الثلاثاء، 26 يوليو 2022

سنوات المِلح و المطر (قصة قصيرة)

 كنتَ تقف وراء الشباك محاولاً أن لا تُظهر سوى يديك و الكمان، حتى لا تصدمها بوزنك الذى يزداد شهراً تلو الآخر..كنتَ تتطلّع إليها من خلف الستائر بظمأ فارسٍ عاد بعد حربٍ إلى صدر الحبيبة.. نفس ذاك المشهد يُعاد بكل تفاصيله بعد مضى ثلاثين عاماً..نفسُ المقطوعة، و القميص الذى يبتل من الخجل، و النشوة التى تدفعك للعزف و أنت نصف مستتر.. لم يحركك الزمان خطوة واحدة !

تغفو الآن وسط دزينةٍ من الأجهزة و الخراطيم و شاشات متابعة النبض والأجهزة الحيوية.. لقد اعتل القلبُ الذى صمد طويلاً أمام قسوة الوحدة.. الشىء الذى يملأك حسرةً وأنت مكبلٌ بهذه القيود التى تؤجل موتَك، هو أنك سقطتَ أمام هايدى ذات الثمانية عشر ربيعاً التى تسكن فى البيت المقابل.. انفرجت الستارة لتكشف عن الجسدِ الضخم المسجّى تعلوه الكمان و هى تصدر آخر صدى لمقطوعةٍ كلاسيكية.. كنتَ تعزفها من أجلِها…


هى على الأرجح من أبلغت تهانى حين سقطتَ، و لو كنتَ فى تمام وعيك لعلمتَ من صوتها المصطبغِ بالقلق أنها اندفعت تطلب الإسعاف بدافع الشفقة على رجل خمسينى، لا أكثر.. " أنكل جارنا إلى بيعزف باينه أغمى عليه " هكذا أخبرتْ أمَها .. 


اعتذرتْ تهانى عن جدول دروسها الخصوصية فى ذلك المساء، و سحبت بغصةٍ تكوى حلقها ما أمكنها سحبه من المال كيما تلحق بك حيثما نقلوك بعربة الإسعاف.. دفعتْ ما ادخرتْه من الدروس الخصوصية لخمس سنواتٍ فاتت كيما تستطيع إيداعك هذه الغرفة.. ظلّت تشخُص فيك و هم يعدّوك لإجراء القسطرة.. كنتَ تبدو كبناءٍ متهالكٍ يحاولون ترميمه و لكن بلا جدوى.. لم تكن لتستطيع النظر فى عينىّ تهانى فى تلك اللحظة، فالمبلغ الذى جمعتْه بدمِها لتتمكن من دفع مقدم شقة ستتملّكانها أخيراً، بعد أن عجزتَ أنت عن شراء واحدة لخمسة عشرِ عاماً، ينتثر الآن أمام عينيها من أجل استبقائك حياً، بعد أن انسد شريانٌ رئيس يغذى قلبَك…


ازداد وزنك كثيراً فى السنوات الثلاث الأخيرة، بعد أن أقعدك مرضُ القلب الذى ألمّ بك عن العمل.. تركتَ تدريس الموسيقى الذى تهواه لتحتفظ بما بقى لك من الصحة… كانت تخشى أن يزداد قلبُك اعتلالاً فيكلفها ذلك كل ما جمعته من سنوات تدريس اللغة الانجليزية بالمدرسة التى تعملان بها، فأرغمتك على ترك العمل قبل موعد التقاعد بعشر سنواتٍ كاملة..! و ها هو الهاجس الذى ظلّ يطاردها يتجسد أمامها واقعاً مراً على فراشٍ فى مستشفى خاص يلتهم " تحويشة" عمرِها..!
تركتْكما الممرضات لدقائق وحيدَين بالغرفة… إنها تذبحك بنظراتها الصامتة… فى عينيها ألفُ سؤالٍ لا يمكنك الإجابة عنهم فى رقادِك.. تود لو أن تعتذر لها عما بدر من قلبك ..! أن تقول لها يا ليتنى مِتُ و لم أبدد حلمَك… لكنها لا تسمعك، أو أنك لم تتكلم…

