الجمعة، 9 أغسطس 2013

رائحة القهوة ( قصة قصيرة )


تصاعد بخار قهوة الصباح ممازحاً انفى برائحته النفّاثة بعد ان وضعه النادل كعادته امامى على الطاولة . تلمستُ بتثقل حافة الفنجان لعلنى اتخلص بسخونته المنبعثة من آخر بقايا النوم الرابضة بأجفانى . يراودنى النعاس كلما تذكرت ان حِزمة من الصحف مُلقاة بقليل من العناية امام عينىّ ، تجاورها بضع وريقاتٍ بيضاء لم يطأها قلم . كل هذه استعداداً لكتابة المقال الأسبوعى للجريدة الذى قلّما افرغ منه فى موعده المحدد .

رشفتُ رشفةً أخيرة من القهوة قبل ان افرك وجهى بكلتا يدىّ معلناً بإستياءٍ عن البدء فى الكتابة . أخذتُ نفساً عميقاً و انا أتطلع الى الكافيه الواقع فى احدى أقدم و أرقى أحياء مصر الجديدة ، حيث لا تحلو لى كتابةً الا هنا . أخذت انظر الى الزبائن ، و العاملين ، و أطباق الحلوى و الأكواب الساخنة المارة بجانب رأسى .. لا شىء جديد ! فأجمل الأشياء ينطفىء بريقها بداخلنا حينما نفقد متعة الإشتياق إليها ..
وضعتُ ابهمى على أحد أزرار اللابتوب محاولاً ايجاد ديباجة ملائمة لمقالى ، و مع أنى لازلت اجهل فى أى موضوع سوف أكتب الا ان هذا ليس على قدرٍ من الأهمية ؛ فحينما يدخل السأم قلوبنا لا تختلف الأشياء كثيراً فى مقدماتها ..
تذكرت أنى مُكلف بتبنى ملف المرأة هذا الأسبوع ، علىّ اذاً أن أكتب عنها هذه المرة . بدأت فى نسج المقدمة حتى نظرت الى يدى اليسرى و قد ارتسمت على شفتىّ ابتسامةٌ فيها من السخرية ما يكفيها لتبقى طويلاً على وجهى . ببساطة يدى اليسرى فارغة ؛ ليس لدى تجربة حقيقية مع هذا الكائن الذى علىّ ملء صفحاتٍ عنه .
و مع أنى كنتُ منزوعٌ من أى حِس الا أنى ارغمتُ نفسى على التدوين ، تصفحت عدة مواقع إخبارية بحثاً عن أية أنشطة نسائية  لهذا الأسبوع . و بينما تدخل أصابعى فى سباق مع عقارب الساعة و قد تلاشى بداخلى أى احساس بالمكان أو الزمان فى مواجهة هذا المارد المتسلط ؛ موعد الطباعة و النشر .

مرّت بالقرب منى بينما أنا غارق ٌ فى صفحاتى ، لم ألحظ دخولها فى البداية ، و لم ألتفت حتى لمعرفة ما اذا كان المار بجانبى رجلاً ام إمرأة ، الا أن رائحة العطر الفرنسى الفاتن يبدو انها ستظل فى صراعها الأبدى مع الرجال .. كانت كفيلة لإخراجى من هذا الانكباب لأعرف من أين يأتى هذا الرحيق الأنثوى الأخّاذ .
كانت قد جلست هى قبالى فى طاولةٍ لا تبعد كثيراً عنى . و مع انها لحظات بسيطة التى تسللتُ فيها ببصرى للتطلع الى هذه الزائرة الجديدة ، الا انها كانت بالوضوح الكافى لأن تُبقى مكاناً لها فى ذاكرتى .
بُساطٌ من الشعر الأصفر يحيط وجها بيضاوى هادىء ليفصح عن عينين عسليتين تملؤهما الرغبة ...
انتزعتُ نفسى من هذه الحالة الاستسلامية الولهانة التى طالما ارفضها، و قد ظننتُ أنى فعلتها ، و لكن سرعان ما وجدتُ نفسى أطرق البصر لها مراراً و مرارا ..
صرنا نتناوب النظرات حتى اشتبكت عيوننا فى بضع لحظات خاطفة بين الحين و الآخر ، تطول حيناً و تقصر حينا آخر .. حاولت للحظات التظاهر بعدم الاكتراث الا أن هيهات الصمود امام اصرار امرأة ..


