خاطت أمُه القميصَ المنسول من عند الجيب.
لاحظت أن لونه البنى أصبح باهتاً من كثرة الغسيل و الكى. لكنها غالبت شعورَها
بالأسى و هى تناوله إياه و قد علا وجههَا ابتسامةٌ دافئة. يمشّط شعره المجعّد أمام
المرآة بينما تقف هى وراءه , تلف ذراعيها بإشفاق حول جسده العشرينى النحيل, و
تعدل من ياقة قميصه التى اهترأت من كثرة الخياطة .
- أول الشهر لك عندى واحد غيره .
يبتسم
لعبارتها , فترى ابتسامته انعكاساً فى المرآة قبالتهما . يعرف أن وعدها هذا يتكرر
مع كل خيط جديد ينضم إلى نسيج "هِدمته" البالية فى محاولةٍ لإبقائها
متماسكة. أشرفتْ بعناية على هندامه و حمدت الله أنه لم يكتشف البقعة أعلى الكتف
التى استعصت حتى على الغسيل اليدوى.
قبل أن يغادر المنزل سمع صوتَها يأتيه
مستجدياً الانتظار . لحقت به قبل أن يغلق باب الشقة . شخصت فى عينيه مؤنبةً و هى
تدس شيئاً ما فى جيب بنطاله .. لا تتركه يمضى قبل أن تحصّنه بوصيتها اليومية
: "أمير , خليك قوى زى أبوك ". بدت له تجاعيدُ بشرتها هذه المرة أكثر
وضوحاً تحت مصباح المنور الأصفر. كيف غزا الشيبُ وجهَك يا أمى ؟ ثار بداخله السؤال
, بيد أنه اكتفى بإيمائة الطاعة .
يتفادى
الذهاب بمترو الأنفاق . استقل ميكروباص و جلس بجوار السائق , حيث يستطيع أن يُخرج
كاملَ عنقِه إلى الهواء. تزاحمه الأفكار حتى فى هذا المشوار الاستثنائى خارج الحرم
الجامعى . لم يخبر أمَه - على الأرجح - أن هذه هى المرةُ الأولى التى سيجلس فيها
منفرداً مع امرأةٍ سواها! نعم , فبعيداً عن أوراق الدراسة , و الرطوبةِ المضنية فى
المدرجات المكتظة على أتمها, و ستائرِ البخور الملتفة حول رأسه كطقس أسبوعى لمنع
الحسد , و وصفات العطارة المشبّعة بنظرة أمٍ تتحسرعلى وحيدها و هو يسعل . سوف يقابلها ..
" من يدرك من الجالسين حولى سببَ سعالى و
الأزيزَ الذى يخرج من صدرى متى انقبض ؟ أورثنى أبى عينيه الحزينتين , و مرضَ الربو
. و هذه مضخة (الفينتولين) لا تفارق جيبى . حاولتُ تناسيها ليومٍ واحد , لكن أمى
لا تنساها أبداً .. اليوم سأقابل علياء , و سأحاول السيطرة على رجفة الخجل فى جسدى
حين ألبى دعوتها من أجل شرح ما فاتها. " انتشى و هو يتذكر محياها حين أتت
تطلب منه ذلك.
لكن لماذا تختاره من وسط كل أوائل الدفعة , و
لماذا قررت لقاءه بعيداً عن الجامعة ؟ وأد هذه الأسئلة قبل أن تختمر فى رأسه , فمن
ذا الذى يسأل الشمسَ عن سبب إشراقها , و من يمكنه أن يستجوب ندى الصباح عن علّةِ
سقوطه ؟! " هى دعتنى لأنها دعتنى , و هذا يكفى " ابتسم و قد ارتاح لهذه الإجابة و راح يتابع الشمس فى مغيبها . فالأوقات السعيدة هى التى يُضيف
إليها بعضاً من أحلام اليقظة , فيصعب عند تذكارها التفرقةُ بين ما حدث فعلاً , و
ما كان يتمنى حدوثَه.
