الجمعة، 18 سبتمبر 2026

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

 

" فيــن عبد الإله ؟!! "

تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو موظفى الأرشيف قبل أن يخرج مهرولاً نحو الطابق الأرضى ليكون فى استقبال وزير الري. و لما لم تتناهى إلى أذنِه أية إجابة صرخ مجدداً و هو يرتمى على أجساد الموظفين الذين يصعدون السلالم برتابة:

"شــوفــولى عبد الإلـــه !!"

لكن حين وصل إلى المدخل الرئيسي للمصلحة كان الوقت قد فات، إذ ضاعت أصداءُ صرختِه وسط ضجيج التجمهر العشوائى لموظفى القطاعات المختلفة الذين خرجوا ليشهدوا القدوم المباغت للضيف، و وجد مدير المصلحة نفسَه مواجهاً لكاميرات و أضواءٍ تابعة لقنواتٍ إخبارية شتى -لا يعرف كيف و لا متى أُنبِئَت- جاءت لتُغطى تلك الزيارة المفاجئة!

لكن من هو الرجل الذى نطق مدير المصلحة باسمه كآخر ما نطق قبل أن يغشى بصرَه وميض الكاميرات و معدات الإضاءة، و قبل أن يضع السيد وزير الري قدميه على عتبة الباب الرئيسي؟

إنه عبد الإله السيد جوّاد، أحد أقدم موظفى القطاع الذى لم يتبق له إلا سنة واحدة على التقاعد، و الذى عُهِد إليه منذ زمنٍ بعيد بختم المصلحة، حيث يضعه بحرصٍ مقدس فى درج خاص بمكتبه، مغلقاً إياه بمفتاح لا يفارق جيبه أبداً. و متى أراده كان يقوم بإخراجه فى طقسٍ ملؤه الخشوع، كمن يقترب من ضريحٍ لأحد الأولياء!

و لما سَرَت شائعة، قبل أعوامٍ، بأن أحد مديرى القطاع ينتوى نقل الختم إلى عُهدة موظفٍ آخر، أصيب بمرض السكرى، و أنفق زمناً طويلاً يرسل الشكاوى إلى مسئولى الوزارة متوسلاً أن يرفعوا عنه ذاك الجور!

رفض عبد الإله السيد جوّاد تعلّم استخدام الكمبيوتر رفضاً قاطعاً، و علل ذلك بأنه لا يمكن استبدال الأرشيف الورقى بجهازٍ يمكن أن يضيع كل محتواه فى لحظة.

"إن ماكنتش أسجل الحاجة بإيدى فى الدفتر يبقى و لا ليها لازمة... شغل الحكومة يعنى ورق!"

لذلك، و باعتباره من الأوفياء للماضى، جرى تهميشه تدريجياً مع مرور السنين، و اقتُطِعت منه جُلّ مسئولياته حتى لم يبق له إلا ذاك الختم المدفون فى الدرج إلى جواره!

هل يدرك الآن كم صار مُبعداً و معزولاً عن كل شىء ييجرى حوله؟

على الأرجح... فقد صار يعترف - لنفسِه فقط، و متى تمكّن منه اليأس- أنه ارتكب "غلطة العمر" حين رفض الانصياع لحركة الزمن...

"هيييح... فات المعاد "

العبارة تنفلت من بين شفتيه مُشبّعة بالحسرة... كان الزملاء الأحدث عهداً بالمصلحة يظنونه يسترجع كلمات السِت فحسب، فكانوا يُسْدون إليه المجاملة:

" الله على مزاجك يا أستاذ عبده "...

لم يعرفوا سبب حسرته، و لم يجرؤ على إخبارهم أبداً...

بقى أن تعلموا أن لعبد الإله السيد جوّاد طقساً يومياً آخر يُمعن فى ممارسته كلما تمرر مذاقُ الأيام فى حلقِه، و ما أكثر أن كان مُرّاً... إذ يغادر مكتبه فجأة و يعبر الشارع حيث يجد عبد الرحيم ماسح الأحذية، رجل فى مثل سنه يفترش الرصيف منذ زمنٍ طال. يجلس أمامه على كرسي عالٍ، و يمد نحوه قدميه!