إن ثمّة معضلة استشعر وجودها تقف حائلاً بينى و بين هذا الكائن المجهول . فأول امرأة فى حياتى ، التى منها انا خرجت ، لم يشأ القدر أن يجمعنا سوياً على أرضٍ واحدة ، ففى اليوم الذى جئت فيه الى الحياة غادرتها هى . ثم كانت تجربتى الأخرى و الأخيرة ، اختى الكبرى التى عنيت بتربيتى ، احببتُ فيها الأمومة المفتقَدة الى أن صارعها المرض فهزمها..

تجربتان انتهوا بى الى حقيقة ثابتة ؛ إن هذا الجنس يرتبط فى ذاته بثنائية مريرة مع الموت و الفناء ، و من هنا كان هروبى المبرر من النساء الذى هو فى الحقيقة هروبٌ من الموت ..

و لكن انا الآن جالسٌ فى مواجهة امرأة غايةً فى الجمال ، لستُ متأكداً إن كان داء الموت قد اصابها أم لا ، و لكنها تظهر مفعمة بالحيوية .. تجلس أمامى ، و بيننا نظرات ممتدة ، تتعانق حيناً و تنفك حيناً .. أجد نفسى فى مفترق طرق عسير ، أحمل ورائى تجربةً أليمة لسيدتين كانتا أعز ما املك  و قد جعلانى اكتشف حقيقة الموت .. و لكنى فى ذات اللحظة أجد أمامى واحدة أخرى من نفس هذا الجنس ، من عينيها تتفتق الحياة ... و ليس من الذكاء ألا نختار الحياة ...


من المؤكد ان الورقة التى تركتها لها مع النادل ستكون بين يديها حينما اكون على ابواب الكافيه فى طريقى الى العمل بالجريدة . فسنظل نتذكر كلانا انى فى صباح هذا اليوم كتبتُ لها على ورقة كان من المفترض ان تُملأ بجملٍ جوفاء تُنشر ليقرأها المئات ، أرادها الله كلماتاً مقتضبة لتصل الى شخصٍ واحد ، أو ربما لتذكرنى بهذا الميثاق الجديد : " يا امرأة .. كانت مبارزة ممتعة هذا الصباح ، حاولتُ فيها الإفلات من شباكك ظاناً منى انها الهلاك الى ان عرفت أن ما دونها هو كذلك ... لا يهمنى إن كنت قد احببتكِ أم لا ، و لكن يكفى انى عرفت فى هذا الصباح أن هنالك رائحةٌ تفوق فى جمالها رائحة قهوتى الصباحية ... "

مارك كاسترو


السبت، 6 يوليو 2013

العالم الجديد ( مقال ملهوش بداية و نهاية )

ربما كان علىّ التهمل قليلاً فى محاولة منى لتنسيق  تلك الأفكار قبل عرضها على القرّاء ، و لكن المقالات شأنها شأن الأوطان ، حينما تكون مبعثرة مفككة يصعب لملمتها فى اطارٍ واضح المعالم ...
قد يستوقفك اثناء الاطّلاع على هذه السطور ان الخط الزمنى قد يتلاشى او ربما ينعدم تماماً  فى بعض الفقرات ، لتخرج بعض الوقائع عن سياقها الزمنى لتكون فى خدمة الرسالة التى اردت ايصالها . كذلك لم اعتد بأى محاولة لتصنيف الأحداث من حيث الأهمية ، فما هو هام فى ارض الواقع قد تجده هامشى فى هذه السطور ، و ما يبدو على درجة من السطحية على الساحة السياسية قد تجده محورى فى هذا المقال .

