوقوف... يدان امتدتا بلطفٍ
نحو كاحليه لترفعهما واحداً تلو الآخر ثم تضعهما فى قبقابٍ خشبي جىء به من أمامٍ
المسجد المجاور...
" عاوز تروح على فين يا حج ؟"
سار فى موكبٍ يتكوّن من أحد صبيان القهوة، و بعض
الجالسين بها، عبروا الطريق و هم يمسكون بذراعيه النحيلتين المرتعشتين من
الجانبين. كان منهك القوى تماماً يكاد يسقط إذا تُرِك. صوت قرقعة القبقاب مع كل
خطوة تذكّره بمذلتِه، و بما هو ملاقيه بعد لحظات...
عند الدرجات الأولى للبوابة منعهم الحرس المرافق للزائر
الكبير من الدخول، لولا أن أشار عبد الإله لأحد مرافقيه نحو جيب قميصه، فأخرج له بطاقة
هويته. سُمِح لهم بالمرور السريع من خلف الحشود المكتظة فى كل ممرات المصلحة.
صوتٌ زلزل الأرض تحت قدميه، أتى من بعيد مخترقاً الصفوف،
يعرف غلظته حين يوبّخ و حين يتوعّد.
" عبد الإله !!!"
شعر بوهجٍ ينتشر، ضوءٌ كثيف يسقط عليه فجأة، تحوّلت
الكاميرات نحو الوافد الستيني الذى يرتدى قبقاباً من خشب و تحيط به الأيدى من كل
جانب. تجمّد الجميع للحظة، قبضت كفّاه بعنف على الأذرع التى يستند إليها، ودّ لو
أن عمره لم يمتد إلى تلك اللحظة، و تخيّل كيف سيصير أضحوكةً حتى بعد مماته. تمر
بذهنه كل العناوين التى ستتسابق المواقع الإخبارية على كتابتها: "شاهد... فى
أول زيارة له، الوزير يعنّف موظفاً يلبس قبقاباً" ... سيًحال حتماً للتحقيق،
و سيؤخذ منه الختم، و ستنتهى مدة خدمته بنقطةٍ سوداء فى ملفِه التقطتها العدسات فلن
تنمحى!
المدير يحملق فيه بعينين تمتلئان برغبةٍ حيوانية فى
الافتراس، و الوجوه مندهشةٌ تعجز عن تفسير ما ترى.
صوتٌ آخر أتى من وسط الصفوف، ليفتديه فى اللحظة الأخيرة:
" ألف سلامة يا عم عبد الإله... وسعولوا الطريق يا
اخوانا و هاتولوا كباية مياه... أصله كان بيتوضأ و اتزحلق فى دورة المياة" !
بدأت الأصوات تهمس من حوله و هى تتمتم:
" حمدلله على السلامة "
"جت سليمة "
" حد يشوف دكتور بسرعة! "
يحيط به زملاؤه بسرعة... يذوب بينهم من جديد... يضيع صوت
قرقعة قبقابه بين خطواتهم.. يصطحبوه إلى مكتبه... يبتعد أخيراً عن الأضواء التى
كانت مُسلطةً عليه منذ لحظات. ذراعاه تنبسطان على سطح مكتبه بعد طول تشنج، و يتنفس
بعمق.