الثلاثاء، 16 يونيو 2020

الجَليــــــد


1 
بعد شهقاتٍ متتالية خرجت مصحوبة بنثار اللعاب ارتمى على ظهره كثورٍ طُعِن فى خاصرته. مغمض العينين كميتٍ، سوى أن أنفاسه تتلاحق فيهتز كرشه الغليظ ضاغطاً بضراوة على رئتيه... إنك لتتساءل كيف احتملتْ هذا الوزن فوق رئتيها، و تلك السحجات التى تكوّنت على ظهرها العارى عند ارتطامه بنتوءات الفراش الحديدي، بعد أن اهترأ العازل الإسفنجى تماماً.. و الأكثر من كل ذلك، كيف ألجمت زمامَ رغبتها المُلحّة و الشديدة، فى أن تقىء من جرّاء اللعاب المتساقط على صفحة وجهها..
لما ارتمى بعيداً عنها ، كانت أشبه بمعتقلٍ ينفكّ من الأسرِ، تذوب فى مستنقعٍ من العرق والمنىّ، فيما يغزو الألمُ أعضاءها دفعةً واحدة كأنما يغتصبها اغتصاباً.. و المِدفأة الموقدة على أشدّها أحالت شتاءهما إلى حرٍ خانق. هى تعرف أن ثمن تلك الليالى لا يتضاعف بسبب القدرة على احتمال الألم فحسب.. بل لأجل القدرة على اصطناع نشوةٍ مقنِعة !
تتحسس شفتيها، و ثدييها، كل نسيجٍ فيها يكاد ينفجر غِلّا و تقززاً، بيد أنها لا تبكى. فحتى الأمور الفاحشة ، مع تكرارها ، تُفقد فاعلَها الإحساسَ بفظاعتها ! حين قامت من الفراش عادت تنظر إلى فمِه نصف المفتوح، و جسدِه الضخم المترهّل، و طرأ على بالها سؤالٌ : كيف يركن هكذا سريعاً إلى النعاس كأنه ما اقترف ذنباً منذ برهة؟ ودّت لو أنها عادت فبصقت فى وجهه و هو نائمٌ ، مثلما يُمثّل المنتصرون الأوغاد بجثث ضحاياهم، لكنها عدلت عن هذا الانتقام لسببين: أولاً لأنها لم تتقاضَ بعد ثمنَ نشوتِها المصطنعة، و السبب الآخر هو ذلك التشوّش الذى طرأ على فكرها منذ فترة: هل هى حقاً منتصرة وغدة، أم ضحية ؟ و إذا كان الجُرم فظيعاً، فعلى من يقع العقاب بالأكثر: بائعة الهوى، أم المشترين ؟!

2
محطة مترو غمرة مكتظةٌ دائماً، لذلك قررتُ أن أغيّر نقطة التجمع .. انزل من المترو و اعبر الكوبرى و ستجدنى بالأسفل بعد هبوط السلالم، أمام محطة الأتوبيس. هكذا أخبرتُ الأولادَ القادمين من وسط البلد.. سنكون جميعاً فى العاشرة مساءً عند المحطة. لن يستغرق الأمرُ بعدها سوى عشرِ دقائق سيراً بمحاذاة الكوبرى حتى نكون عند بوابات الكاتدرائية. تمنيتُ ألا يتأخر أىٌ من الأولاد. (لا أعرف فى قرارة نفسي لمَ لازلت أناديهم بالأولاد مع أنهم جاوزوا مرحلة المراهقة ، و تخطى أصغرُهم السادسة عشر من عمرِه .. ربما لأنى رافقتهم منذ الصغر، و أعمق ما ينطبع فى الذهن هى الصور الأولى).
 كان الكتاب المقدس مفتوحاً على بشارة يوحنا على ما أذكر، قبل أن أغلق باب الشقة فى التاسعة و النصف من هذا المساء. لحظتها تذكرتُ أنى نسيتُ جرعةَ الإنسولين، التى حذرنى الطبيب من تكرار نسيانها لما يضاعف ذلك من تبعات السكرى، لمريضٍ لا يجب أن ينهزم منه هكذا سريعاً و هو لم يتجاوزالأربعين بعد.. لكنى بأصولية دينية ينعتها الأصدقاء بالدروشة لم أعد لأخذ الجرعة، بل رفعتُ عينى مثلما كان يفعل أبى حين كانت توقظه نوبات النقرس الحادة، مستجيراً بسيدة هذا الشهر، و قلتُ : " اسندينى يا عدرا ".. ثم أوصدتُ الباب .