وصل مع أفول الشمس , انتظرها عند باب مقهى
على الطراز الأوروبى كانت قد حددتْ مكانَه فى حى الكوربة. رآها قادمةً من بعيد ,
يرتج جسدُها فى ملابسَ ضيقة بلا أكمام , شعرُها القمحى يزداد جمالاً اذا سحبه
الهواء للخلف . صافحته باليد كأنهما صديقان منذ زمن بعيد , فبدت أجمل مما هى فى
أصباح الدراسة المملة. وضعتْ ساقاً فوق الأخرى حين جلسا على الطاولة متقابلين,
فتضاعفت فتنتُها . طلبتْ لهما فنجانى قهوة و قدمت له قلما و بعض الأوراق. ينظر
إليها شارداً . فالتى كان يتمنى أن
يلاقيها صدفةً فى قاعات الدرس سوف ينفرد بها بعيداً عن أعين المتطفلين و الحُسّاد لساعتين
أو أكثر . " ما أعظم نفع البخور يا
أمى." تبسّم أمير و هو يحدث نفسه بذلك..
أمى." تبسّم أمير و هو يحدث نفسه بذلك..
ابتدأ يشرح لها ما تغيّبت عن حضورِه. كيف كان ليصدق أن فى مساء كهذا سيجالس علياء , و سيقوم
على خدمته جارسونات ببدلٍ بيضاء و رابطة عنق داكنة على غرار تجمعات الصفوة كما فى
أفلام الأبيض و الأسود!؟
.تستحوذ عليه نشوةٌ لم يصادفها قبلاً. لأول مرة يرى نفسه يتحكم فى مسار الحديث و فى ترتيب الموضوعات , يأذن لها بالسؤال متى أراد و يرتشف قهوته على مهل. هدأت زخات القلق بداخله , حتى أنه تجرّأ فقطع جديةَ الحديث بنكتةٍ كان قد حفظها لموقف كهذا. فضحكتْ حتى علا صوتها , فأحس أن بضحكتها قد صفعت وجوهَ كل من اتهموه بالعزلة و كل من سخروا منه قائلين "هو انت ليه كئيب كده ؟" أراد فى تلك اللحظة أن يدحض ادعاءهم و يصرخ فيهم جميعاً :" أيها الكذبة..لقد أضحكتُها
أفلام الأبيض و الأسود!؟
.تستحوذ عليه نشوةٌ لم يصادفها قبلاً. لأول مرة يرى نفسه يتحكم فى مسار الحديث و فى ترتيب الموضوعات , يأذن لها بالسؤال متى أراد و يرتشف قهوته على مهل. هدأت زخات القلق بداخله , حتى أنه تجرّأ فقطع جديةَ الحديث بنكتةٍ كان قد حفظها لموقف كهذا. فضحكتْ حتى علا صوتها , فأحس أن بضحكتها قد صفعت وجوهَ كل من اتهموه بالعزلة و كل من سخروا منه قائلين "هو انت ليه كئيب كده ؟" أراد فى تلك اللحظة أن يدحض ادعاءهم و يصرخ فيهم جميعاً :" أيها الكذبة..لقد أضحكتُها
فيما كان مستغرقاً فى الشرح صاحت علياء
مناديةً شاب قوى البنية دخل لتوه المقهى , أشارتْ له فأتى صوبهما . كانت تود
إخبار جليسِها بهوية هذا الشاب , إلا أن الأخير لم يمهلها الفرصة , انحنى بجذعه
نحو وجهها لاثماً خدها ببطء بينما التف ذراعُها مطوقاً جسدَه الممشوق. سحب كُرسيا
و جلس متوسطاً إياهما , قلّدها بوضع الساق فوق الأخرى , فيما بقيت يده راسيةً على
كتفِها .
- ده سامر .. صاحبى .
إحنا دايما بنقعد هنا .
هكذا قالت علياء , مُتكئة على لفظة "
صاحبى " , التى جعلت أحدهما يعتدل بزهو فى جِلسته بينما الآخر ينزوى كنبتةٍ
حان
قطفُها.
قطفُها.
- و ده أمير , زميلنا و
بيشرح كويس أوى .
