بعد شهقاتٍ متتالية خرجت مصحوبة بنثار اللعاب
ارتمى على ظهره كثورٍ طُعِن فى خاصرته. مغمض العينين كميتٍ، سوى أن أنفاسه تتلاحق
فيهتز كرشه الغليظ ضاغطاً بضراوة على رئتيه... إنك لتتساءل كيف احتملتْ هذا الوزن
فوق رئتيها، و تلك السحجات التى تكوّنت على ظهرها العارى عند ارتطامه بنتوءات
الفراش الحديدي، بعد أن اهترأ العازل الإسفنجى تماماً.. و الأكثر من كل ذلك، كيف
ألجمت زمامَ رغبتها المُلحّة و الشديدة، فى أن تقىء من جرّاء اللعاب المتساقط على
صفحة وجهها..
لما ارتمى بعيداً عنها ، كانت أشبه بمعتقلٍ
ينفكّ من الأسرِ، تذوب فى مستنقعٍ من العرق والمنىّ، فيما يغزو الألمُ أعضاءها
دفعةً واحدة كأنما يغتصبها اغتصاباً.. و المِدفأة الموقدة على أشدّها أحالت شتاءهما
إلى حرٍ خانق. هى تعرف أن ثمن تلك الليالى لا يتضاعف بسبب القدرة على احتمال الألم
فحسب.. بل لأجل القدرة على اصطناع نشوةٍ مقنِعة !
تتحسس شفتيها، و ثدييها، كل نسيجٍ فيها يكاد
ينفجر غِلّا و تقززاً، بيد أنها لا تبكى. فحتى الأمور الفاحشة ، مع تكرارها ،
تُفقد فاعلَها الإحساسَ بفظاعتها ! حين قامت من الفراش عادت تنظر إلى فمِه نصف
المفتوح، و جسدِه الضخم المترهّل، و طرأ على بالها سؤالٌ : كيف يركن هكذا سريعاً
إلى النعاس كأنه ما اقترف ذنباً منذ برهة؟ ودّت لو أنها عادت فبصقت فى وجهه و هو
نائمٌ ، مثلما يُمثّل المنتصرون الأوغاد بجثث ضحاياهم، لكنها عدلت عن هذا الانتقام
لسببين: أولاً لأنها لم تتقاضَ بعد ثمنَ نشوتِها المصطنعة، و السبب الآخر هو ذلك
التشوّش الذى طرأ على فكرها منذ فترة: هل هى حقاً منتصرة وغدة، أم ضحية ؟ و إذا
كان الجُرم فظيعاً، فعلى من يقع العقاب بالأكثر: بائعة الهوى، أم المشترين ؟!
2
محطة مترو غمرة مكتظةٌ دائماً، لذلك قررتُ أن
أغيّر نقطة التجمع .. انزل من المترو و اعبر الكوبرى و ستجدنى بالأسفل بعد هبوط
السلالم، أمام محطة الأتوبيس. هكذا أخبرتُ الأولادَ القادمين من وسط البلد.. سنكون
جميعاً فى العاشرة مساءً عند المحطة. لن يستغرق الأمرُ بعدها سوى عشرِ دقائق سيراً
بمحاذاة الكوبرى حتى نكون عند بوابات الكاتدرائية. تمنيتُ ألا يتأخر أىٌ من
الأولاد. (لا أعرف فى قرارة نفسي لمَ لازلت أناديهم بالأولاد مع أنهم جاوزوا مرحلة
المراهقة ، و تخطى أصغرُهم السادسة عشر من عمرِه .. ربما لأنى رافقتهم منذ الصغر،
و أعمق ما ينطبع فى الذهن هى الصور الأولى).