هل تجرؤ على الاعتراف أنك سعدتَ بملازمة المنزل بعد دائك الأخير؟ لم يعد لراتبك كمدرس موسيقى أى قيمة تُذكر بالمقارنة بإيرادها الأسبوعى من الدروس الخصوصية.. سطع نجمُها، أما أنت فانزويت كنبتةٍ ضامرة آن لها أن تُقطف.. ذلك التباعد فيما يجنيه كلاً منكما قلب موازين القوى بينك و بينها.. شقتكما المستأجرة صارت مركزاً للدروس الخصوصية، و امتلأ البيت بالأوراق و مذكرات المراجعة، يخرج فوجٌ من الطلاب ليحل آخر، و بقيتَ وحدك، تعزف الكمانَ أمام الشباك، و تحصد فى آخر الشهر ما تجنيه زوجتك فى أسبوعٍ واحد.. 


أتى الطبيب ليخبر تهانى بالإجراء الطبى اللازم لك، سيستكشف من خلال القسطرة حال شرايينك التاجية. تسمعه تهانى بوجه صارم يحاول إخفاء انكساره، تحبس دمعةً أنت الوحيد الذى يعرف أنها لا تذرفها من أجلِك.


عندما يوشك العمرُ على الأفول يجهد المرء فى تذكر الماضى بدقائقِه كأنما يطمئن أنه ما يزال موجوداً لم يُسلب منه.. هكذا تغوص الآن  فى بئر الذاكرة لتفتش عن أجمل ما مضى... تستحضره على فراشٍ مسيّج بأجهزة الإنعاش، ليمنحك نشوةً ربما تكون الأخيرة… تتذكر البيتَ القديم، و أنت شاب رفض كلية الهندسة ليدرس الموسيقى.. القرار الوحيد الذى اتخذته بملء إرادتك… أحببتَ الكمان كأنها قطعةٌ من روحك… و أحببتَ تلك العينين اللتين تطلان من الشباك المقابل.. هُدَى.. التى تصغرك بسنتين… بحياتك ما رأيتَ أجمل من تلك العيون… و لولا الخجل الذى كان يعتريك و تلك الحمرةُ التى  يصطبغ بها وجهُك كلما رأيتها لكنتَ أفضت لها بحبك… لكنك اكتفيت بالعزف لها، مختبئاً وراء الشباك نصف المفتوح.. كانت تسمعك بملء الفؤاد، و حين تنتهى من العزف كانت تلوح بيدها الجميلة الناعمة علامةً على استمتاعها بموسيقاك، و كنتَ تنحنى لها نصف انحناءةٍ مغالباً خجلك القاتل.. 


يأتى الطبيب المقيم ليسألك عن تاريخك المرضى، يستفسرعن الأدوية التى تتناولها، الحساسية من أى دواءٍ إن وجِدَتْ، و أشياءٍ أخرى.. بيد أنه يعجز عن انتزاع روحك من فوهة الماضى التى سقطتَ فيها.. تستحضرها الآن بعد مضى ثلاثين عاماً، و أنت على الخط الفاصل بين اليقظة و الحلم، بعينيها الجميلتين، و بسمتِها الوديعة التى تتسع مع نهاية عزفك.. كنتَ فى العشرين من عمرِك حين سكنتْ مع أهلها فى البيت المقابل.. تلك الذكريات التى لا يشرخها النسيان… 


تلمح بطرف عينِك طيفَ تهانى، تنظر من الشباك ممتعضةً يائسة، طلبوها فى خزينة المستشفى لتدفع أول دفعةٍ من المبلغ المطلوب.. تتحاشى النظرَ إليها، تتمنى أن يبلغ عمرك منتهاه قبل أن تبلغ هى الخزينة ، حينها فقط ستتمكن من حفظ ما ادخرتْه ، و ستشترى الشقة التى قاتلتْ من أجلها، و ستذكرك بالخير و أنت فى قبرِك… 


كنتَ أضعف من أن تفصح عن حبِك علانيةً.. أن تنظر فى تلك العينين و تقول لها يا هُدى إنى و قلبى أسرى عينيكِ… لكنك فى يومٍ لا يمكن للذاكرةِ أن تُسقطه كتبتَ لها ما استقر فيك لثلاث سنواتٍ خلت.. قذفت بالورقة فى جنح الليل و سهرت حتى تفتّح الصبح تنتظر أن تمد يدها و تفض الورقة، و تقرأك… احتقنت دماؤك خوفاً من أن يرى فعلتَك سواها، و ظللتَ ترقب الشباك الموصد حتى غفوتَ. صوتٌ ما أيقظك… طلّت هدى بعذوبةٍ أبدية، مدّت يدها و التقطت الورقة، ثم منحتْــك بسمةً خجلى انحفرت فى روحك لم تبرحها أبداً… 