3
تنظر إلى شعرها المصبوغ بالأصفر فى مرآة الحمام. كان هذا بندٌ اتُفِق عليه قبلاً، مع "سيّده" التى تقوم بتقسيم الزبائن وفق كتيبة الفتيات التى تملكها. ترسل إليهن " أوامر عملائها " فى رسائل نصيّة قبيل اللقاء. كانت الرسالة كالتالى " بيحب النسوان الى بشعر أصفر "..
تطيل النظرَ إلى لون خصلاتها المصطنع كتأوهاتها.. تمنّت لو أن المرآة كانت مغبرة فلا تفصح عن وجه عشرينى هدّلته القبلات العَطِنة.. تخففت من كل شىء، سوى من الصليب الذى وُشِم على معصمِها الأيمن و هى لم تزل صبية فى كنف عائلتها، قبل أن يجبروها على ترك القرية بعد واقعة الاعتداء. تذكار المشهد سيظل يفترسها إلى الممات .. يوم كانت عائدة من الغيط، صبية كأعواد القمح اللينة، أمسك بها أحد الأغراب مفقدا إياها دماءَ بكارتها فوق العشب الذى كانت تعنى بسقيه... أنّ لها أن تزحف بعدها بين العشب لتستتر بأعوادِه عن أعين الأنفار، عاريةً سوى من أسمال ممزّعة ..كى تعود إلى دارٍ ماعادت تحميها منذ تلك اللحظة، و لا عادت تقدر على حمل عارِها ..!  
لم يتبقَ لها من ذكرى تلك الأيام  سوى هذا الوشم.. وقفتْ عارية تحت الماء المنساب، تُسهب فى استخدام الصابون كى لا يبقى أثر للفُحش على جلدِها !  
حين ارتدت ملابسها كان "عميلها" مايزال يغطّ فى النوم.. لم تشأ الاقتراب منه على حد ما فكرتْ، حتى لا تلتصق بها رائحتُه بعد أن تحممتْ. لذلك أيقظته بنبرةٍ عالية و هى على مسافةٍ كافية الفراش.. استيقظ كالملدوغ من أفعى، لما ظنّ أن زوجته التى غالبا ما طاردته فى غفوته قد اكتشفت خيانته.. ثم ما لبث أن استعاد وعيه، ليرى فتاته التى كانت عارية منذ دقائق فى كامل ملابسها و تهمّ بالرحيل.. عاد ليتثاءب من جديد، قال :
- فى جيب البنطلون .. خمسميت جنيه محضرهملك .. لو إيدك لمست حاجة من المحفظة هاعرف اجيبك ازاى انتى و الى مشغلاكى !
سحبتْ الورقات الثلاث من جيب بنطاله، لأول مرة تشعر أنها تتقبل الإهانة بعقلانية محضة : فببساطة لماذا عليه أن يثق بعاهرة ؟!
أخذت النقود و أحكمت غلق حقيبة يدها، أخذت أيضاً زجاجة مياه كانت موضوعة على المنضدة .  شعرتْ بشىء من الأفضلية المضحكة و هى تنظر إليه للمرة الأخيرة ، فهى الآن ترتدى ملابسها كأى امرأة فاضلة أو حتى عذراء على وجه الأرض.. أما هذا الزبون فمايزال قابعاً فى بئرٍ من 
الدنس و العرق ..!

4
سهرات كِيَهْك .. و كِيَهْك هو اسم شهر فى التقويم القبطى يعرفه مسيحيو مصر على وجه الخصوص لأنه اشتهر بسهراته الدينية التى تُبقى أبواب الكنائس مفتوحة حتى باكر اليوم التالى. لم يفتْنى حضور هذه الليالى التى نصدح فيها بتماجيد السيدة العذراء مذ كنتُ طفلاً. شتاء ديسمبر هذا العام يلزمنا أن ننحشر داخل معاطفنا بلا مهادنة، لذلك أتسامح فى اعتذارات بعض الأولاد إذا ما أبوا الخروج من منازلهم فى ليالٍ مهددة بهطول الأمطار فى أى لحظة كهذه الليلة.
اعتدتُ منذ سنوات أن أنتظر أبناء فصل مدارس الأحد الذى أقوم على رعايته الروحية ، أمام محطة غمرة ، فنسير معاً نحو الكنيسة لحضور سهرة تسبحة كيهك. كنتُ فى الطريق على وشك الوصول حين بدأت أن أشعر ببوادر زيادة السكر و نقص الإنسولين فى دمى.. بدأ أصدقائى الصغار فى التحلّق حولى، بقى اثنان أو ثلاثة لم يصلوا بعد. وقفنا عند محطة الأتوبيس أسفل كوبرى المشاة.. البرد قارس و أعراض السكرى تننتقى أسرع الطرق. لم أخبر مخدومىّ أبداً أنى أحمل صليب هذا المرض من نوعه الأول، و الذى أصابنى على كِبَر، على عكس ما هو عليه من الشيوع !
اكتمل العدد، و قاربت الساعةُ على العاشرة ، يفصلنا عن الكنيسة أقل من نصف الكيلومتر. كنتُ أقطعه فيما مضى بقليل من الجهد ، لكن فى غياب الإنسولين فإن طريقى يبدو كدرب الصليب الذى ساره المخلص ، ممتداً لا ينتهى ..
- أنا هاقعد هنا شوية ياولاد مستنى حد ، اسبقونى انتم.
- عددنا كامل يا مِستر ، مفاضلش حد !
- معلش ، حاسس أنى ناسي واحد ، مش هتأخر عليكم ..

