الجمعة، 10 يوليو 2015

" طيور لم تحلق بعد " ( الجزء الثانى و الأخير )


و هذا ما كتبته السيدة فريدة فى أول جلسة مساندة نفسية مشتركة :

اسمى فريدة كمال ابراهيم , من مواليد القاهرة 1943 , احدى اللائى رأين مصر حين كانت وطنا يسكنه الآدميون . يتهمنى ابنائى انى مصابة بالزهايمر , و أرد تهمتهم بأنهم مصابون بالجهل .. الذين شهدوا الحياة على هذه الأرض قبل خمسين عاما أو أكثر بالتأكيد سيكونون اكثر شقاءا ممن عرفوها كما هى الآن .

نشأتُ فى حى الزمالك و قضيت به معظم سنى شبابى , فقط شهور الصيف كنا نقضيها فى فيلا الاسكندرية .. كان أبى تاجرا , التجار فى ذلك الزمان كانوا اشبه بالرُحّل , زرت معه أغلب بقاع اوروبا و عرفت اصدقاءا من كل مكان حطينا اليه الرحال . أغلب منتزهاتنا بالقاهرة كانت مناصفة بين شارع عادلى بوسط البلد أو ذهابا الى حى الكوربة .

جاء أبى بجرامافون أيطالى بحواف مذهبة و معه اسطوانات فخيمة ل" اديث بياف " , اعظم صوت نسائى سُمع على مسارح باريس . اجتماعنا المسائى المعتاد بالشرفة المطلة على حديقة التوت , انا و أمى و أبى , نجلس فى اصغاء لتلك الألحان الشجية و الأصوات العذبة المنبعثة ...

اخبرنى أبى انه عايش اليهود قبل ان يرحلوا عن بلادنا , كان يقول ان ما كان يجمعنا اكبر جدا مما فرّقنا ..

رأيتُ شوارع الأحياء الراقية و هى تتسع للجميع , و محال الملابس و هى تعرض الصيحات الأوروبية فور نزولها . تربينا على قواعد الاتيكيت التى علّمتنا الذوق فى كل تفصيلة من تفاصيل يومنا .. 
باختصار , رأيتُ وطنا غير ذاك الذى تعيشون فيه , و تلك هى المشكلة ..

آل كل شىء تدريجيا الى الزوال , كأن السماء قد لعنت تلك البقعةَ من الأرض . زاد البشر , وقلّت الأخلاق .. تحولت خيرات الأرض الى أوعية تحوى كيماويات تنحر فى اجسادنا . فقد كل شىء مذاقه الذى اعتدنا عليه .. اصبحتُ امقت كل ما حولى , و من حولى . اشكال الناس , طريقة كلامهم , مفرداتهم , الوان ملابسهم , صوت موسيقاهم الفجة , كل شىء .. تحولت بونجور يا هانم الى سلام عليكم يا حاجة .. و هذا كافٍ !

كنت اسير بمفردى منذ أشهر فمرّ بجانبى شاب من دور ابنائى , له لحية طويلة و ملامح غليظة , اعترض طريقى و قال فى تبجح : اتحجبى يا مَرة بدل ما انتِ معرية شعرك كده , طب ده انتِ حتى يومين و هتقابلى ربك "

بكيتُ كما لم اظن ان ابكى هكذا من قبل , و عاهدت نفسى ألا اسير وحدى مطلقا ...


* * *

و هذا ما كتبته الهام فى أول جلسة مساندة نفسية مشتركة :

اسمى الهام السيد محمد , من مواليد الزقازيق1980 , اكملت تعليمى الثانوى بمدرسة فى شبرا الخيمة بعد ان انتقل بى عمى و أسرته الى القاهرة . قال لى ان ابى يعمل بالخليج علشان يجيب لى فلوس .. كان فاكرنى بريالة !

اكتشفت بعد فترة ان ابويا واخد تأبيده لتجارته فى المخدرات ..

 أما أمى فقد فضلت أن تبدأ صفحة جديدة من حياتها , تزوجت و عاشت فى الاسكندرية و لم تأتِ لزيارتنا ابدا ..
لا أذكر أن دعانى احدٌ للصلاة طوال فترة طفولتى , و لا عمرى حضرت درسا دينيا . كنت أستهزىء دائما بمن يصوم رمضان . عشتُ فى بيتٍ لا يُذكر فيه اسم الله الا لما يحلفوا .. و غالبا كان بيبقى كذب .