إنهم يجرّونك الآن نحو وحدة الآشعة التداخلية، سوف ينفُذ الطبيب إلى شرايين قلبك ليقيّم حالته، إنهم لا يعلمون كم انكسر مراراً قبل أن يعلن الهزيمة…رودة الغرفة تُرجِف بدنَك.  يُطلب منك السكون التام، ستظل مستيقظاً أثناء إجراء القسطرة. دفعتْ تهانى المبلغ المطلوب و تأخر الموتُ عنك..! لقد أشاحت بوجهها عنك و أنتَ تدخل وحدةَ القسطرة، فجَلَدك سوطُ جفائِها وهى تنزوى بعيداً عنك… 


ظلّ شباكها موصدأً لأيامٍ طالت.. و ظللتَ تعزف و لا مجيب.. لم تطلّ من جديد، و لم تجرؤ أنت على إرسال ورقةٍ أخرى… لقد قطّعك الانتظار و أضناك حتى ألمّت بك الحمى.. فى اليوم الثامن دخلت أمك غرفتك و أوصدت الباب وراءها.. وجهها الحازم الغاضب أنبأك أن أمرك قد افتضح.. تلجّم لسانُك و هى تستجوبك و كِدتَ تقبل قدميها حتى لا تحرمك الكمان الذى تأنس به… أخبرتْك أن هدى ستتزوج من ابن عمها، و أن هذا قرار أبيها لا ينازعه أحدٌ فى قراره متى اتخذه… علمتَ أن أمها أغلظت القول لأمك، و حذرتْها أن يُسمع صوت الكمان و الشباك مفتوح .. أغلقتَ شباكك قهراً، و لم يتبق لك سوى الكمانِ و عينى هدى منسوجةٍ فى ذاكرتك تضمد بهما جرحاً لن يلتئم أبداً…


طالت فترة القسطرة، قلبك المعتل يعاندك و يستمر فى ضخ الدم.. سوف تعلم تهانى الخبر الذى سيلهب حشاها.. لم يتبق أمام الطبيب إلا الحل الأخير ليداوى قلباً على وشك التوقف.. عملية القلب المفتوح .. هذه الشرايين لن تستمر فى العمل كما كانت و تستلزم تدخلاً جراحياً… أعادوك إلى الغرفة كسجينٍ ضاعفوا مدة اعتقاله، ظللتْ تتحسس عظمة القص التى تتوسط قفصك الصدرى، بعد أن علمت أنهم سيكسرونها للوصول إلى قلبك… هول الصدمة أبقاكما صامتَين… تمنيتَ فى تلك اللحظة أن تأتى فتربتُ على كتفك لتتبخر وساوسك، لكنها لم تفعل.. إن بقيتَ على قيد الحياة سوف تنتقم منك تهانى بنظرات اللوم التى لن تحتملها ما أمكنكما العيش معاً، و إن مت أثناء الجراحة فلن تغفر لك أنك بددتَ مالها ثم تركتها وحيدة…!


أبقيتَ شباكك موصداً، و فى صدرِك نارٌ تستعر.. كنتَ أضعف من تلك المواجهة التى لم تتم إلا فى خيالك… بعد أشهرٍ قليلة رأيتهم يعلقون الزينة أمام بيتها.. رحتَ تتابعها و قلبُك يعتصر، بفستان العرس و هى تنزل الدرج مع عريسها وسط زغاريد تزفهما من كل الجهات.. كانت تضع طرحةً من ستان تغطى وجهها ، فحرمك ذلك من أن ترى عينيها لآخر مرة… بعد سنتين علمتَ أن هدى قد ماتت بداء السل، و من حَسِن ما تناقلته الألسن عنها و بلغ مسمعك أن جمالها لم يبرحها حتى يومها الأخير، أصابها المرض كضيف خفيف مد يده بهدوء ليتسلّم روحها دون أن يعذّبها… كان يمكن لموتها أن يهيل تراب النسيان على صورتها فى قلبك، لولا أنه بعد مضى  خمس سنواتٍ أخرى، و فى مرض أمِك الأخير أسرّت لك بالباقى من القصة… كيف علم أبواها بالورقة التى قذفتَها صوب شباكها ؟ أفضت لك أمك بما خفى عنك لسنواتٍ.. لقد فتحوا غرفتها فوجدوها تكتب لك رسالةً كانت تستعد أن ترسلها إليك بذات الطريقة… مزّقت أمها رسالتها و غيّرت لها غرفة نومها حتى لا تلتقيا و لو مصادفةً.. لقد أحيتك و أماتتك فى آنٍ واحد بما قصّته عليك… حتى الأنباء الحلوة إذا تأخرت يتمرّر مذاقُها… 