5
رأيتهم يسلكون الطريق الوحيد المؤدى إلى الكاتدرائية. تراجعتُ حتى اتكأتُ على الدكّة الخشبية الوحيدة المثبّتة على رصيف المحطة. الساعة جاوزت العاشرة، لم يبقَ سوى نفرٍ قليل فى المحطة، خاصة فى ليلةٍ تنبىء الأرصاد أنها سوف تكون ممطرةً لا محالة. أحسب فرق المسافتين، فيما لو عدت إلى البيت أو تحاملتُ حتى الكنيسة. زيادة السكر تفضى عادةً إلى عطشٍ شديد يشوّش تفكيرى.و العطش يحوّل شفتىّ إلى أحجارٍ مشققة .. أحاول البحث عن أقرب كشك سجائر حولى فلا أجد . الكل انسحب قبل العاصفة !
كل شىء مرّ كالبرق الذى لمع للتو، انفجرت السحب بما تحمل مفرغةً خزائن المياه .. تحصّنتُ بالدكة الخشبية المسقوفة فيما هُرع المارة فى كل اتجاه أمامى. جاء يجلس بجانبى رجلٌ خمسنىّ بلحية كثّة و فتاة تبدو فى أواسط العشرينات تمسك بشمسيّة. ما هى إلا دقائق حتى قام الرجل الذى يتوسطنا و الذى راح يتمتم ببعض الأدعية منذ جلوسِه ، و قال و هو يهمّ بالرحيل :
- مابدّهاش بقى .. أكل العيش مش هيستنانا ..
انطلق يصارع الرياح و المطر، و بقيتُ و إلى جوارى الفتاة .. قامت بغلق شمسيتها فلمحتُ بيدها زجاجة مياة. يا لشدة العطش التى تجتاحنى فى تلك اللحظة.. استدرتُ إليها فكانت المرة الأولى منذ جلوسها التى أرى فيها وجهها.. وجه مستدير ، و شعرٌ أصفر . سألتُها بصوت يهدّجه التعب و البرد :
- ممكن تدينى أشرب ؟
لم تسمعنى فى أول الأمر بسبب زخات المطر، فكررتُ السؤال بنبرة أعلى حتى انتبهتْ. تثاقلتْ فى الرد علىّ كأنها لم تكن تريد إعطائى الماء. لم تنبسْ بكلمة، فقط وضعتْ الزجاجة أمامى على الدكّة و عادت تتابع المطر المنهمر.
شربتُ إلى الارتواء ثم أعدت لها الزجاجة شاكراً :
- متشكر يا آنسة ، المياه جت فى وقتها ، أصلى كنت تعبان.
كأن لفظة " آنسة " وقعت فى غير محلها فحفّزت استياءها ..نظرتْ إلى الزجاجة ثم رفعتها أمام عينيها كأنها تتفحّص مقدارَ الماء الذى نقص.. لاحظتُ امتعاضها فأردفتُ :
- أنا آسف بأمانة بس أصل أنا مريض سكر ، لو كان فى كشك فاتح كنت قمت جبتلك واحدة تا..
- خلاص، خلاص .. خلصنا ! مجراش حاجة .
عدنا ننظر إلى الطريق أمامنا،لا صوت سوى دفقات المطر. مرّ أتوبيس وجهته (ألف مسكن). ارتبكتْ و هى تبحث عن بضع عملات معدنية فى حقيبتها و يبدو أنها لم تجد بسبب الظلام ، حتى أن ورقة أو صورة قد أفلتت من حقيبتها و تهاوت أرضاً. قامت فأسرعت نحو الأتوبيس الذى لم يتوقف، ربما لامتلائه تماماً أو لأن سائقه لم يلمحها فى عتمة الليل.. أسرعتْ وراءه بضع خطوات تحاول اللحاق به و شفتاها تنفرجان عن أشد السِباب بذاءة فى شرف هذا السائق الذى لم يتوقف من أجلها !
 لما فقدتْ الأمل فى اللحاق به استدارت عائدة.. و فى عينيها غضبُ كل مقهورى الأرض ..!

6
كانت الصورة للسيد المسيح، تلك التى أفلتت منها فى الظلام ، فى آخر لقاءٍ له مع الأمة الساقطة ، و هو معلقٌ على عود الصليب.. جاءت الفتاة و ارتمت من جديد على الدكة الخشبية. حاولتُ أن أهدىء من روعها بكلماتٍ لا تستثير غضبها :
- عشر دقائق و هيمر واحد تانى ماتضايقيش نفسك.
- فى الجو ده ؟! انت متفائل أوى .
- آه بالمناسبة الصورة دى وقعت منك . ( شعرتُ بالتحرّج أن ألتقطها من الأرض، لعلّ مدوّنٌ على ظهرها ما لا يحق لى الإطلاع عليه)
نظرتْ مدهوشة نحو الأرض التى امتلأت بالماء و الطين بفعل العاصفة.. لما لمحتْ ما أشير إليه و عرفت كنه الصورة عادت إلى الاعتدال فى جلستها من جديد بلا اكتراث .
- مش هتشيليها من على الأرض ؟
- لأ مش مهم .. مش عاوزاها أصلاً !
- أيوه بس دى صورة المسيح ، طب لو مش عاوزاها ممكن أ..
لم تدعنى أكمل عبارتى حتى انثنت نحو الأرض قابضة الصورة بكل ما فيها من عنف :
- يا سيدى أههِ ..
 أقفلتْ عليها بكفها حتى صارت فى شكل الكرة ثم قذفتْ بها بعيداً إلى النهر الطريق..
- ارتحت ؟! هو يعنى كان حاسس بىّ و لا بالى أنا فيه !
كانت عدوانية إلى حدٍ مخيف ، و أنا مُضطر لقبول الجلوس إلى جوارها حتى تهدأ العاصفة. فعلى الأقل لقد منحتنى تلك الثائرة شربة ماءٍ ردت عنى ظمأة داء السكرى ..