كان
الكتاب المقدس مفتوحاً على بشارة يوحنا على ما أذكر، قبل أن أغلق باب الشقة فى
التاسعة و النصف من هذا المساء. لحظتها تذكرتُ أنى نسيتُ جرعةَ الإنسولين، التى
حذرنى الطبيب من تكرار نسيانها لما يضاعف ذلك من تبعات السكرى، لمريضٍ لا يجب أن
ينهزم منه هكذا سريعاً و هو لم يتجاوزالأربعين بعد.. لكنى بأصولية دينية ينعتها
الأصدقاء بالدروشة لم أعد لأخذ الجرعة، بل رفعتُ عينى مثلما كان يفعل أبى حين كانت
توقظه نوبات النقرس الحادة، مستجيراً بسيدة هذا الشهر، و قلتُ : " اسندينى يا
عدرا ".. ثم أوصدتُ الباب .
3
تنظر إلى شعرها المصبوغ بالأصفر فى مرآة
الحمام. كان هذا بندٌ اتُفِق عليه قبلاً، مع "سيّده" التى تقوم بتقسيم
الزبائن وفق كتيبة الفتيات التى تملكها. ترسل إليهن " أوامر عملائها "
فى رسائل نصيّة قبيل اللقاء. كانت الرسالة كالتالى " بيحب النسوان الى بشعر
أصفر "..
تطيل النظرَ إلى لون خصلاتها المصطنع
كتأوهاتها.. تمنّت لو أن المرآة كانت مغبرة فلا تفصح عن وجه عشرينى هدّلته القبلات
العَطِنة.. تخففت من كل شىء، سوى من الصليب الذى وُشِم على معصمِها الأيمن و هى لم
تزل صبية فى كنف عائلتها، قبل أن يجبروها على ترك القرية بعد واقعة الاعتداء.
تذكار المشهد سيظل يفترسها إلى الممات .. يوم كانت عائدة من الغيط، صبية كأعواد
القمح اللينة، أمسك بها أحد الأغراب مفقدا إياها دماءَ بكارتها فوق العشب الذى
كانت تعنى بسقيه... أنّ لها أن تزحف بعدها بين العشب لتستتر بأعوادِه عن أعين
الأنفار، عاريةً سوى من أسمال ممزّعة ..كى تعود إلى دارٍ ماعادت تحميها منذ تلك
اللحظة، و لا عادت تقدر على حمل عارِها ..!
لم يتبقَ لها من ذكرى تلك الأيام سوى هذا الوشم.. وقفتْ عارية تحت الماء المنساب،
تُسهب فى استخدام الصابون كى لا يبقى أثر للفُحش على جلدِها !
حين ارتدت ملابسها كان "عميلها"
مايزال يغطّ فى النوم.. لم تشأ الاقتراب منه على حد ما فكرتْ، حتى لا تلتصق بها
رائحتُه بعد أن تحممتْ. لذلك أيقظته بنبرةٍ عالية و هى على مسافةٍ كافية الفراش..
استيقظ كالملدوغ من أفعى، لما ظنّ أن زوجته التى غالبا ما طاردته فى غفوته قد
اكتشفت خيانته.. ثم ما لبث أن استعاد وعيه، ليرى فتاته التى كانت عارية منذ دقائق
فى كامل ملابسها و تهمّ بالرحيل.. عاد ليتثاءب من جديد، قال :
- فى جيب البنطلون .. خمسميت جنيه محضرهملك
.. لو إيدك لمست حاجة من المحفظة هاعرف اجيبك ازاى انتى و الى مشغلاكى !
سحبتْ الورقات الثلاث من جيب بنطاله، لأول
مرة تشعر أنها تتقبل الإهانة بعقلانية محضة : فببساطة لماذا عليه أن يثق بعاهرة ؟!
أخذت النقود و أحكمت غلق حقيبة يدها، أخذت
أيضاً زجاجة مياه كانت موضوعة على المنضدة . شعرتْ بشىء من الأفضلية المضحكة و هى تنظر إليه
للمرة الأخيرة ، فهى الآن ترتدى ملابسها كأى امرأة فاضلة أو حتى عذراء على وجه
الأرض.. أما هذا الزبون فمايزال قابعاً فى بئرٍ من
الدنس و العرق ..!