تستمع إلى الطبيب بعقلٍ ساهٍ، يشرح لتهانى مضاعفات الجراحة و احتمالات الشفاء و الموت! تتنهد و هى تستمع لتفاصيل الجراحة ، تتساءل عن إمكانية تأجيلها ، ثم تخفض صوتَها و هى تسأل عن كلفتها. يفجعها الرقم فتستند إلى الجدار كما لو أن دواراً قد أصابها.. المبلغ المطلوب سيجعلها تبدأ من الصفر مجدداً… تُقلّبك الممرضات كجثةٍ لم يحن دفنها بعد.. أنت مجرد رقم فى قوائم انتظار الجراحة.. الألم ينتشر فى صدرك كاوياً لا تمنع المسكنات زحفه…


تهانى.. ابنة العم ذات الملامح الحادة التى نالت الحظ البخس من الجمال.. ساعدْتَها فى الحصول على وظيفة بالمدرسة التى تعمل بها.. تقدم العمرُ بها و بك، و لم يتقدم لخطبتها أحد، فأرغمك الأعمام على الزواج منها.. فارقتك الشجاعة حين رغبتَ أن تقول لا .. مثلما عجزتَ أن تفتح الشباك على مصراعيه لتقول جهراً للساكنة أمامك أنك متيمٌ بها… توسلّت إليك أمُك المريضة أن ترى أحفادها قبل موتها.. ذلك الإرغام الناعم الذى يُلين الفولاذ.. بين أعمامٌ يقررون لأفراد العائلة مصائرهم، و أمٌ  تَعدّ أنفاسَها الأخيرة، وجدتَ نفسك فى فراشٍ واحد مع تهانى..!


لا أحد يعلم لماذا لم تُنجبا، مثلما أخفى القدر عنك ما كتبتْه هدى فى الورقة التى لم تصلك … جُبتما كل أطباء القاهرة لكن بلا جدوى، كأن جداراً ما سدّ رحمها فلم يثمر.. و برغم إخلاصك لها إلا أنه ما من أنثى يخفى عليها أمور القلب، واجهتك بعد ليلة حميمة بما تشكل لديها من يقين: " تحت جلدك تسكن امرأةٌ أخرى " … 


كانت تمتلك عينين جاحظتين، و أسناناً متراكبة غير مصفوفة.. كن صادقاً هذه المرة و أنت على فراش المرض و قل أنك لم تستطع أن تحبها أبداً.. لم يذب الجليد الذى يفصل بينكما أبداً حتى بعدما اضطجعتما عراةً فى فراشٍ واحد.. لما أصابكما اليأس من الإتيان بالنسل، و عجز الأطباء عن تحديد العلة، انزوى كلٌ منكما فى النصف المخصص له من الفراش، حتى لم يعد يشعر الواحد بأنفاس الآخر.. عدتما غريبَين حكم عليهما القدر المبيت على وسادةٍ واحدة..!


عادت تهانى من البنك و معها زهرة أيامها لتودعها فى خزينة المستشفى.. هذه المرة كنتَ بعيداً عن مرمى عينيها، فلم تزد فى تعذيبك … ستبقى حبيس هذه الغرفة ليومين قبل إجراء الجراحة.. تشعر بثقلٍ يضغط رئتيك.. قلبُك مأسور وراء أضلعك يخيّب ظنك و يستمر فى العمل .. و مذاق الأسى مالحٌ لا يُحتمل… 