7
ظللنا صامتيْن لعشر دقائق ، و السماء آبية أن تقبض فيضَ مياهها.. وضعتْ الفتاة ساقاً فوق الأخرى و ظلّت تهز قدميها بحركة عصبية لا تهدأ، تطيل النظر بنفاد صبر إلى الطريق لعل حافلةً أخرى تجىء.
قطعتُ الصمتَ :
- بس تعرفى ، كويس إنك رميتى الصورة .. أنا برده مابحبهاش !
نظرتْ إلىّ مدهوشة :
- أنت بتقول إيه ؟ أنت مش مسيحى صح ؟
- مسيحى أرثوذكسى ، و لما المطرة تهدا هاروح كمان أحضر الصلاة فى الكنيسة إلى قدام ديه !
استدارت نحوى بكامل جذعها، لأول مرة منذ رأيتها هذه الليلة، لم تزل صدمة عبارتى تدق كالطبل ..
- الجماعة الرسامين الخواجات كانوا مؤدبين أوى و هما بيرسموا المسيح و هو مصلوب، حاجة كده عشان ماتجرحش مشاعر الى هيشوفوا الرسمة.. إنما الحقيقة مش كده !
- تقصد إيه ؟
- الحقيقة أبشع ! لما تجيب شخص محبوب و صالح و فوق كل ده برىء، و تقلعه هدومه كلها.. كلها ! و تعلقه عريان على خشبة قدام مدينة بحالها .. و تؤمر كتيبة كاملة أنها تعمل قرعة على جلابيته و هو متعلق بالمسامير وراهم بيطلّع فى الروح !! تخيلى ، مدينة بحالها بستاتها برجالتها بتتفرج على واحد متعلق مفيش قماشه بتستر عورته .. عقاب كان الهدف منه كسر الشخص معنوياً و إذلاله ، قبل حتى ما يكون الهدف منه قتله..
ظلّت شاخصةً إلىَ فى دهشة .. تحطّم الزجاج الذى يغلّف وجهها !
استدارت نحو الطريق باحثة بعينيها عن الصورة ، ثم عادت تنظر إلىّ من جديد . جاء صوتُها أكثر حميمية مما كان :
- أنت .. أنت شكلك راجل محترم ، و واضح زى ما بتقول إن كنيستك قريبة من هنا .. ممكن لو سمحت تقوم و تسيبنى ، ملهاش لازمة حد يشوفك قاعد مع واحدة زيي ..
ثم ضغطتْ على كلمتيها التاليتين كأنها تنتزعهما من قلبٍ يتمزّق :
- أنا .. شُــبهة !
ابتسمتُ إليها فى إشفاق ..
- بتضحك على إيه ؟ قعدتك جنب واحدة زيى و إحنا بليل فعلا هتشبهك !
- أنا هاعمل زيه .
- زى مين ؟
كان علىّ أن أخبرها القصة إن كانت لا تعلمها ، برغم أنى أحتاج الآن و بشدة إلى قلم الإنسولين :
- من ألفين سنة ، فى واحد خاطر بسمعته و راح قابل ست كانت عايشة فى الحرام مع راجل غير جوزها - ثم أفلتت منى ابتسامة - و طلب منها أنه يشرب !
هو هو نفس الشخص إلى أنتى لسه راميه صورته.
ركنتْ إلى الهدوء قليلاً ، أسندت ظهرها إلى حافة الدّكة و عادت تنظر إلى البرق الذى يلمع بين لحظة و أخرى .
مع صوت الرعد، تطاير لَهَبُ غضبها فى وجهى مرةً أخرى ، قامت فاندفعت نحوى كأنى صِرتُ كلَ البشر فى لحظة ، و صرختْ :
- أنا طلع ديــن أمى من ساعة ما وعيت على الدنيا .. أنا طوب الأرض لمسنى ..و محدش جابلى حقى .. ( اقتربتْ نحوى فقبضت على معصمى تحاول أن تقرّبه نحو ثدييها فيما أحاول أن أنفكّ من قبضتها) .. أنت كمان بالمرة مش عاوز تلمسنى ..!
ظلّت تصرخ بهيستيريا و تضرب بقدميها مستنقع الطين تحتها.. حتى سقطتْ كالمغشىّ عليها إلى جوارى..  شكرتُ الله على صوت البرق الذى أخفى صرخاتها عن مسامع الناس ..
 كانت كجبلِ جليدٍ تُشرق عليه الشمسُ للمرةِ الأولى....
فى تلك اللحظة فقط ، هدأت العاصفة ..
8
رجع الأولاد يبحثون عنى مع توقف هطول المطر ، الساعة الآن تقترب من منتصف الليل. كان القلق بادياً عليهم لما رأونى وحيداً أجلس على الدكة الخشبية فيما تناثر الطين على بنطالى. ظنّوا أن قدمى قد انزلقتْ بفعل المطر. إلا أنى طمأنتهم أن ثمّة دوار قد أصابنى فحسب. قمتُ أتبعهم فى نشاطٍ تعجّبتُ شخصياً منه. قمنا نقطع النصف كيلومتر المتبقى على بوابات الكاتدرائية.
- مش قلنالك يا مِستر مفيش حد ناقص ، كان لازمته ايه تستنى لوحدك , أهى المطرة مطرت عليك و اتأخرت على التسبحة
- بالعكس كان فيه حد ناقص ، و لقيته !