4
سهرات كِيَهْك .. و كِيَهْك هو اسم شهر فى
التقويم القبطى يعرفه مسيحيو مصر على وجه الخصوص لأنه اشتهر بسهراته الدينية التى
تُبقى أبواب الكنائس مفتوحة حتى باكر اليوم التالى. لم يفتْنى حضور هذه الليالى
التى نصدح فيها بتماجيد السيدة العذراء مذ كنتُ طفلاً. شتاء ديسمبر هذا العام
يلزمنا أن ننحشر داخل معاطفنا بلا مهادنة، لذلك أتسامح فى اعتذارات بعض الأولاد
إذا ما أبوا الخروج من منازلهم فى ليالٍ مهددة بهطول الأمطار فى أى لحظة كهذه الليلة.
اعتدتُ منذ سنوات أن أنتظر أبناء فصل مدارس
الأحد الذى أقوم على رعايته الروحية ، أمام محطة غمرة ، فنسير معاً نحو الكنيسة
لحضور سهرة تسبحة كيهك. كنتُ فى الطريق على وشك الوصول حين بدأت أن أشعر ببوادر
زيادة السكر و نقص الإنسولين فى دمى.. بدأ أصدقائى الصغار فى التحلّق حولى، بقى
اثنان أو ثلاثة لم يصلوا بعد. وقفنا عند محطة الأتوبيس أسفل كوبرى المشاة.. البرد
قارس و أعراض السكرى تننتقى أسرع الطرق. لم أخبر مخدومىّ أبداً أنى أحمل صليب هذا
المرض من نوعه الأول، و الذى أصابنى على كِبَر، على عكس ما هو عليه من الشيوع !
اكتمل العدد، و قاربت الساعةُ على العاشرة ،
يفصلنا عن الكنيسة أقل من نصف الكيلومتر. كنتُ أقطعه فيما مضى بقليل من الجهد ، لكن
فى غياب الإنسولين فإن طريقى يبدو كدرب الصليب الذى ساره المخلص ، ممتداً لا ينتهى
..
- أنا هاقعد هنا شوية ياولاد مستنى حد ،
اسبقونى انتم.
- عددنا كامل يا مِستر ، مفاضلش حد !
- معلش ، حاسس أنى ناسي واحد ، مش هتأخر
عليكم ..
5
رأيتهم يسلكون الطريق الوحيد المؤدى إلى
الكاتدرائية. تراجعتُ حتى اتكأتُ على الدكّة الخشبية الوحيدة المثبّتة على رصيف
المحطة. الساعة جاوزت العاشرة، لم يبقَ سوى نفرٍ قليل فى المحطة، خاصة فى ليلةٍ
تنبىء الأرصاد أنها سوف تكون ممطرةً لا محالة. أحسب فرق المسافتين، فيما لو عدت
إلى البيت أو تحاملتُ حتى الكنيسة. زيادة السكر تفضى عادةً إلى عطشٍ شديد يشوّش
تفكيرى.و العطش يحوّل شفتىّ إلى أحجارٍ مشققة .. أحاول البحث عن أقرب كشك سجائر
حولى فلا أجد . الكل انسحب قبل العاصفة !
كل شىء مرّ كالبرق الذى لمع للتو، انفجرت
السحب بما تحمل مفرغةً خزائن المياه .. تحصّنتُ بالدكة الخشبية المسقوفة فيما هُرع
المارة فى كل اتجاه أمامى. جاء يجلس بجانبى رجلٌ خمسنىّ بلحية كثّة و فتاة تبدو فى
أواسط العشرينات تمسك بشمسيّة. ما هى إلا دقائق حتى قام الرجل الذى يتوسطنا و الذى
راح يتمتم ببعض الأدعية منذ جلوسِه ، و قال و هو يهمّ بالرحيل :
- مابدّهاش بقى .. أكل العيش مش هيستنانا ..