آسفة على الى باكتبه ده لكن للأسف مفيش فى حياتى حاجة تانية مشرفة اقدر اشارك بيها ..

أول سيجارة كانت فى الاعدادية , لكن بعد كده بطلتها اه .. لكن قلت اجرب النوع الى ابويا هيقضى بقية عمره فى السجن بسببه ..
اول بوسة  كانت فى آخر سنة فى المدرسة , مكانتش عن حب طبعا , لكن على سبيل التجربة .  من الآخر,  بوسة جابت التانية لحد ما بقت شغلانة بعد اليوم الدراسى , شغلانة و لها رزقها و زباينها , و لها كمان اماكنها فى الحوارى الى حوالين المدرسة .

التفاصيل حكاويها بتتعبنى , باحس انها معلّمة فى كل مكان فى جسمى , الشىء الوحيد المشترك ما بين كل الشباب الى عرفتهم فى الفترة دى هو السرعة , السرعة فى البحث عنى ما بين الحوارى كأنى اسورة الماظ ملهاش صاحب , و السرعة فى التخلص منى بعد ما الموضوع ينتهى كأنى لفافة بانجو !

كانت هواية لحد ما بقت فعلا شغلانة و مصدر رزق ..
 دى أسهل مهنة ممكن تروج لها من غير مجهود . أنت السلعة و انت البيّاع .. اصل الذكاء هو استغلالك الصح لنقطة ضعف الى قدامك !

انا باكره الرجالة , و بالرغم من كده انا الى باجرى وراهم , و عشان كده أنا باكره نفسى لأنى ضعيفة قدامهم .. هما شايفنى جميلة , و انا بأقرف لما باشوف نفسى فى المراية .

انا مش عارفة انا ازاى باكتب الكلام ده لكن اوقات الفضفضة بتريّح ..

* * *

و هذا ما كتبه يوسف فى اول جلسة مساندة نفسية مشتركة :

اسمى يوسف عطية حليم , مولود بالقاهرة سنة 1994 . اعرف ان مظهرى يشى بالبلاهة و يثير السخرية و ليس هناك داعٍ لانكار تلك الحقيقة او حتى محاولة التخفيف من وطأتها على نفسى.   نعم ,اعتدت على مثل ذلك التعامل من كل من يرانى . أصبحت كلماتهم البذيئة التى تصف ملابسى العتيقة و حركاتى العصبية البليدة نشيدا يوميا آلفت سماعه ممن حولى ممتزجا بضحكاتهم الساخرة.
 بقى أن تعرفوا أن هذا السلوك تجاهى لم يحيلنى كائنا ماقتا على من حولى كما يمكن الظن , على العكس تماما, كل العذر للبشر ماداموا غير قادرين على معرفة ما يحمله القلب ..

كنت الأول على الجمهورية فى الثانوية العامة , كما كنت دائما فى كل سنوات دراستى.
 لم اعرف طريقا آخر سوى طريقىّ المنزل و المدرسة , و لما غادرتها استبدلت طريقها بطريق كلية الطب . كنت احلم ان اصير فنانا , فصرت مهووسا كما تروننى !

 رفض ابى الا أن يرانى طبيبا , أرغمنى أن أستبدل الفرشاة و ألوان الزيت بالبالطو الأبيض . وافقت مرغما لأن القرار عادة ما يكون فى يد الأكثر شجاعة على التعبيرعن موقفه .. عاملنى بقسوة كيما اصير شديدا فى حياتى , فصرت اضعف الضعفاء ..

يمكن للآباء ان يشكلوا حياة بنيهم كيفما يشاءون , بشرط ان يتحملوا بكل الرضا نتيجة ما زرعوه . على الصانع تحمل شكاوى المستخدمين !

رآنى ابى ذات يوم عائدا عقب انتهاء محاضراتى , استقليت المترو , أنا و فتاة من دفعتى كنت معجبا بها منذ شهور , تجرأتُ عارضًا عليها توصيلها فى ذلك اليوم , علّنى أستجمع شجاعة المواجهة فأفضى لها بما فى قلبى , او ما كان ..
أمسكت بأطراف أناملها و نحن على رصيف المترو بعد نزولنا , نظرت لى بدهشة لا تخلو من الفرح , او الترقّب . لحظتها شعرت أنى لازلت كائناً مرغوباً فيه و يمكن له ان يختار بملء ارادته و أن يحب دون خجل . اشتبكت يدانا و قد ارتسمت على شفاهنا بسمة استقرت فى عمق وجداننا.. 