9
مع توقف العاصفة ، ظهر من بعيد أتوبيس آخر .. أفاقت من غشيتها على ضوء الفوانيس     و صوت الكلاكس. ظهرت صلعة التبّاع خارج بابه و هو ينادى : ألف مسكن .. ألف مسكن .
قبل أن تصعد تذكرتْ شيئا، انحنت فدعست يدها فى مستنقع الطين تفتش عن ورقة مكوّرة قد سقطتْ قبل قليل هَهنا. هتفت للقياها، برغم امتعاض السائق و التبّاع لتلك الفعلة ، إذ يكفى التأخير الذى لحق بتلك الوردية التى امتدت لساعاتٍ بفعل العاصفة.
وجدتْ مقعداً شاغراً بجوار الشباك ، تتذكر حوارها الذى دار قبل قليل عند المحطة.. الماء    و الرعد غلّفا المشهد بأسطورية تشكك فى حقيقة حدوثه ، برغم عدم انقضاء بعضِ ساعةٍ عليه. هل حقا طلب رجلٌ منها ماءً ليشرب؟ و قصّ عليها الدقائق الأخيرة من حياة يسوع ؟ تحاول فرد أطراف الصورة المكوّرة مُزيحةً الطين من فوقها ، حيث المصلوب عارٍ و جريح ، يقف عند صليبه شاب و امرأة لا تعرفهما ، ربما يحاولان إخفاء عريه عن أعين المدينة.. الآن فقط تستجيب لرغبتها فى البكاء... انفرط عقد دموعها التى تحجّرت منذ زمانٍ بعيد، فانسابت ماسحةً رِكام المساحيق المصطنعة.. تتطلع من شِباك الأتوبيس بعيون يغسلها الدمع.. ثمّةَ شىءٌ جديدٌ تراه لأول مرةٍ من وراء دموعها ، شىءٌ ما فى الشوارع و المحالِ و البشر.. تعود فتنظر الصورة .. تتذكر يومَ زحفت وسط العشب كى لا يرى الناسُ خِزيَها .. تفيض عيناها كالسماء متى امتلأت بالسحبِ... الأن تبرق العبارة الأخيرة التى قالها الجالس إلى جوارها، تحت الدكّة الخشبية المسقوفة، بعد أن سقطت مغشياً عليها و قبل أن تلمع من بعيد أضواء الأتوبيس الذى أقلّها.. قال: ‘ اقبلى شفاءه ‘ .
مارك كاسترو
غروب الشمس بايكال الجليد


الخميس، 6 فبراير 2020

رجل من قريتهِم


ككل العابرين إلى هنا، من الضفةِ الأخرى من الترعة الممتدة بطول قريتهم حيث قذفنى التكليف، كان يمرّ علىّ دون أن أتعرف به أبداً .. مرةً بمفرده و مراراً مع ابنتِه الصغيرة، وهما يعبران ما بين الضفتين لتلتقطهما أىُ ‘ركوبة‘ ذاهبة إلى المدينة حيث يعمل، و حيث توجد مدرسة الفتاة .. توحى ملامحه أنه جاوز الخمسين، و لهفة الخوف على صغيرته التى لم تتعدّ السابعة تقول أنه 
..تأخر فى إنجابِها

 واحدٌ من مئات الوجوه التى نلتقيها يومياً فى مصالحنا الحكومية : موظفٌ كما ترسمه الأفلام القديمة، بقميصِه الذى اهترأ من تكرار الكى، و رائحة الكولونيا التى تفيح من ذقنه الحليق تواً، كذلك "الجرنان" المطوى تحت إبطه، و الحذر المبالغ فيه على هندامه لئلا يتلطخ فى مستنقعات الوحل أثناء عبور الفلاحين.