حالة من التناقض المضحكة المبكية تأتى متصدرةً امدادات شبكات التواصل ؛ فالعاهرة _ كما يدّعون _ تتبرع بما تملك دعما لبلادها ، و رجل الدين _ كما يدّعون ايضاً _ يتخفى فى زى امرأة ليحض اتباعه على الفتنة !  
قامت غادة عبد الرازق منذ ساعات بالتبرع بمبلغ مليون جنيه لصندوق مصر انقاذا للإقتصاد الذى امسى على كف عفريت ، و قام محمد بديع فى ظهيرة نفس اليوم بالتخفى وراء النقاب لمخاطبة مؤيديه فى محاولة بائتة تنبىء بالانهيار الكارثى لأسطورة الاخوان ... شخصيتان جمعهما القدر فى وطنٍ ملىء بالمتناقضات ، الأولى بعطائها منحت حياةً و الثانية بلسانها اباحت موتاً ...

                                                                ********************

حالة من الإضطراب على الصعيدين الداخلى و الخارجى بعد جُملةٍ من الأحداث الهامة التى تأتى متصدرةً المشهد السياسى العالمى ، فما بين سقوط دولة و اعلاء كلمة شعب ، انهيار خلافة المرشد و انتصار مقاومة امّة .. كوكبةٌ من التحولات نتلمس فيها اثار النجاح تارةً و نشتم فيها رائحة الاخفاق تارةً اخرى . خطوات ضالّة تدخلنا فى صراع مع مرجعياتنا التى عهدناها . 
 دعنى اذاً اكون اكثر وضوحاً ، الكثير ممن ينتمون الى تيار الإسلام السياسى عقدوا النية على التصويت لصالح الدكتور مرسى و جماعة الاخوان فى انتخابات رئاسة الجمهورية و اى انتخابات مقبلة و كأنهم فى رباط ابدى مع هذا التيار ، ظانين انهم بذلك يحمون الاسلام !  كذلك و من الجهة الأخرى نجد عدداً من الأقباط يهرعون الى مكاتب الجوازات ، تلك التى ستنقلهم الى بلاد العم سام حيث الحرية و الديمقراطية و الحياة السعيدة . مختصر القول ، لكل منا ظهره الذى يحتمى به و يركن اليه فى وقت البلاء . و يشهد الله اننا جميعاً مُنقادون بشكلٍ او بآخر ...

    للأسف و تبعاً لكل تلك المتغيرات يجدر بى ان اقول ان حتى تلك المرجعيات فى طريقها الى السقوط كما عهدنا من زعزعة كل ما هو ثابت فى هذه الدنيا . فدولة الاخوان و ما تمثله من حلم و سند و صافرة انطلاقٍ لخلافة اسلامية يحلم بها عددٌ لا بأس به من اهل الشرق ، تلك الدولة قد آلت الى الانهيار قبل حتى ان تغادر أولى محطاتها ، فما لبثت ان وصلت الى سُدة الحكم فى مصر حتى لفظتها المعارضة فى تظاهرات هى الأكبر فى تاريخ البشرية ، و ها هى على وشك ان تعيد قياداتها الى السجون مرة اخرى ... سقط درع الحماية الذى تشبث به الكثير من معتنقى هذا الفكر . 

و لست ادعى ان الأمر بعيدا عن الفريق الآخر ، فهؤلاء الذين احتموا و لو نفسياً على الأقل بالولايات المتحدة معتبرين اياها نموذجا للتحضر قد يستعجبون من هذا القرار الذى كتب عنه مجدى خليل الناشط الحقوقى بالخارج قائلا بأنه يوم اسود فى تاريخ الأمة الأمريكية ! لقد اصدرت المحكمة الفيدرالية العليا قراراً جديداً بأن الزواج لا يُشترط ان يكون رباطاً بين رجل و امرأة . ذلك القرار الذى لا يعد اعترافاً بالمثليين  فقط و انما تصريحا باعطائهم كافة الحقوق و الامتيازات الممنوحة للأشخاص الأسوياء . و قد استأنف مجدى خليل حديثه معلقاً بأن هذا يعد بداية الانهيار للشعب الأمريكى . 