يقوم بذلك متى نَهَره مديرُه، أو حين يرى زملاءه الأصغر سناً يتوافدون إلى غرفة الاجتماعات، فيما يبقي هو وحيداً كنبتةٍ ذابلة لا يلحظ وجودَها أحد... و مؤخراً، متى تذكّر الديون المتراكمة عليه. إذ اضطر، استسلاماً لرفيقة عمرِه المُتخم بالفواتير المتأخرة و براشيم الضغط و أقساط الجمعيات، أن يشترى تكييفاً لمواجهة الحر...

تلك أجمل لحظات يومه الغارق فى الحسرة. من يراه و هو يعبر الشارع حتماً سيندهش من مدى اللهفة التى تحترق فى صدرِه فتدفعه لتلميع حذائِه! فهنا المكان الوحيد الذى لا توخزه فيه وحدتُه... هنا يخفت ضجيج المصطفين فى طوابير بلا نهاية. لا مدير عليه تملقه و لا زملاء عليه أن يخفى عنهم جهلَه بادخال البيانات رقمياً... الجميع أمامه عبد الرحيم، راكعين عند قدميه...

يجلس فى شموخٍ فيما تلتمع وراءه النوافذ الزجاجية للمبنى الذى التهم سنوات عمرِه و لم يُبدِله عوضاً عنها شيئاً!

 

 الآن أحكم العالم،

 أُخَلّد فى التاريخ كالإسكندر و نابليون و رمسيس الثالث.

 يؤتى بالأسرى راكعين عند قدمىّ...

 أتقدم الرَكب كآخر المنتصرين فى التاريخ و أعظمهم...

هذى الشعوب تقترب لتلمس شسع نعلى فلا تقدر!

 ها إنى أملك مفاتيحَ السماءِ و الأرض بلا شريكٍ و لا ولد...

 السُحب أنفاسي، و الشمس تُشبهنى و لكنى أفوقها سطوعاً...

 أنا الملك و مملكتى ورائى و جميع من فيها عبيدى. فى يدىّ أقدارُهم و ماضيهم و الآتى من أعمارهم.

 أليس لى مُلك العالم لا ينازعنى فيه أحد ؟

- عشرة جنيه!

أليست لى الديار و الأمصار ؟!

- الفردة بخمسة، ده ورنيش مستورد.

صوتُ عبد الرحيم ينخس نفسَه الآبية أن تهبط من عليائها! كلماتُه تسحبه إلى بئرٍ يحاول الخروج منه. يقذفه بحجرٍ من كلام... يرجم به نفسَه الكافرة بالواقع و المصلحة و ختم النسر و الدفاتر الغاطسة فى قاع الماضى...

لماذا توقظنى يا عبد الرحيم ؟

سوف أغدق عليك بالجنيهات العشر مقابل ركوعك أمامى، سوف أمنحك ثمن عبوديتك حتى تجعلنى ملكاً و لو كنتُ بلا عرشٍ و لا مملكة...

لقد صرتُ آخر الكل يا عبد الرحيم، و لم يبق بعدى سواك...

كان على أتم استعداد فى تلك الأثناء أن يجيب عن أى سؤال أو يسدى أية نصيحة لعبد الرحيم،. فكان يسأله بلا تحفّظ عن أحوال بيته. و من ثم كان يمنحه قبساً من بصيرتِه فى كل شىء، بدايةً من وضع ميزانية للبيت و انتهاءً بنصائح للفراش! و قبل أن يعود أدراجه لا ينسي أن يُذكّره باستعداده الدائم و المطلق لمساعدته:

" تقولهم بس أنا من طرف الأستاذ عبد الإله مديرعام الأرشيف و الوثائق، و ملكش دعوة بالباقى."

كان يقولها باعتبارها نبوءة من المؤكد أنها ستتحقق ذات يومٍ.

لكن حين يقترب من المصلحة تنعقف كتفاه تلقائياً لأسفل و تتباطأ خطواتُه جداً، مثل ملكٍ راحلٍ إلى منفاه، يعود الرجلَ الذى كان قبل دقائق، يصعد السلالم بتثاقل، يتحاشي الجدال مع مديره حتى لا يحرمه من آخر ما تبقى له من مسئوليات الوظيفة... الختم!