كان يرسل إلىّ ابنته مرّة أو مرتين فى الشهر لتبتاع له شفراتِ الحلاقة و تركيبةً لمنع الحشرات، بينما ينتظرها بالخارج و عيناه مصوّبتان عليها من خلف الزجاج. لم يدخل الصيدلية أبداً.. ربما لحنقِه على رائحة الدواء التى تتوزع فى كل أركانها، أو لأنه يشمئز من شكاوى الفلاحين و هم يأتون إلىّ طالبين علاجاً لداء الديزنتريا المتكرر، و الذى ما عاد يفارق قريتهم ..
 أراه من خلف الزجاج المطلّ على مساحةٍ فسيحة من المزروعات التى يقطعها سريان الماء، حيث اعتاد المارّون أن ينقروا إحدى ضلفتيه و هم يتصايحون : ‘صباحك فلّ يا دكتره‘.. لكنه لم يفعل مثلهم أبداً، طوال السنوات الست الأخيرة، منذ أن دسّنى مكتبُ تكليف القوى العاملة بينهم..
لكنّ هذا صباح مختلف! و لا يكمن وجه الاختلاف فى لفحةِ الشمس التى تجلد ظهور الفلاحين على مدى ساعات اتقادها، و لا فى عدد حالات المرضى الذين يدخلون الصيدلية و هم يتألمون من أعراض الديزنتريا ..وجدته و ابنته يعبران الترعة، لكن هذه المرة يتعكّز على جِريدة نخل. يسير فى عرجٍ مفاجىء و قد شدّ إحدى ركبيته برباطٍ ضام. لم يتجاوز الصيدلية مثل كل نهار، لكنه توقف ببابها العتيق قبل أن يدفعه بقوة مصطنعة.
قال بدون تحية ، و لا شبه ابتسامة :
- أنا عندى استشارة كده .. و أنا راجع من الشغل هاعدى عليك. 
لم ينطق بشىء آخر. استدار و عاد يتعكّز على الجِريدة ممسكاً بيد ابنته.

اعتدتُ فى هذه القرية ألا أتعجب من شىءٍ أبداً، ربما لكثرة ما رأيتُ بها من مساخر : أمهات يطعمن أبنائهن الملوخية فى أول شهر من ولادتهم، ثم يتساءلن فى ذعرٍ عن سبب صراخ الرضيع و الإسهال المتّصل! و أخريات تناولن شريط المضاد الحيوى كاملاً فى جرعة واحدة، من منطلق هاجم عدوك بكل الأسلحة دفعة واحدة! و لا أنسى عم الشيخ مسعود ذى الثمانين عاماً الذى طبختْ له زوجته ليّة خروف مسبّكة حال معرفتها بإصابته بالصفراء ، ضاربةً بكل تعليمات طبيب المركز عن الأكل المسلوق عرض الحائط . و ظلّت لسنواتٍ بعدها لا تفهم لماذا صعدت روح عم الشيخ مسعود إلى بارئها بعد أن قام من على " طبلية الوكل " بساعاتٍ قليلة.. و ظلّت تلعن الطب و الأطباء ما بقى من عمرها !

 قاربت الشمسُ على المغيب .. رأيته و ابنته عائدَين. لا يزيد على المشهد سوى العرجةِ الجديدة فى قدمه، وجريدة النخيل .. طلب من ابنته انتظاره عند الباب، و وقف قبالى :
- ناولنى ورقة وقلم !
مددتُ إليه قلماً و قطعتُ ورقة من دفتر تأييد المبيعات، لاحظ دهشتى فقال :
- تابعنى و أنا باكتب ..!
كتب بشكلٍ يوحى بأنه لا يكترث لما يدوّنه، و إنما بطريقة الكتابة ذاتها .. أغلق القلم و سألنى:
- ها.. إيه رأيك ؟!
لم أعرف بم أجبه ، هل جاء مهروّلاً إلى الصيدلية ليسألنى عن رأيي فى إجادته لخط النسخ ؟!
شعر بالضيق إذ لم أكن على درجة الذكاء المطلوبة! فتح القلم من جديد. عاد ليكتب، لكن هذه المرة بعنفٍ متتزايد:
" بص علي إيدى و هى بتكتب، إيدى بتتهز .. إنت مش ضاكتور و لا ايه ؟!
 إدينى فيتامين يرجعلى إيدى ماتتهزش ! "
فى هذه البلدة يتعاملون معى كنادل فى كازينو على نيل القاهرة، يشخّصون و يقترحون الدواء و ما علىّ إلا صرفه.
- حضرتك عمرك كام سنة ؟
- ماشى فى الـ 54 .. و عاوز فيتامين عشان إيدىّ لو سمحت !
كان يضغط على الكلمات كمن يتحاشى المزيدَ من الأسئلة.. لاحظتُ لاصقاً طبياً مثبّتاً على ذقنه، كذلك بعض الأجزاء غير المشذبة بها، مثل أرضٍ جُرِّفت من جراء الإهمال. فعاودت سؤاله:
- حضرتك جرحت دقنك و أنت بتحلق ؟

أطلق زفرةً و هو يجيبنى بنفاد صبر:
- اه.. النهارده الصبح. الموس باينه فلت و أنا باحلق، أو ايدى اتهزت، مش عارف .. الله يحرقها الأمواس التِلمة بتاعتكو. سيبك من دقنى دلوقتى.. يعنى إيه اللافندى المدير يقولى خطك اتغيّر و مبقاش يتقرى! قُصر الكلام أنا عاوز دواء يرجعلى إيدى حديد !