نهاية القول ، اذا كنت تحتمى بالاخوان معتبراً اياهم حماة دين فهلم نبحث عنهم بين المساجين حيث جزاء المفسدين ..  و كما كتبت مرارا و تكراراً ،  ان الذين فى كل مرة كان من المفترض ان يحكموا بعدل الله و شريعته صاروا رسلاً للشيطان على الأرض  ... و اذا كنت من المتآنسين بالحلم الأمريكى فها هى حضارة يقضى عليها انفتاحها و تسيطر عليها نزواتها لتدب فى جذورها موارد الهلاك ...
ذلك هو العالم الجديد الذى نحن مُقدمون عليه ، عالم مزعزع الركائز بلا خارطة واضحة ، عالم صار له الدين تجارة  ، و الحرية  و يا للأسف رخصة للعهارة ...
يذكرنى هذا المشهدالمتخبط بقول الكتاب : " الجميع زاغوا و فسدوا و اعوزهم مجد الله "  ... نهاية القول ،  اذا كان لك ان تحتمى ، و اذا كان لايزال لك ايمان بذلك الخالق العظيم ؛  فبلدك اذاً اولى بأن تحميك و لها الحق دون غيرها فى عرقك و جهدك .

                                                                          *********************
لازلت برغم كل ما اقترفه ذوى اللحى اعطيهم مزيداً من الشفقة و العطف ، فبالنسبة لطائفة الليبراليين و غيرهم من معتنقى التيارات المدنية فكرة تغيير رئيس الجمهورية لا تعدو كونها احدى صور التغير الديمقراطى للنظام السياسى ، اما بالنسبة للإسلاميين من معتصمى رابعة العدوية ، فالموضوع له اكثر من بُعد لا يمكن تجاهله .  ارجوك ان تعى هذا ؛ فبالنسبة لهم انت لم تُسقط رئيسا .. بل دمرت حُلماً !
  ان التشبع الملحوظ بالحلم الاسلامى كما احب ان اسميه قد جعل فئة ليست بقليلة لأن تترك بيوتها و تنخرط فى اعتصامٍ مفتوح لأكثر من ثمانية ايام . هذا طبعاً اذا استثنينا اى حديث عن تمويل او معونة او ما شابه . 
اذا اردنا حقاً ان نعى مبررات هذا التعنت المستميت من قبل هؤلاء يجب ان نفهم الدوافع من وراء تلك الأفعال ، ان المسألة بالنسبة لأولئك المعتصمين ليست نضالا من اجل سياسة او نظام بعينه بقدر ما هى دفاعاً عن الدين و حلم الخلافة و الشريعة المسيطر عليهم . ان مثل تلك النفوس تستحق منا بحق الإشفاق عليها .. اناسٌ سكنوا جحوراً و ليس لقلوبهم مأوى سوى بين طيات الخيال التى رسمها لهم قياداتهم ، حملوا السلاح ليس حباً فى القتال بقدر ما هو ارضاءاً لإله لا يعرفونه ، نزلوا الميادين انتقاماً من اولئك الذين يظنون انهم دمروا مقاصد الله و شريعته .. باختصار هم اناسٌ كثير منهم لم يروا الحياة الا من خلال القضبان الحديدية ، فكيف اذا تنتظر منهم تسامحاً او قبولاً !؟؟
ان ثمّة شىء هم فى حاجة اليه ، فهؤلاء الذين قاموا باقصاء الجميع بطريقة عدوانية كانوا فى اشد الحاجة للشعور بالقبول من قبل الآخرين !! 