كافيةٌ هى تلك اللحظة لتكفكف عنى آلام الحاضر ..

كفٌ انطبق على خدى بعنف شديد ليعيدنى الى ذكريات العقاب فى المدرسة الابتدائية . كان أبى , و تلك كانت يده .. تذكار تلك اللحظة يدغدغ رأسى . سمعتُ صوته غليظا آتيا من وراء طرقعة أصابعه على فكّى .
" سايب كليتك و مستقبلك فى كلية الطب و رايح تتصرمح مع النسوان !! " 

لطمنى ابى و انا شاب جامعى بكلية قمة على رصيف المترو و وسط حشد من الناس و امام الفتاة التى احبها ..

 هوت نظارتى ارضا من فرط ارتطام يده حتى استقرت بالقرب من كاحلى. اندفعتْ دموعى فى مقلتىّ كحركة لاارادية مما أفقدنى القدرة على تمييز الوجوه من حولى . فقط عطرُها الذى كنت اشتمّه ملء رئتاى منذ لحظات بدأ يتلاشى كأنه ذكرى عابرة داستها الأيام ..
 لماذا كان عليها ان تنتظر بعد ما حدث امامها ؟ هذه احدى المواقف التى لا تتطلب الكثير من الوقت قبل اتخاذ القرار بالرحيل , او الفرار !
يكفى هذا ...
* * *

رمقهم الدكتور فهمى من وراء النافذة و هم فى طريقم الى البوابة الخارجية للعمارة , ثلاثة اجساد تتكىء على بعضها .. من الصعب التنبؤ بفترة العلاج و لكن يمكن بشىء من التمرس معرفة ما اذا كان المريض يسير فى درب التعافى أم لا . و قال فى نفسه انه على الأقل فازت السيدة فريدة اليوم بأربع ايادٍ اضافية بمقدورها أن تتعكز عليها كيما تعبر الطريق . بينما ستكون هذه احدى المرات القلائل لالهام التى تقدم فيها مساعدة لأحدٍ دونما ثمن ! 
كان قلقا بشأن يوسف , الى أن رآه على امتداد البصر يدور من وراء السيدتين فيقف فى الجهة المقابلة لاندفاع السيارات ملوحا بيده ليهىء لهما طريق العبور ..

دوّن الطبيب تلك الملاحظة :
" التغيرات البسيطة , مع استمراريتها , هى التى تقودنا دائما الى النهايات العظيمة"


( تمت )


الخميس، 9 يوليو 2015

طيور لم تحلق بعد ( قصة - الجزء الأول )


ساعدها احد الواقفين خارجا على دفع باب المصعد عند وصولها الى الطابق الرابع. كانت يداها المرتعشتان تظهران حاجتها البالغة الى المساعدة و ان لم تطلبها صراحة ً. انطلقت زفرةٌ طويلة منها اثناء خروجها من المصعد و كأنها قد قطعت شوطا طويلا من الوثب . لم تكترث لأى من الواقفين امامها , أراحت اناملها على احدى الجدران و هى تحاول حفظ اتزان جسدها فوق الكعب العالى الذى ترتديه . اخذت تتطلع ببطء الى الشقق الثلاثة الموجودة فى هذا الطابق. أراد أحد الواقفين تقديم العون لها ,كان هو على الأرجح من فتح لها الباب منذ برهة , قال لها :

 - تؤمرى بأى حاجة تانية يا هانم ؟ 

أمالت رأسها بسأم و هى ترفع كفها قليلا فى اتجاه المتكلم مشيرةً بالنفى. نظارتها السوداء ذات الاطار الكبير تحجب اغلب تجاعيد اسفل عينيها , مخفيةً معها ايضا كل تعبيرات وجهها الذى يبدو للناظر بلا اى انفعال. كانت نظارتها الشمسية هذه فيما يبدو هى احدى الوسائل الدفاعية التى تمكنها من الاحتفاظ بمسافة كافية مع من حولها . فعندما نشعر بسخط تجاه اشخاص ما , نتمنى رؤيتهم جميعًا بلونٍ واحد ..
تثبتت من العنوان المنشود , الذى باتت تنساه بفعل السن كلما جاءت  فى هذا الموعد من كل شهر. وقفت قبالة احدى الشقق المردود بابها , دقت الجرس آبية ان تدخل قبل أن يستقبلها أحد الذين بالداخل , مع أن ضغطة رقيقة على احدى ضلفتى الباب تكفى لانفراجه على مصراعيه. فتح الباب شاب طويل القامة , يبدو عليه أنه أحد العاملين الجدد بالعيادة . كان مغتاظا فى بادىء الأمر من فكرة دق الجرس مع امكانية الدخول دون عناء الانتظار , لكنه لما رأى ان الواقفة على عتبة الباب سيدة أتمت او قاربت على اتمام السبعين من عمرها أشار اليها خجلا بالدخول و قد ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة . جلست على احدى الأرائك الوثيرة الموزعة بعناية على جنبات تلك الردهة الفسيحة .تلمست بحذر متناهى الحافة المذهبة للأريكة لتطمئن لتمام نظافتها و خلوها من الأتربة , قبل ان تسند اليها ذراعها . اخرجت مروحة من القماش الرقيق المطرز من حقيبة يدها و أخذت تحركها على مقربة من وجهها بحركة نصف دائرية من معصمها .
هرول اليها عامل آخر بدا عليه التمرس فى فنون التعامل , طلّ عليها بوجه بشوش قائلا :