خمسةُ عشر عاماً و هى تشتمُّ فى أنفاسِك رائحةَ امرأةٍ أخرى لم تعد موجودة… أقسمتَ لها بالسماء و   الأرض أنها لم تعد موجودة، لكنها لا تصدق… لم تتخلص أبداً من إحساسها العميق بأنك أنقذتها من العنوسة، و أن ذلك كان رُغماً عنك، و أنها لم تصبح أبدأ سيدةَ قلبِك… 

لم يفلح أىٌ منكما فى أن يرى الآخر متمماً له.. و ما ذلك سوى ردة فعلٍ لنقص رآه كلٌ منكما فى نفسِه… جحوظ عينيها جعلها تكره النظرَ فى المرآة، الحظ الزهيد من الجمال جعلها تنكبّ على العمل كفرسٍ غير مروّض… أما أنت فقد تملكك إحساس بالضآلة كلما ازدادت تهانى نجاحاً و ازدياد دخلُها أضعاف ما تجنيه، لينتهى بك الحال منفياً إلى جوار الشباك تواسيك الكمان…


غفت تهانى وهى تفترش الأريكة بجوار فراشك، لم تتبادلا سوى قليل الكلمات. جاءت الممرضة بوجبة العشاء فساعدتْك تهانى فى تناولها… كانت كمن يقوم بمهمة مقدسة، تؤديها بحزم و إتقان، لكن بلا شفقة! 


الحب كالبرق إما أن يأتى أو لا يأتى، و فى حالتك فإنه تأخر لخمسة عشر عاماً حتى سئمتما الانتظار.. 

تتذكر يوم عرفتَ بأنك مصابٌ باعتلال فى شرايينك التاجية، و أن ألم الذبحة الذى فاجأك و أنت تعزف أمام الطلبة سيستمر من الآن فصاعداً كذئبٍ يستعد لافتراسك كلما أجهدتَ نفسك فوق الحد المسموح… عدتَ من المستشفى فى ذلك المساء و بك رغبةٌ طفولية فى الارتماء فى حضنٍ يداوى القلب المرتجف… كانت هناك، على الطرف الآخر من الفراش، لكن العازل الثلجىّ الذى أحكمت تشييده السنوات وقف حائلاً بينكما.. لقد ربتت على كتفك و لثمت جبهتك و هى تتمنى لك الشفاء، ثم استدارت لتتركك وحيداً يبتلعك الحزن…


ملائكة الرحمة يطوفون بك، يذكرونك أنك كلّفت تهانى كل ما تملك من أجل أن تشهد صباحاً جديداً… المرور الصباحى للطبيب لم يُضف شيئأ، سألك إن كنتَ تود معرفة أى شىء عن تفاصيل الجراحة التى ستجريها غداً، لكنك أشرت له بالنفى… تبرق فى ذهنك عبارة محمود درويش التى قالها قبيل موته بذات المرض: " لا وقت للغد " … 


هايدى… آخر النسمات العليلة التى طافت بك وأنت فى الخمسين من عمرِك.. لمحتَها من الشباك الذى صار وطنك و منفاك.. فتاة فى الثامنة عشرة من عمرها، ترنو إليك بعيون يملأها الفضول، تشاهد رجلاً على مشارف الشيخوخة يحادث كمانَه كأنهما أصدقاءٌ قدامى… لستَ تعلم أيّكما أحب متابعة الآخر، كانت تضع وجهها بين راحتيها فيما تستمع لعزفك.. ترسل لك قبلاتها مع نهاية كل مقطوعة فتنعش روحك التى مزّقتها الوحدة… كدتَ تدمع حين قالت لك ذات مساءٍ: " عزفك رائع يا أنكل "...كنتَ تختبىء وراء الستارة لتخفى عنها ما تعانيه من وزن يتزايد مع كل شهرٍ تمضيه وحدك... وجهها الذى يطل من الشباك المقابل يذكرك بماضٍ لم تنسه أبداً… فى اليوم الذى رأيتها فيه أحسست أن هدى لم تمت بداء السل مثلما ادّعوا، وأنها أوصدت شباكها بالأمس القريب و عادت لتفتحه اليوم مجدداً… كنتَ تنتظر طلّتها البريئة مع مغيب الشمس، تلوّح لك بيديها باسمةً، و تستمع لعزفك فى شغف .. كم كان ذلك اليوم مبهجاً، حين طلبتْ منك أن تغمض عينيك للحظة، و حين فتحتهما وجدتها ممسكةً بكمان اشترته لتشاركك العزف… هذه اليدُ الحانية التى جاءت عند مفترق الطرق الأخير  