ان العنف لا يُرد عليه بالعنف ، و انما يحتاج لعلاج اصل الداء و ليس العرض السطحى . نحن لم نر منهم وجوها سمحة كما يليق برجال الدين ، و فى هذا لنا كل الحق ، و لكنهم ايضا لم يجدوا فينا ايدى رحيمة تقبل مداواة افكارهم ...
                                                            مارك كاسترو

السبت، 8 يونيو 2013

حلم آخر العمر ( قصة قصيرة )




استقامت قدمىَّ بعد تعثُّر امام رَدْهة من الماء البارد الذى وجد مُستقره فوق تجمعاتٍ من الطين الأملس ، تلك التى تكونت بفعل الليالى الممطرة التى خلّفتها آخر انّات الشتاء الحزينة . كنتُ قد امسكتُ باحد اطراف السلم الرخامى الذى تراكمت على حوافه بضع كريات من الثلوج .. كانت كفيلة فى مراتٍ سابقة لأن تجوب برأسى الأربع جهات قبل ان تلقي بى جثةً منهكة على سطحها الحجرى . يباغتنى هذا الانزلاق كلما تناسيت انى كهلٌ فى عقده السابع ، عليه ان يتشبث بما بقى له من القوة بهذا السلم المكسو بالجليد ، حتى يتحاشى اى رجفةٍ مفاجئة تصدر من جسده النحيل و متفادياً لأى احتكاكٍ و لو بسيط مع عظامه الهشة و نظارته التى تكاد تنقل له صورةً مبهمة بفعل الأمطار .. فمادامت روحى لاتزالُ عالقةً بهذا البدن علىّ اذاً ان اتعايش مع مقدار الطاقة المتبقية لى . حتى اذا ما جاءت اللحظة التى طالما انتظرتها و التى سترفض فيها رئتىّ استقبال مزيداً من دفقات الاكسجين القادمة اليها ، حينها فقط سأستطيع الطيران بعيداً ، خارج تلك الضلوع التى كتمتْ بينها احلام فؤادى .. ستتهاوى روحى محلقةً الى كل تلك الأمكنة التى رفضت ساقاى ان تصطحبانى اليها ، الى كل تلك البلدان التى عرفتها او لم اعرف ، الى قلب تلك الكتب التى عاصرت مؤلفيها او لم افعل ، الى اى سماءٍ و اى أرضٍ سأختارها ... ان الموت سيرد الينا ما سلبته الحياةُ من عمرنا ...

اطرقتُ ببصرى الى البحر العاصف فاذا بانعكاس الشمس قد تلاشى من على صفحة الماء ، لتملأ مياه الغمام الشاطىءَ الفسيح حتى يميلُ المشهد كله الى الزرقة الداكنة . فاضت السحب بمائها الغزير مخفيةٌ بثورتها اى اثرٍ لآشعة الشمس . كل هذا و انا اكاد اتلمس السلم الرخامى الذى يفصلنى لبضعة امتارٍ عن مياه المدّ ، محاولاً بكل ما فىّ من شهيقٍ و زفير ان اشبع شهوتى فى ان اشتم رائحة الجليد دون ان تتضرر فروة رأسى المجعدة بطلقات الأمطار الثقيلة و المتلاحقة . و بقدر ما يتجلى مشهدٌ من الاضطراب المناخى  يعصف بأجسادنا الا انه فى كثيرٍ من الاحيان ما يعد اكثر ثباتاً مما يدور بداخلنا ، فالألم لا يخطىء فى انتقاء القلوب البائسة !  فماذا عساه ان يخبىء لعجوزٍ فى سنى و قد صفعنى مرات و مرات طيلة سنى حياتى .. ابعدتُ النظارة عن وجهى فى محاولة فاشلة لتجفيف قطرات الماء التى تحجب عنى الرؤية .. كان لى أن اختبر الألم فى كل فترةٍ عشتها ، اصطدمت به فى الطفولة و أيام الصبا حينما رأيت الحربَ تجتاح الأراضى التى لم تخطىء عينىّ فى تمييز لونها الأخضر ، لتحولها الى أكوامٍ من الحطب اليابس .. و مع أن الحرب قد إنجلت بعد ذلك بفترة بسيطة إلا ان ظلالها لم تزل تطارنا حتى آخر العمر . اصبحنا نخاف الحرب .. ليس حباً فى الحياةِ بقدر ما هى تجنباً مزيدٍ من الذل ... 