قالها و هو يضرب بقبضته بقوة، على الرف الزجاجى الذى يفصلنى عنه، حتى كاد يفلقه نصفين.
ابتلعتُ ريقى و أنا أشخُصُ في عينيه اللتين ازداد جحوظهما ، قلتُ بصوتٍ هادىء:
- مـ..مكن سؤال كمان ؟
لم أمهله فرصة الرفض إذ عاجلته به :
 رجلك ؟! انت اتكعبلت فى حاجة ؟ أصلك رابطها يعنى .. و شايفك بتتعكز على جريدة النخل؟ -

حين تتعامل مع فئة الموظفين بالقرية، فغالباً ما تكون أمام من حصل على قدرٍ لا بأس به من 
التعليم، يمكّنه من التقاط الخيط الذي تحاول جذب أطرافِه بأسئلتك، لتُحكِم العقدة فى النهاية على تشخيصٍ.. لذلك فك الرجل قبضة يده التى كانت ماتزال مضمومة. أمعن النظر إلىّ و هو يقول بنبرةٍ اختلفتْ كليّا:
- إلى فاكره انى ماتكعبلتش فى حاجة ..أديلى كام شهر رجلىّ مش زى الأول، و لا إيدىّ.. و النهارده زى مايكون رجلى كلبشت فى الأرض، كأنها خرجت عن طوعى أو اتجمدت قيمة ثانية كده.. فوقعت !

لاحظتُ فعليّا أن ارتجافة يديه تزداد وضوحاً كلّما همّ بالحركة.. بزغ فى عينيه شيءٌ من الشك، أو التوسّل.. ربما أدرك أنى لا أنوى صرف دواءٍ له، أو أن شكواه تعدّت أن يكون علاجها كبسولات الفيتامين..

تشخيص المرض عادةً ما يكمن فى التفاصيل التى لا يذكرها المريض، فى الكلمات التى لا يتفوه بها، فى الأعراض التى تفلتُ عنوةً حتى و لو بالغ فى إخفائها.. و ما عهدتُ مريضاً فى هذه القرية يقول كل الحقيقة، إنهم يخافون مواجهة المرض لذلك يعمدون إلى إخماده، و هذا يفسر سر الولع بالمسكنات.
و ما تغيّر الخط بسبب رجفةٍ تصيب اليدين، و التى بدورها تؤدى إلى عدم التحكم فى شفرة الحلاقة، و فقدان السيطرة على القدم، إلا فروعٍ ينبغى إرجاعها إلى جذعٍ واحد..

أعلمُ أن العاصفة َ قادمة لامحالة :
- ممكن تنزل مصر تكشف مخ و أعصاب ..؟
كما لو أنى باغته بلكمةٍ فى حشاه، ثار و هو يفور غضباً. تحشرج صوتُه و هو يصيح :
- ليه ؟؟ أنا عندى إيه يا ضاكتور ؟ فال الله و لا فالك يا شيخ ..
- اكشف بس .. علشان نطّمن.
استدار بغتةً ليرى ابنته، التى راحت فى غفوةٍ بعد يومها الدراسى على المقعد الخشبى الملاصق 
للباب. أطمأن أنها لن تسمع الآتى من الحوار.. أدار وجهه إلىّ من جديد و قال بنبرةٍ خفيضة، نبرة من يفصح بعد طول ممانعة :
- أنا جالى الرّعاش .. مش كده ؟ بالله عليك ماتخبيش علىّ !
تمنّى بكل ما في قلبه من إيمانٍ بالله و الأنبياء و السماويات أن تكون إجابتى بالنفى.. لكن ردى 
..أفضى إلى مزيد من الشك

" اكشف.. عشان نطمّن ... "

كان محمرّ العينين كذئبٍ لا يصدق فرار فريستِه !
لم ينبس بكلمة. قرر الرحيل. سار خطواتٍ نحو الباب، قبل أن يعود مهرولاً، عودةَ مَن تذكر شيئا قد يغير من حيثيات الحكم:
- بس لعلمك أنا مش تعبان أوى .. دى رعشة خفيفة يعنى، حتى بُص !  ( جاهد فى قبض عضلات يده حتى تبين ساكنة) و اكتسى صوته بالضعف من جديد.. و بالتوسّل..
 لازم يعنى موضوع الكشف ده ؟

استشعرَ أنى لن أعدل عن رأيي، فتضاعف إحباطه، وعاد متباطئاً نحو الباب.. و ما هى إلا لحظة من السكون حتى وجدته يعود للمرة الثانية! بدا العرق غزيراً على جبهته، و أصبحت رجفة يده ملحوظة.. فما عاد يحاول إخفاءها !

قال بنبرة مضطربة، يائسة :
" الولية أم سعيد، إلى كانت بتقعد حذا الترعة من الناحية القبلية، صابها نفس التعب ده قبل ما تموت، كنا عيال ديك الأيام، و كنت باشوفهم بيسقوها الميه عشان مكانتش بتعرف تمسك القُلة من كتر ما ايديها بترعش ..
تصلّبت عيناه و اتسعت و هو يكمل :

هو أنا هابقى زيها ..؟
"!! لما أجى آكل أهطّر على نفسي .. و يسنّدونى من الناحيتين و أنا داخل دورة المياه ؟

كل كلمات الطمأنينة تختفى و أنا فى حاجةٍ حثيثة إلى قولها. أحسستُ أن جُملاً محفوظة على شاكلة الطب بيتقدم يوم عن يوم حتى و إن كانت صحيحة، لن تجدى نفعاً مع مريضٍ مهدد بملاقاة الـ(باركينسون) لبقية عمره.. كيف أخبره أن قدميه اللتين خانتاه عند مطلع الصبح ستستمران فى تكرار فُحش الخيانة من الآن فصاعداً .. العلاج المتعارف عليه حتى ساعته و تاريخه يؤخّر من تفاقم المرض، يطيل المدة الزمنية بين الرجفة التى بالكاد يلاحظها أهلُ المريض .. و الشلل التام! لم أملك سوى الإمساك بكتفه المرتجف فزعاً و غضباً. ربتُّ عليه  بحنو، و وجدتُ العبارةَ تخرج منى بلا سابق إعداد:

- ماتخافشي .. ربنا موجود ..