لن تستطع الذاكرة إسقاط تلك المشاهد التى سبقتْ دخولك لغرفة جراحات القلب المفتوح. أقبلتْ كتيبةٌ من الممرضات لنقلك بالتروللى… أولئك سيتذكرن ما فعله رجلٌ خمسينىّ ذو شرايين تالفة حين أقبلت عليه زوجته تربت على كتفيه و هو فى طريقه إلى عنبر الجراحة… كأن وثاقاً يلفّ ساعديك قد انحلّ على حين بغتة.. اندفعتَ تقبض ذراعها حتى كِدتَ تمزقه، صرختْ تهانى من هول المفاجأة و الألم، حاول طاقم التمريض انتزاع ذراعِها من قبضتِك، جحظتْ عيناك فيما تشخص فيها، التوَت شفتاك كأنك غدوتَ طفلاً يوشك على البكاء، احتقن وجهُك احمراراً كأنك تكتم سراً يحاول الفكاك من بين شفتيك.. تُسرّ لها باحتياجك الذى لم يُسَدّد أبداً.. قلتَ لها بقلبٍ يأكله الجوع:

" قولى أحبُك… مرةً… قبل أن ينتهى العمر " . . . 

تصدّع السياج الفاصل بينكما بتلك العبارة.. انفجرتْ فى نحيبٍ تبعك صوتُه و هم يعبرون بك الطرقةَ التى تفضى إلى بوابة الجراحة...

دخلتَ غرفة الجراحة و على خديك يلمع خطان من دموعٍ كانت قد تحجّرت فى مقلتيك لزمانٍ طويل…هدأ الجسد أخيراً و بدأ الخدر يسرى فى عروقك… تتسارع الرؤى أمام ناظريك كأنها تستجديك أن تبقي يقظاً لا تُسبل جفنيك.. تلمع غيمةٌ زرقاء فى الأفق لا يراها سواك، الشباك القديم الذى ظل موصداً ينفتح أخيراً… العينان الساحرتان تطلّان بعد غيبة امتدت من الشباب إلى مبتدأ المشيب... اليد الرقيقة أتمت أخيراً كتابة الرسالة و ها هى تعيدها إليك ليبدأ العمر من حيث انتهى… ثَغرك انفرج عن ابتسامةٍ لاحظها الجرّاح و معاونونه... هل تراها الآن ؟

هى واحدة.. ستسأل الله لقياها… أول الصحو بعد غشية الممات… لعلها تطلّ عليك من وراء زجاج الأبدية ... تستقبلك من أعلى شرفة الفردوس.. و تربتُ على قلبك الذى أضناه الانتظار… لتقول لها أخيراً و بعد مضى ثلاثين عاماً:

يا هُدى إنى و قلبى أسرى عينيكِ…


مارك كاسترو










الجمعة، 24 يونيو 2022

الدكتور خالد منتصر ... عتاب رقيق

 


على غرار عنوان المقالة التي كتبها الطبيب الجليل و عالم المصريات الدكتور وسيم السيسي رداً على الأب داود لمعى لما صدرت من الأخير عبارة في إحدى عظاته رآها العالم الكبير غير دقيقة.. هكذا أُضمِن فى هذه السطور عتابى لشخص الدكتور خالد منتصر، الطبيب و الكاتب و المفكر..
عرفت الدكتور خالد كوجهٍ إعلامى يقدم برنامجاً طبياً على قناة دريم، و تلك هى الفترة الذهبية له على الشاشة: طبيب يقدم مادة علمية منضطبة و سط حشود من الجهلة و الدجالين.. مثل نقطة ضوء شفيف فى بقعة ملؤها السواد و العتمة... فكم استمتعت بمحتواه الطبى لكثرة ما استضاف من الأساتدة الكبار.. و لكم تمنيتُ له أن ينتهج درب الطبيب و الإعلامى الأشهر الدكتور أيمن رشوان على قناة القاهرة و الناس، الذى تحول برنامجه إلى موسوعة طبية متلفزة تضم آباء هذه المهنة..

كم تمنيتُ لك أن تظل على هذا الدرب، تحمل مشعل العلم فى وطن يتعطش دائماً للخرافات..!