انطلقت موجةٌ اخرى من البرق قبل ان تخف الأمطار تدريجياً .. فُرصةٌ اخرى لأن أرى الأفق البعيد بعد تلاشى حدة الشبورة . اجواء من الحذر تحيق بالشاطىء جعلتنى اسير بضع خطواتٍ ، تدهس اطرافى السُفلى مستنقعات الطين التى تكونت .. هدأت حِدة الحرب مع تعاقب فترة من الطاقة النابضة و السعى لبناء اوطانِ ما بعد الإستعمار ، و لكن سرعان ما اكتشفنا ان تلك الأنظمة التى حكمتنا كانت اكثر بطشاً بنا من المحتلّين الأجانب لتزيدنا خنوعاً و قهراً و استبداداً ... ترك الألم بصمته فى كل فترة من حياتى ، كان مارداً ينسج شباكه حتى فى ازهى لحظات الشبق . حتى الذين هجروا الحياةَ على ارضنا ، كم من وعودٍ بالعودةِ اعطونا ، سرعان ما تبخرت كلها لتجعل من التلاقى امراً شبه مستحيلٍ  .. كانت لى اهداف كثيرة فى أيام شبابى ، تناثرت جميعها اثناء الترحال ، لم يبق منها سوى ذكريات تراود رجل سبعينى يجلس متأملاً البحر . احساسٌ عميق بالخيبة يسيطر على اوصالى ، إحساسٌ بأنى لم احقق و لم انجز شيئا فى أيامى ...

ذكرياتٌ كثيرة تلوح فى الأفق خاصةً مع بروز اولى لمحات الصباح الجميل .. كفٌّ صغيرٌ حانى ينسدل على خدى ، ليعيد لى إحساسى بالزمان و المكان ، حتى اكتشف ان ليلةً كاملة قضيتها على الشاطىء المضطرب و ان جسدى بكل ما به من أسقام قد استطاع تحمل العاصفة الهوجاء التى سيطرت على المكان حتى طلوع الفجر . كان السر فى هذه الإستفاقة هى حفيدتى التى جاءت تحبو الى حيث آويت انا على الرمال . قامت بشد قميصى بكلتا يديها و كأنها تستجدينى للدخول بعيداً عن آثار العاصفة .. و ها انا استجيب لها .. قُمت و أنا مغمض العينين تاركاً الدفة بكاملها تحت تسلط حفيدتى ذات الثلاث سنوات .. اسلمتُ لها يدىّ فى استسلام تام لتلك الارادة الطفولية البريئة . فإذا كنت قد فشلتُ فى قيادة حياتى فيما سبق ، فعلىّ الآن ان اتركها فى يد من هى اكفأ .. نظرتُ الى وجهها البيضاوى الهادىء و اردفت : " يا لينا .. لولا فارق العمر الشاسع بيننا لاصطحبتكِ فى رحلتى الأبدية " 