بعد أن أكملت علياء التعارف بين أمير و سامر
, صاح الأخير ضاحكاً :
- و إيه فناجين القهوة دى انتم قاعدين فى
عزاء ؟!
ثم نادى النادل بصوتٍ تملأه الثقة :
- شيل يابنى الكلام ده و ظبتلى انا و لولو
اتنين تفاح زى كل يوم .
شاركته علياء الضحك , و ازداد أمير ضموراً فى
مقعده . أحس بأن كل ما فى المقهى يلفظه ,
حتى فنجان القهوة حمله النادل من أمامه و
هو نصف ممتلىء . نظر إلى علياء فوجدها مُطرقةً إلى وجه الضيف الذى أحاله ضيفاً, بقميصه المفتوح حتى أسفل الصدر , و عضلات ذراعيه البارزتين و التى تطوقها .
أطال النظر إليهما , يبدوان لوهلةٍ كنسيجٍ مترابط من الملابس ماركة جوتشى و تيد بيكر و ساعة مونت بلان التى تزين يسراه , و يبدو هو أمامهما كبقعة تستعصى على المحو , كتلك المستقرة على قميصه البنى أعلى الكتف .
أطال النظر إليهما , يبدوان لوهلةٍ كنسيجٍ مترابط من الملابس ماركة جوتشى و تيد بيكر و ساعة مونت بلان التى تزين يسراه , و يبدو هو أمامهما كبقعة تستعصى على المحو , كتلك المستقرة على قميصه البنى أعلى الكتف .
جاءه صوت سامر متسائلاً :
- تحب تشرب تفاح معانا ؟
- لا
- أجابه صارخاً , و متردداً . اندفعت أصابعه
بحركة وقائية أ تتحسس مضخة الفينتولين. كأن جُرح اللحظة
وجد طريقاً إلى عِلّته الموروثة . شعر بضيق يُغلق رئتيه . ضحكة علياء ,ذراع سامر
المُطوقة لها , دخان الشيشة الذى راح يفوح من أنفيهما , السعال الذى بدأ يدب فى
قصبته الهوائية . كلها أطياف تتلاحق كحُلم ليس منه انتهاء
تفاجأ الحبيبان بهذا الشاب الضئيل مقصوف القامة الذى راح يتقطع سُعالا جافاً بغتة
:قال له سامر
ايه يا وَحش , هتموت و لا إيه ؟!
تفاجأ الحبيبان بهذا الشاب الضئيل مقصوف القامة الذى راح يتقطع سُعالا جافاً بغتة
:قال له سامر
أراد أن يجيب :
- أن ا . . م ر يض
لكنه
لم يقلها , أو ربما خرجت مصحوبةً بحشرجة من حنجرته التى يشقُّها السعال.فلم
تُفهَم . يحدّق الاثنان فيه و قد ازداد وجهه احمراراً فى محاولته لكتمان أعراض
النوبة.
سألته علياء إذا كان بحاجة إلى مساعدة , أو يريد
استكمال الشرح فى وقت لاحق , أجابها بإيمائة الموافقة ,فربما كان يتوسل إليها أن تخرجه من هذا المشهد.
صوت ضحكاتهما , و قرقرة الشيشة , كلها ضوضاء
تخفت كلما ابتعد عن طاولتهما . تهتف فى أذنه عبارتها الجديرة بالتذكر: "ده زميلنا . بيشرح كويس " .. للمرة الأولى ,تعتريه رغبةٌ عميقة و ملحّة فى الإرتماء
فى أحضان أمه . يتذكر وصيتها .. نعم أنا قوى, أنا قوى مثل أبى. يحاول السيطرةَ على
أطرافه بتلك الكلمات , ينتظر الخروجَ من الباب حتى يعالج نوبةَ السعال . مع لفحة
الهواء البارد فى الخارج , وجد مقلتيه و قد أفرغتا ما بهما من الدموع . بكى. سارع
يستجدى أقرب تجمعٍ لعربات الميكروباص , يجلس فيه بجوار السائق , يخرج عنقه من
الشباك المفتوح , ينتظر رؤية أمه , و يتحسس دواءه القابع بجيب بنطاله .
***