" اهلا اهلا فريدة هانم , منورة الدنيا كلها والله , قولى لى تشربى ايه يروقلك اعصابك من زحمة الشارع ؟ "
- متشكرة يا خالد , شوف لو عندكم اى عصير فريش و يستحسن لو يكون برتقال .

- كان بودى والله يا ست الكل لكن مفيش فريش , لكن ممكن ابعت اجبلك علبة عصير من اى مكان .

علت نبرة صوتها الخشنة كأنها تروس فى ماكينة عفا عليها الزمن :
- لأ لأ العلب دى لأ , ملهاش طعم خالص . اعملى طيب كوباية ليمون .

- تؤمرى يا هانم , حالا .

ابتسم خالد عند اقترابه من المطبخ حينما سمع صوتها يعلو من جديد بذات النصيحة التى تتكرر دائما :

" ماتنساش تغسل الكوباية كويس احسن تجيب أمراض , و صفّى الليمون على الآخر عشان مفيش حاجة تشبك فى اسنانى , و اياك تحط ثلج . "

على الجهة المقابلة من مكان جلوسها كانت تجلس شابة يشى مظهرها بأنها لم تبرح الثلاثين بعد , هيئتها تدل على انتمائها الى تلك الأوساط المهجنة التى طفت على سطح المجتمع . ملابس تحاكى احدث صيحات الموضة و طريقة جلوس لا تختلف كثيرا عن اهل الريف ! جلست دون أدنى تكلف مباعدةً بين فخذيها , كانت ترتدى بنطالا من الجينز منحوتا على خصرها و بلوزة زرقاء لون السماء مفتوحة ازرارها العلوية , ربما عن قصد .. لما سمعت حوار تلك السيدة المسنة حاولت كتمان ضحكتها لكن محاولتها باءت بالفشل فخرجت رغما عنها . نظرت اليها السيدة فريدة بشىء من التأفف دون ان تتزعزع فيها ثقتها الأنثوية , وضعت الأخيرة ساقا على الأخرى كعادة نساء الطبقة الأرستقراطية و اخذت تدور بعينيها بين اللوحات التى تزين الحائط .
قطع الصمتَ صوتُ تلك الشابة و هى تنادى على سكرتير الطبيب بصوت لا يعرف اقل القليل من حياء النساء :

" ما تفتح يا عم التلفزيون خلونا نتسلى على بال ما يجى دورنا , و لا انتم حطّينه زينة ؟! "

ثم انطلقت منها ضحكةُ اخرى اطول من سابقتها . مازحها السكرتير و هو يعطيها (ريموت) التلفاز , امسكته و بدأت للتو فى التنقل بين المحطات حتى استقر بها التطواف امام احدى قنوات الأغانى العربية .. لم تسطع السيدة العجوز تحمل هذا الضجيج المنبعث من الشاشة أمامها حتى صرخت بأعلى ما عندها :

- ايه القرف ده , اقفلى يا بنت انتى الزفت ده او غيرى المحطة .

هرول اليها خالد و فى يده كوب الليمون , و ضعه على منضدة صغيرة بجانبها و هو يحاول تهدئتها . رفعت الفتاة يدها بسرعة تجاه التلفاز ضاغطة على الزر فانطفأ . قالت لها الأخيرة :

- خلاص يا ابلة انا ماعرفش ان صوته بيضايقك , انا قلت اهو نتسلى شوية .