السبت، 4 مايو 2013


 " َصوتٌ سُمِعَ فِى الرّامةِ ، نوحٌ و بُكاءٌ و عويلٌ  كثيرٌ . رَاحِيلُ تَبكِى عَلَى اوْلادِها وَ لاَ تُريدُ ان تتعَزَّى ، لأنَّهُمْ ليْسوا بِموجُودين "
كانت لاتزال وقع كلماته مدوية بقوة فى اذنى ، حتى اذا ما انتقلت موجات صوته الرخيم من الميكروفون لتدور فى كل انحاء المكان ، تجوب ثنايا القلب قبل ان تطل بصداها على شرفات الابنية ، القديمة منها و المستحدثة . تذكرنا فى كل مرة ان عمرا طويلا قضيناه هناك ، و لازلنا ، و ان حياة كاملة احتواها ذلك المكان على مر السنين . تشهد بكل ما تحمل من رائحة الماضى لتتعانق مع ما نحمل نحن من امانى المستقبل ... كان صوت الاستاذ جمال رجب اثناء دخول طلبة الصف الثالث الثانوى وسط الاجواء الحازمة المبهجة التى انتجها نشيد الكشافة ، لازلت اذكر صوته جيدا و هو يقول " دى لاسال .. افخرى برجالك "  . شاب على مشارف العشرين من عمره يودع امه للمرة الاخيرة ، يقبل هدب ثوبها و تربت هى على كتفه قبل ان يغادر اسوارها .. دقت صافرة النهاية معلنةٌ نهاية الرحلة بالنسبة لهم ... 
دى لاسال التى كتبت من اجلها و اليها ، دى لاسال التى عشنا معها كحبيبين يتناجيان كل ليلة على اضواء الشموع ، و تعلمنا منها  كمنارة متقدة لا يفتر توهجها ، و عرفنا فيها عظماءاً عاشوا بيننا ، ربما لم يعرفهم العالم  ، و لكنها عرفتهم ، عاشوا فيها و عاشت فيهم  و آثروا ان يكتبوا لأنفسهم النهاية من دون ان تبرح اجسادهم اسوارها .. دى لاسال التى ابدعت و انجبت ، حلمت فعاشت  و ثابرت فنالت ... دى لاسال التى تشهد على مدى حبنا لتاريخها و مدى سعينا لحاضرها . 
سمعت مثل كثير من اهلها عن النية التى تحولت الى فعل و هى بخصوص بيع جزء من المدرسة لصالح مشروع استثمارى ، كيف لفؤادٍ ذاق الحياة فيها ان يقترف مثل هذه الذنوب ... دى لاسال تباع ، الايدى الحانية تُبتر ، و القلب الحانى يختنق  ...
 اقول لمن اقدم على هذه الفعلة الشنعاء ، انظر الى كل حجر فى هذا المكان ، هو كفيل بأن يذكرك بقدسيته و تاريخه ، اقول له ان رجلاً منذ اجيال عدة ، حلم يوما ما ان يجعل من التعليم منهاج حياة و سراج لا ينطفىء ، و كان لحلمه صدا فى قلوب من تبعوه ، حتى صار يوحنا دى لاسال قديسا لهذا المكان الذى اردت ان تفرط فى جزءٍ منه .. عفوا انها دى لاسال!  اقول له ان اجيالا كثيرة عاشت و نمت هنا ، و من بعدها سيأتى من يطالبونا بميراثهم الزاخر فينا ، و تستمر الشعلة فى الانتقال من يدٍ الى يد ، انتقال ازلى و حضنٌ ابدىٌ  يشع دفءا ليستر بنيه ... يستلزمك الكثير لتعرف من هى دى لاسال ...
  و على طريقة كتاب وصف مصر : " اذا هُدمت مبانى دى لاسال ، فانظروا الى ابنائها ، فاليهم كان البناء ، و من اجلهم كان الحلم " 