انطلق يصارع الرياح و المطر، و بقيتُ و إلى
جوارى الفتاة .. قامت بغلق شمسيتها فلمحتُ بيدها زجاجة مياة. يا لشدة العطش التى
تجتاحنى فى تلك اللحظة.. استدرتُ إليها فكانت المرة الأولى منذ جلوسها التى أرى
فيها وجهها.. وجه مستدير ، و شعرٌ أصفر . سألتُها بصوت يهدّجه التعب و البرد :
- ممكن تدينى أشرب ؟
لم تسمعنى فى أول الأمر بسبب زخات المطر، فكررتُ
السؤال بنبرة أعلى حتى انتبهتْ. تثاقلتْ فى الرد علىّ كأنها لم تكن تريد إعطائى
الماء. لم تنبسْ بكلمة، فقط وضعتْ الزجاجة أمامى على الدكّة و عادت تتابع المطر
المنهمر.
شربتُ إلى الارتواء ثم أعدت لها الزجاجة
شاكراً :
- متشكر يا آنسة ، المياه جت فى وقتها ، أصلى
كنت تعبان.
كأن لفظة " آنسة " وقعت فى غير
محلها فحفّزت استياءها ..نظرتْ إلى الزجاجة ثم رفعتها أمام عينيها كأنها تتفحّص
مقدارَ الماء الذى نقص.. لاحظتُ امتعاضها فأردفتُ :
- أنا آسف بأمانة بس أصل أنا مريض سكر ، لو
كان فى كشك فاتح كنت قمت جبتلك واحدة تا..
- خلاص، خلاص .. خلصنا ! مجراش حاجة .
عدنا ننظر إلى الطريق أمامنا،لا صوت سوى
دفقات المطر. مرّ أتوبيس وجهته (ألف مسكن). ارتبكتْ و هى تبحث عن بضع عملات معدنية
فى حقيبتها و يبدو أنها لم تجد بسبب الظلام ، حتى أن ورقة أو صورة قد أفلتت من
حقيبتها و تهاوت أرضاً. قامت فأسرعت نحو الأتوبيس الذى لم يتوقف، ربما لامتلائه
تماماً أو لأن سائقه لم يلمحها فى عتمة الليل.. أسرعتْ وراءه بضع خطوات تحاول
اللحاق به و شفتاها تنفرجان عن أشد السِباب بذاءة فى شرف هذا السائق الذى لم يتوقف
من أجلها !
لما
فقدتْ الأمل فى اللحاق به استدارت عائدة.. و فى عينيها غضبُ كل مقهورى الأرض ..!
6
كانت الصورة للسيد المسيح، تلك التى أفلتت منها
فى الظلام ، فى آخر لقاءٍ له مع الأمة الساقطة ، و هو معلقٌ على عود الصليب.. جاءت
الفتاة و ارتمت من جديد على الدكة الخشبية. حاولتُ أن أهدىء من روعها بكلماتٍ لا
تستثير غضبها :
- عشر دقائق و هيمر واحد تانى ماتضايقيش
نفسك.
- فى الجو ده ؟! انت متفائل أوى .
- آه بالمناسبة الصورة دى وقعت منك . ( شعرتُ
بالتحرّج أن ألتقطها من الأرض، لعلّ مدوّنٌ على ظهرها ما لا يحق لى الإطلاع عليه)
نظرتْ مدهوشة نحو الأرض التى امتلأت بالماء و
الطين بفعل العاصفة.. لما لمحتْ ما أشير إليه و عرفت كنه الصورة عادت إلى الاعتدال
فى جلستها من جديد بلا اكتراث .
- مش هتشيليها من على الأرض ؟
- لأ مش مهم .. مش عاوزاها أصلاً !
- أيوه بس دى صورة المسيح ، طب لو مش عاوزاها
ممكن أ..
لم تدعنى أكمل عبارتى حتى انثنت نحو الأرض
قابضة الصورة بكل ما فيها من عنف :
- يا سيدى أههِ ..
أقفلتْ عليها بكفها حتى صارت فى شكل الكرة ثم
قذفتْ بها بعيداً إلى النهر الطريق..
- ارتحت ؟! هو يعنى كان حاسس بىّ و لا بالى
أنا فيه !
كانت عدوانية إلى حدٍ مخيف ، و أنا مُضطر
لقبول الجلوس إلى جوارها حتى تهدأ العاصفة. فعلى الأقل لقد منحتنى تلك الثائرة
شربة ماءٍ ردت عنى ظمأة داء السكرى ..