كان خالد اقدم المساعدين للطبيب و كان على دراية بكيفية التعامل مع المسنات , جلس على ركبتيه حتى بدا اقصر من السيدة فريدة و استمر فى هدهدتها و الاعتذار لها . حيلةُ لاقناع من هم اكبر سنا بأنهم لازالوا فى حيز القيادة . ثم قرّب الكوب امام شفتيها لتتذوقه حتى هدأ جسدها من ثورته مستعيدةً بذلك معدل ضربات قلبها الطبيعى . قال لها فيما قال :" آنسة الهام مكانتش تقصد تضايقك والله "

- هاتلى طيب قناة فرانس 24 , عاوزة اشوف اخبار الدنيا ايه .

على الفور جاء لها خالد بمحطتها المفضلة قبل ان يجعل الريموت يستقر على الأريكة بجانب يدها ليطمئنها بأنه لا احد قادر على تعكير صفوها مرة اخرى ..
على مدى عشر دقائق امام محطة الأخبار الفرنسية شعر جميع الجالسين بالملل ما عدا تلك السيدة السبعينية التى تتقن لغة الجمال و الذوق مثل اغلب بنات جيلها . اما تلك الفتاة التى كادت تتسبب لها فى ازمة قلبية منذ دقائق , فقدت الأمل فى فهم اى مما يدور امامها على الشاشة فثقلت أجفانها و قد مدّت احدى ساقيها بطول الأريكة جاعلة ذراعاها وراء رأسها . حتى أن جزءا من بطنها قد انكشف بشكل عفوى و هى مستلقية دون ادنى اكتراث .

دخل زائر آخر , شاب على مشارف العشرين من عمره , يرتدى بذلة سمراء مخططة و كرافتة منقوشة لا تتناسب مع صغر سنه ابدا , بدا عليه التردد الشديد حتى ظن من بالداخل انه ضلّ طريقه. خرج  ليتأكد مرارا من البيانات المكتوبة على اليافطة الخارجية للعيادة , ثم يطابقها بما هو مدون على الكارت الذى اخرجه بعناية من جيب بنطاله . غمغم خالد ببضع كلمات لم يسمعها سواه , سيطر اليأس على كل تقاسيم وجهه و هو ينادى على الشاب :

- اتفضل يا يوسف , حمدلله على السلامة , ايوة و من غير ما تتعب نفسك و تنزل تسأل البواب زى كل مرة , هنا عيادة الدكتور فهمى أمين استشارى الطب النفسى , و الدكتور خلاص على وصول , اطمّن ! "

دخل الشاب دون ان ينطق بكلمة , ينظر حوله مذبهلا و كأنه يرى مخلوقات تهبط من اكوان اخرى , يتأبط بعض الأوراق بطريقة تبدوعشوائية و يمسك بكيس بلاستيكى به بعض اقراص من الأدوية . ازدادت حيرته حين وجد اكثر المقاعد شاغرة , ليبدأ رحلة المعاناة فى اختيار اى مكان الأنسب للجلوس . ترك الثلاث ارائك المريحة و المبطنة و ذهب ليجلس على مقعد خشبى عتيق ملاصق لغرفة الطبيب .. هكذا دائما البشر مهما تزينت خوارجهم , لا يجدون الأمان الا بجوار من يملكون شفاءهم . 

ثبّت يوسف نظره على نقطة بعينها على البلاط امامه , وضع اوراقه فى حجره مخبئا ما بين رجليه.  حتى السيدة فريدة لاحظت ثمّة ارتجافة تنتشر فى خلايا جسده لتستقر اسفل حجابة الحاجز . اللحظة الوحيدة التى اراد فيها الثورة على حاله , قرر فيها أن يجول بعينيه ليشاهد تفاصيل غرفة الانتظار الذى يجلس فيها . و ليته لم يفعل ! اول ما وقع بصره عليه كانت الهام التى ظلت شاخصة الى السقف و هى مستلقية على الكنبة بينما لم تلحظ ارتفاع بلوزتها و انكشاف لحمها لسنتيمترين او اكثر . كان كمن مسًته صاعقة شعواء عصفت بجسده , انتفض  بغتة و سقطت الأوراق بين رجليه و هو يحاول التجشم و السيطرة على اطرافه و لكن هيهات. التفتت اليه الهام فذهلت من منظره , لم تعرف ايهما اولى بالسيطرة على زمام الموقف , اهى السخرية من شاب صغير يرتدى ما يفوق مرحلته العمرية بكثير , يفزع من كل ما هو مألوف. ام هى الشفقة على هذا الكائن الذى لا يفتر جسده عن الارتجاف و كأنه فأرٌ سقط فى وكر للقطط البرية الشرسة . على اية حال قالت له فى نبرة لا تظهر نية قائلها الحقيقية :

 - محتاج مساعدة يا كابتن ؟ 

تلعثم يوسف و هو يكاد ينبطح ارضا ليعيد الامساك بأوراقه التى تبعثرت تحته . حدة الموقف جعلت لسانه يأبى ان يخرج جملا مهندمة :

- انا آسف بأمانة .. مكانش قصدى اوقع الورق , دى غلطتى انا عارف , انا اصلا مهمل .