الجمعة، 1 فبراير 2013

صورة ما يحدث فى مصر الآن

حبيبتى لو تعلمى ، كم دفعتُ من حياتى فى مهرِك .. و كم اذاقنى البردُ، و السوطُ، و الكرباجُ ، فى طريقى الى صدرِك ...
حبيبتى لو لم يكن بيننا حبٌ و اشواق ، لو لم يكن بيننا قبلةٌ بعد كل فِراق ، لو لم يكن بيننا فراشٌ يروى كل هذا الاشتياق ...
 لو لم يكن هذا حالُنا لقبلتُ كل الحُجج و الافتراضات ، لو لم تكن هذه آفاق خيالُنا لعزمتُ على الرحيلِ منذ اولِ لقاء ...
حبيبتى كنا بالأمسِ نبهرُ البعيدَ و القريب ، لنضيف الى كتاب الانسانية  بتهافت ارواحنا ، قصةُ حبٍ و حبيب ...
و بينما كانت احلامنا تتعدى سحب السماء .. و بينما كانت ارواحنا تتلاقى برغم عصف الشتاء .. كان ثعبانٌ زنيم يربض
 بكل ما اوتى من دهاء .. و برغم الدهاء ، كان فى قمة الغباء !! 
فبينما انا مشغولٌ بقرص خديكِ ، و بينما انتِ هائمةٌ و بكل الحبِ تأخذيننى بين نهديكِ ، كان رأس الأفعى يختبر سُمَّه الزعاف ، ليجول بين اجسادنا حانقاً على حبنا هذا العميق ، و رافضا ان يستمرُ عناقنا طويلاً ... 
يا سيدتى ، حواء اسقطت جنس البشر لانصاتها الى الحية ،
 دعينا لا نكرر الخطأ ثانيةً ، و دعى سُمها ان كان لها سم ، ان يتسلل بهدوءٍ الى اوردة اجسادنا ، دون ان يعكر علينا صفو هذه اللحظة .. دعيها تنفث ما بها دون ان تنتزع ما بنا ... فلو كان لها قوةً  كما تدعى ، فأنا اتحداها فيما بقى لى من الوقتِ ، ان تستطيع ان تفصل شفتيّ عنكِ ... 
اترين ، انها مجرد افعى خرقاء ، لن تستطيع اذيتنا ، لن تفعل
 اكثر من محاولة اِخافتنا ...

 يا سيدتى ، بالله عليكِ ، لماذا تبدين شاحبةٌ هكذا ؟   لا تحاولين اقناعى بأن السمَ قد بدأ فى الجريان فيكِ ، انتِ بخير ، فضربات قلبك تعانق ضرباتى ليشكلا معا اجمل انشودةٍ فى الكون ، و يدكِ ، يدك هذه الملساء ، لازالت ممسكةٌ بيدى .. 
 اتوسلُ اليكِ بكل ما عندك من رغبةٍ و ارادة ، دعكِ من هذا الألم الذى بدأ فى التسلل الى احشاكِ ... لماذا استشعر تلك الرجفةُ تحوم بين اوصالك ؟  يا سيدتى ، اقسم لكِ ان كل هذا من وحى خيالك ، انتِ بخير ، لذا دعينا نقولها بملء الفم : سنحيا ، سنحيا لأن اياما رائعة فى انتظارنا ، سنحيا لنستمر فى اعطاء الأمل كما كنا نفعل من قديم الأزل ، سنحيا لأن الحب بين شفتيكِ اجمل بكثير من ان نسمع عنه فقط فى روايات هوجو و ديكنز ... سنحيا لأننا نريدُ ان نحيا ...
يا سيدتى ، يبدو اننى قد اثقلت عليكِ جدا ، فأنا ايضا وجهى قد بدأ فى الشحوب ، و نفس تلك الرجفة قد انتقلت الى بدنى ، فعلى الاقل لن تقاسى الموت وحدك .. فهناك نفسٌ اخرى كانت تنوى ان تقضى الليلة بين احضانك ، هى تتعذب الآن بمثل عذابك ...
و ان لم يكن لى ان احدد وقت مماتى ، فعلى الاقل سأختار اين سأموت ... حبيبتى ، فيما لازال لى من الأنفاس .. ان بقيتِ ، فأنا على وعد البقاء ... و ان ذهبتِ فسأكون معكِ .. و ان كانت لاتزال فيكِ اذنٌ تسمع و لم يكن السهم قد نفذ بعد و لم يكن السم قد قضى على جسدك ...  اذا فعليك القرار ...

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...