7
ظللنا صامتيْن لعشر دقائق ، و السماء آبية أن
تقبض فيضَ مياهها.. وضعتْ الفتاة ساقاً فوق الأخرى و ظلّت تهز قدميها بحركة عصبية
لا تهدأ، تطيل النظر بنفاد صبر إلى الطريق لعل حافلةً أخرى تجىء.
قطعتُ الصمتَ :
- بس تعرفى ، كويس إنك رميتى الصورة .. أنا
برده مابحبهاش !
نظرتْ إلىّ مدهوشة :
- أنت بتقول إيه ؟ أنت مش مسيحى صح ؟
- مسيحى أرثوذكسى ، و لما المطرة تهدا هاروح
كمان أحضر الصلاة فى الكنيسة إلى قدام ديه !
استدارت نحوى بكامل جذعها، لأول مرة منذ
رأيتها هذه الليلة، لم تزل صدمة عبارتى تدق كالطبل ..
- الجماعة الرسامين الخواجات كانوا مؤدبين
أوى و هما بيرسموا المسيح و هو مصلوب، حاجة كده عشان ماتجرحش مشاعر الى هيشوفوا
الرسمة.. إنما الحقيقة مش كده !
- تقصد إيه ؟
- الحقيقة أبشع ! لما تجيب شخص محبوب و صالح
و فوق كل ده برىء، و تقلعه هدومه كلها.. كلها ! و تعلقه عريان على خشبة قدام مدينة
بحالها .. و تؤمر كتيبة كاملة أنها تعمل قرعة على جلابيته و هو متعلق بالمسامير
وراهم بيطلّع فى الروح !! تخيلى ، مدينة بحالها بستاتها برجالتها بتتفرج على واحد
متعلق مفيش قماشه بتستر عورته .. عقاب كان الهدف منه كسر الشخص معنوياً و إذلاله ،
قبل حتى ما يكون الهدف منه قتله..
ظلّت شاخصةً إلىَ فى دهشة .. تحطّم الزجاج
الذى يغلّف وجهها !
استدارت نحو الطريق باحثة بعينيها عن الصورة
، ثم عادت تنظر إلىّ من جديد . جاء صوتُها أكثر حميمية مما كان :
- أنت .. أنت شكلك راجل محترم ، و واضح زى ما
بتقول إن كنيستك قريبة من هنا .. ممكن لو سمحت تقوم و تسيبنى ، ملهاش لازمة حد
يشوفك قاعد مع واحدة زيي ..
ثم ضغطتْ على كلمتيها التاليتين كأنها
تنتزعهما من قلبٍ يتمزّق :
- أنا .. شُــبهة !
ابتسمتُ إليها فى إشفاق ..
- بتضحك على إيه ؟ قعدتك جنب واحدة زيى و
إحنا بليل فعلا هتشبهك !
- أنا هاعمل زيه .
- زى مين ؟
كان علىّ أن أخبرها القصة إن كانت لا تعلمها
، برغم أنى أحتاج الآن و بشدة إلى قلم الإنسولين :
- من ألفين سنة ، فى واحد خاطر بسمعته و راح
قابل ست كانت عايشة فى الحرام مع راجل غير جوزها - ثم أفلتت منى ابتسامة - و طلب
منها أنه يشرب !
هو هو نفس الشخص إلى أنتى لسه راميه صورته.
ركنتْ إلى الهدوء قليلاً ، أسندت ظهرها إلى
حافة الدّكة و عادت تنظر إلى البرق الذى يلمع بين لحظة و أخرى .
مع صوت الرعد، تطاير لَهَبُ غضبها فى وجهى
مرةً أخرى ، قامت فاندفعت نحوى كأنى صِرتُ كلَ البشر فى لحظة ، و صرختْ :
- أنا طلع ديــن أمى من ساعة ما وعيت على
الدنيا .. أنا طوب الأرض لمسنى ..و محدش جابلى حقى .. ( اقتربتْ نحوى فقبضت على معصمى
تحاول أن تقرّبه نحو ثدييها فيما أحاول أن أنفكّ من قبضتها) .. أنت كمان بالمرة مش
عاوز تلمسنى ..!