اعتدلت الهام فى جلستها و قد امالت ظهرها الى الأمام واضعة رأسها فوق كفيها و هى تصوب نظرها تجاه جسد الصبى المرتجف الذى لا يلبث ان يلمح نظرتها له و تركيزها عليه حتى تخور قواه فيزداد فى تشنجه .. كانت تبدو مستمتعة لاحساسها بالهيمنة عليه و كأنها تتفنن فى تعذيبه ..
أسرع اليه خالد ليساعده فى ترتيب اوراقه من جديد . كانت المفاجأة لهذا الأخير حين تعرف لأول مرة عن قرب ماهية تلك الوريقات المهترئة التى يصر يوسف على اصطحابها معه فى كل مرة . كانت فى الحقيقة رسومات بدائية على اوراق منزوعة من كراسات مدرسية لطفل دون السادسة , ملونة بألوان الخشب الرديئة و مكتوب اسفل كل منها بخط لا يقل ردائة عن الرسومات نفسها  ... " بريشة الفنان / يوسف " .
* * *
وصل الطبيب , دلف الى غرفته و دخل خالد وراءه , دسّت السيدة فريدة مروحتها داخل الحقيبة بينما اعتدلت الهام فى جلستها و اما يوسف فظل على حالته . خرج اليهم خالد معلنا :
- الدكتور بيقول لحضراتكم اتفضلوا مع بعض , مجموعة المساندة هتقتصر على حضراتكم النهارده .
تنهدت فريدة و هى تشعر بالضجرمن هذا التصريح , اما الهام التى تسلل اليها الشعور بالذنب تجاه هذه السيدة المسنة و الشاب العليل فقد انتظرت ان يدخلا اولا . لم يتحرك يوسف الا حينما نادى عليه الدكتور فهمى من الداخل فقام مستجيبا لدعوته .

جلس الأربعة فى حلقة دائرية صغيرة لا يفصل بينهم اى شىء سوى الفراغ , و اغلق الباب .
بدأ الدكتور فهمى حديثه , نظر الى لوحة معلقة على حائط امامهم , كانت مقولة لباولو كويلو :     

( عندما تتعب اقدامنا نستمر بفضل قلوبنا , و عندما تتعب قلوبنا نستمر بفضل قوة ايماننا .. )

- عاوزكم تتأملوا فى الجملة دى كويس

قاطعته السيدة فريدة معترضة :

- استسمحك بس يا دكتور فهمى , ممكن تقول للآنسة دى تبطل تعمل صوت بالماستيكة الى فى بقها .
اومأ الطبيب بابتسامة هادئة الى الهام , فبصقت ما فى فمها و هى تقول :

- تؤمرى يا أبلة , ادينى رميتها اهه .

- و ياريت بلاش ابلة دى الى عمالة من الصبح تقوليها لى , اسمى فريدة هانم , مش عاوزة تقولى هانم قولى لى طنط فريدة و خلاص .

قال الطبيب :

- كل انسان محتاج بشعر بأنه محاط بأشخاص بيحبوه , الشعور بالوحدة هو اسوأ ما يمكن ان يقاسيه الانسان فى حياته , خصوصا فى وقت الضيق . الاحتياج للمساندة مش معناه الضعف بالمناسبة ..احنا مخلوقين لنتكامل جسديا و نفسيا و اجتماعيا . القاسم المشترك فى حالاتكم على اختلاف خلفيات و اعمار كل واحد فيكم هو شعوركم الشديد بالوحدة . كلنا بنعانى , الحكمة فقط تكمن فى اختيار الأشخاص المناسبين لمصارحتهم بمعاناتنا . "


طلب الدكتور فهمى من الثلاثة ان يدون كلٌ منهم على صفحة بيضاء كل ما يود كتابته عن نفسه , شريطة ان يكتبه بصراحة مطلقة .

                                                        ( بقية القصة فى الجزء القادم )
                                                     

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...