لكن الدكتور خالد منتصر أحدث تغييراً بدا فى بادىء الأمر أنه غير مؤثر على مسيرته التى بدأها ببراعة! فقد كانت تصدر عنه بعض الآراء المتفتحة، دون أن تؤثر على المحتوى العلمى العميق الذى يقدمه، ثم كان أن حدث التغير غير المحمود الذى طرأ عليه، حتى انقلب المتن هامشاً و صار الجذع فرعاً آيلاً للتيبس، و صارت الآراء-التى لا أختلف و لا أتفق دائماً معها- هى المحتوى الرئيس و ما دونها تراجع إلى الظل.. صار الطبيب تنويرياً، استخدم أسلوب التهكم ليدافع عن آرائِه، كسب قراء جدد، و أعداءً أكثر..
فعلى طريقة هاملت: لست أعلم أي شيطان أغرك لتترك معركتك الحقيقية أمام جيوش من الجهلاء و المرتزقة و الدخلاء على مهنة الطب العظيمة، لتذهب نحو الأزقة الضيقة، تحارب حرباً لا نصرة فيها و لا غلبة لأى من خصومها، فتزج بنفسك فى معارك " خسرانها شرف " على حد تعبير البرغوثى.. لقد هالنى أن يكرس الطبيب جُلّ وقته على مساحته الشخصية على تويتر و فيس بوك الذى كان مقدراً إنفاقه فى إيقاظ مريض غفا فى سبات الجهل، فإذا به يجعل من نشاطه بؤرةً للسخرية و التهكم و اصطياد تعليقات المتطرفين على القضايا الكبرى ليحولها إلى مادة نزاع تزيد من الاحتقان و الاستقطاب..
سيقول محبو الرجل، و ربما يقول هو نفسه، أنه تنويرىٌ، مكرسٌ لمحاربة الجهل و التشدد و التدين الظاهرى، و سيردف أن العملَ الذى يقوم به لا يقل نبلاً و عظمة عن ممارسته لمهنة الطب، و أن الدفاع عن امرأة خلعت الحجاب بمحض إرادتها هو دفاع عن الحرية و عن الإنسان.. و أن التهكم على عبدالله رشدى واجب تنويرى مقدس سوف تذكره له الأجيال القادمة..!
و سأقصر ردى فى تقطة واحدة حتى لا يضيع الهدف، و سأسأل الدكتور خالد: منذ متى و قد أصبحت السخرية هى طريق التنوير؟ إنك فى كل معاركك التى أدرتها بالتهكم على من يخالفك الرأى لم تحصد إلا مزيداً من الكارهين.. لم تستطع أن تقف مع من يخالفك الرأى على أرضٍ مشتركة.. واجهته بالتحقير و التسفيه، فرد تهمتك بالكفر!
و لذلك أتحفظ على مسمى "التنويرى" .. إنك تضىء المواضع المضاءة سلفاً! فمن يقرأ لخالد منتصر هو من يتفق مع فكر خالد منتصر! و المختلفون معه، و الذى إليهم توجه بالضرورة مقالات التنوير، سينفّرهم كم الاستهزاء بهم الذى يقوم به الدكتور، فسيعدلون عن القراءة له.. و بهذا تخطىء المقالات و المنشورات و التغريدات المنشود من أهدافها، لتعود إليه بلا نفع يُذكر! أقول له لقد أخطأت الكتابة باللغة التى يمكن أن يفهمها من تريد أن تمنحهم الاستنارة.. فلم يبادلوك إلا رفضاً و كراهية بدلاً من أن يمنحوك أذناً تتجاوب مع ما تقدم.
لقد انتهجت أسلوباً لا يغير فكراً، بل يجلب لك مزيداً من الخصوم!
لذلك لا أجد فى مقالات التنوير أى نفعٍ يُذكر، لأنها تحمل فى بنيتها ما يجعلها لا تصل إلى من هم بحاجةٍ إليها...
أتمنى من الدكتور خالد منتصر أن يأخذ قسطه المشروع من الراحة، يعيد النظر فى أسلوب ما يكتب، لأن السخرية من الخطأ لا يصلحه، بل يزيد من همجية المخطىء!
أتمنى منه أن يحارب، إذا كان لابد من الحرب، بحكمة الطبيب، الذى يعرف أن المرضى لا يختارون أمراضَهم!

مارك كاسترو



عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...