ظلّت تصرخ بهيستيريا و تضرب بقدميها مستنقع
الطين تحتها.. حتى سقطتْ كالمغشىّ عليها إلى جوارى.. شكرتُ الله على صوت البرق الذى أخفى صرخاتها عن
مسامع الناس ..
كانت
كجبلِ جليدٍ تُشرق عليه الشمسُ للمرةِ الأولى....
فى تلك اللحظة فقط ، هدأت العاصفة ..
8
رجع الأولاد يبحثون عنى مع توقف هطول المطر ،
الساعة الآن تقترب من منتصف الليل. كان القلق بادياً عليهم لما رأونى وحيداً أجلس
على الدكة الخشبية فيما تناثر الطين على بنطالى. ظنّوا أن قدمى قد انزلقتْ بفعل
المطر. إلا أنى طمأنتهم أن ثمّة دوار قد أصابنى فحسب. قمتُ أتبعهم فى نشاطٍ
تعجّبتُ شخصياً منه. قمنا نقطع النصف كيلومتر المتبقى على بوابات الكاتدرائية.
- مش قلنالك يا مِستر مفيش حد ناقص ، كان
لازمته ايه تستنى لوحدك , أهى المطرة مطرت عليك و اتأخرت على التسبحة
- بالعكس كان فيه حد ناقص ، و لقيته !
9
مع توقف العاصفة ، ظهر من بعيد أتوبيس آخر ..
أفاقت من غشيتها على ضوء الفوانيس و صوت الكلاكس. ظهرت صلعة التبّاع خارج بابه و
هو ينادى : ألف مسكن .. ألف مسكن .
قبل أن تصعد تذكرتْ شيئا، انحنت فدعست يدها
فى مستنقع الطين تفتش عن ورقة مكوّرة قد سقطتْ قبل قليل هَهنا. هتفت للقياها، برغم
امتعاض السائق و التبّاع لتلك الفعلة ، إذ يكفى التأخير الذى لحق بتلك الوردية
التى امتدت لساعاتٍ بفعل العاصفة.
وجدتْ مقعداً شاغراً بجوار الشباك ، تتذكر
حوارها الذى دار قبل قليل عند المحطة.. الماء
و الرعد غلّفا المشهد بأسطورية
تشكك فى حقيقة حدوثه ، برغم عدم انقضاء بعضِ ساعةٍ عليه. هل حقا طلب رجلٌ منها
ماءً ليشرب؟ و قصّ عليها الدقائق الأخيرة من حياة يسوع ؟ تحاول فرد أطراف الصورة
المكوّرة مُزيحةً الطين من فوقها ، حيث المصلوب عارٍ و جريح ، يقف عند صليبه شاب و
امرأة لا تعرفهما ، ربما يحاولان إخفاء عريه عن أعين المدينة.. الآن فقط تستجيب
لرغبتها فى البكاء... انفرط عقد دموعها التى تحجّرت منذ زمانٍ بعيد، فانسابت
ماسحةً رِكام المساحيق المصطنعة.. تتطلع من شِباك الأتوبيس بعيون يغسلها الدمع..
ثمّةَ شىءٌ جديدٌ تراه لأول مرةٍ من وراء دموعها ، شىءٌ ما فى الشوارع و المحالِ و
البشر.. تعود فتنظر الصورة .. تتذكر يومَ زحفت وسط العشب كى لا يرى الناسُ خِزيَها
.. تفيض عيناها كالسماء متى امتلأت بالسحبِ... الأن تبرق العبارة الأخيرة التى
قالها الجالس إلى جوارها، تحت الدكّة الخشبية المسقوفة، بعد أن سقطت مغشياً عليها
و قبل أن تلمع من بعيد أضواء الأتوبيس الذى أقلّها.. قال: ‘ اقبلى شفاءه ‘ .
مارك كاسترو