كأنى أخبره أن الشمس تشرق من ناحية الشرق!! هو يعرف أن ربنا موجود! و ليس لدى أهل القرية من شكٍ أن ربنا موجود! و ما أسوأنا حين نستخدم العبارات الدينية فقط متى لا يكون لدينا ما نقدمه لمرضانا ...أخذ يقلّب الكلمة بين شفتيه فى فزعٍ كمن يذوق شراباً لأول مرة .." ربنــــا موجـــود" .. يعرف مليّاً أنها تُقال حين لا تسير الأمور على ما يرام. هذا تراث قريتهم، بل و تراث المركز الذى تتبعه، و جميع المدن التى تحيط بها! جملةٌ تسير دلالتها فى اتجاه معاكس لصريح معناها: إنها إعلان هزيمة.. و لو بدتْ أنها استنصار بالقوى سبحانه!

قطع المشهدَ أحدُ الشبّان الذين يفلحون الأرضَ فى الجوار، يرتدى جلباباً و عمامةً ملطّخيَن بالطين، ترك فأسَه بالخارج ، دخل يقول:
- عاوز بورشام الفالاشيل يا دَكتَره.

هذه طريقتهم فى نطق دواء الـ(فلاجيل). بل و ينطقونه بكل الفخر كأنه المشروب الرسمى لقريتهم! ذهبتُ لآتى به من أعلى الرف. فيما انزوى الموظف مستنداً على الجدار يلتقط أنفاسَه بصوتٍ مضطرب.. كملاكمٍ أُثخِن ضرباً فى جولته الأولى.. أطرق إلى الشاب مفتول العضلات ذى العمامة و الجلباب الذى ينتظر دواءَ أميبا الأمعاء.. تمنى فى قرارة نفسِه ولأول مرةٍ لو كان مصاباً مثله و مثل باقى الفلاحين بالديزنتريا! بدتْ له فى تلك اللحظة كمرضٍ محتمل، بل و مسلّ، على عكس ما كانت تثير فيه التقزز قبلاً! يتناول ما يحلو له من أطياب الأرض و خيرها، ثم يتولى العَقار تطهير أحشائه ! هذا كل ما فى الأمر!
لم نتحدث بعد مغادرة الشاب. همّ مجدداً بالرحيل. ذهب حيث كانت تستلقى بنيّته. لم يشأ إيقاظها.   
خلع عنها شنطتها المدرسية، ثم قام بحملها ضاماً رأسَها إلى صدره. ثم التفت نحوى و هو على عتبة الباب، فكانت هى المرة الأولى التى أرى فيها رجلاً من هذه القرية يبكى!...

سألنى، و هو يغالب الدمعَ، بصوتٍ مترددٍ مختنق، على عتبة الصيدلية :
- البتاع ده له علاج مش كده ؟

تبسّمتُ بارتياحٍ و أنا أشير بالموافقة، و أزدتُ على قوله إذ كنت أعلم بما يدور فى خلده :
- و هتفرح بيها و تسلمها لعريسها كمان ..

و تمنيتُ من الله أن يعتصمّ بالجَلَد حتى ينزل إلى القاهرة.

تسنى لى مشاهدته من زجاج الصيدلية. سار فى اتجاه الجسر المتهالك الواصل بين ضفّتي الترعة، 
حاملاً صغيرته التى تغطّ فى النوم، تدفعه أكتاف الفلاحين العائدين من أراضيهم.. لم يأبه ببقع الطين التى تنثرها جلابيب " الفواعليّة" حوله. فما عاد يشعر بوجودهم... انعقفت كتفاه و انحنتا تماماً تماماً... لكنه توقف فجأة ! التفت بحركة عصبية إلى الخلف. شىءٌ ما ينقصه !
جِريدة النخل!..
 انتبه أنه نسيها عند باب الصيدلية! دبّ الألمُ فى ركبته من جديد، كاوياً و عنيفاً، يغترف من قلقه فيفيض على كل عضلات جسده.. تذكّر أنه أصبح مريضاً محتملاً لداءٍ لم يتثبّت منه بعد.. خاف أن تزِلّ به القدم و هو يحمل ابنته، فوق الجسر عند أعلى نقطةٍ من الماء العَطِن.. فأيقظها على الفور. أنزلها ببطءٍ من على صدره. أناب عنه هواء الغروب فى تجفيف دموعه التى سالت رُغماً عنه، لم يشأ أن تراه باكياً.. هذا شعارُ كل أبٍ فى القرية حيال ابنته : ‘أموت و لا ترانى ضعيفاً ‘.. تبسّم إليها بفيضٍ من حبٍ أبوى هادر و هى تستقيظ من غفوتها القصيرة... تُرى من منهما يحمى الآخر الآن من السقوط؟! تشبّثا بأيدى بعضيهما..

ثم عبرا الترعة ...




Image result for grandfather

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...