لكن اليوم زيارة مفاجئة للوزير!

كان طابور المواطنين المنتظرين ختم أوراقهم قد وصل إلى الدرجات الأولى من السلم. تدخل مدير القطاع فى استياءٍ و بصوتٍ تناهى إلى مسامع الواقفين:

- أسرع شوية يا عبده مش هنبيّت هنا!

كالرصاصة، التى أشيع أنها ارتدّت فى صدور الجنود إبان حرب الثامن و الأربعين، جاءت كلمة المدير لتخترق لا أذنيه فقط بل كامل روحه... لمح فى عيون الواقفين نظراتِ التشفّى، فاحمر وجهُه خجلاً... رأى سنوات خدمتِه بالمصلحة تنطفىء أمام عينيه واحدة تلو الأخرى. بقي له سلاحٌ واحده يستطيع إشهاره متى شاء:

"ودينى و ما أعبد لاسيبها تتطربق فوق نافوخهم!"

قالها سراً و هو يُحكم غلق الدرج بالمفتاح بعد إيداع الختم بداخله، و كذا هاتفه المحمول.

أصواتُهم تتعالى مناديةً أن يعود، يلتفت إليهم كالفائز فى الجولة الأخيرة، على شفتيه ابتسامةٌ خبيثة ترتسم:

- رايح دورة المياه! راجل كبير و عندي السكر، حد عنده مانع؟!

حين عبر الشارع لم يجد عبد الرحيم كسائر الأيام.

جاء صبىٌ دون الحادية عشرة يمسك بصندوقٍ لتلميع الأحذية:

- ورنيش يا جدو؟

- فين عمك عبـ رحيم يا واد؟

- عيان.

- بتلمع بكام ؟

- خمسة جنيه للجوز. ورنيش مستورد!

- فين الكرسى؟

- مكسور. استنانى على سور الجنينة و هحطلك كرتونة تحت رجلك. هاروح ألمعها بعيد عن الشمس.

أى إلهٍ بلا عرش؟

 و هل فى كل التاريخ المدوّن ثمة ملك لم يجد عرشاً يعتليه؟

 لكنى سأقف كالفاتحين الكبار،

 الذين يدخلون من الأبواب العالية معفّرين بتراب النصر...

قال للصبي:

- بس ماتعوّقش!

حين اختفى الصبي عن الأنظار، و صار عبد الإله حافياً لمح سيارتين تحملان علم الدولة و ترافقهما دراجات نارية من الجانبين تتوقفان عند البوابة الرئيسية للمصلحة. أسرع عددٌ من رجال الشرطة حول الموكب لتأمينه، فيما امتلأ الشارع فجأة بآلات تصوير.

***

" فيــن عبد الإله ؟!! "

دوت صرخة مدير القطاع و هو يلتهم السلالم نزولاً ليستقبل الوزير.  

 حين وصل الضيف رأى اصطفافاً غير مألوفٍ أمام مكتبٍ يخلو من الموظفين.

على الجانب الآخر يأس عبد الإله من العثور على الصبي الذى اختفى بحذائه تاركاً إياه حافياً تكاد الدموع تنفجر من مقلتيه.

ماذا يفعل الإله حين يعصاه عبادُه ... أى عقابٍ سينزله بهم حتى يقتصّ منهم... إن يوم حشرهم لقريب...

اختفي الولد، و معه الحذاء، و شاهد المارةُ رجلاً على حافة الهِرَمِ حافي القدمين يسب حظَه و أيامَه و ماسحي الأحذية فى كل زمنٍ من الأزمنة، بل و امتد به السباب حتى طال المصحلة و رؤساءها السابقين و الحاليين... التف حوله الجالسون على المقهى المجاور. أيادٍ مختلفة امتدت لتربت على كتفه و تجفف عنه عرقه..

"هدى نفسك هنجيبهولك من قفاه"

"هى الجزمة غالية ؟"

يشعر للحظة أنه ذاب بين الحشد الملتف حوله، يتخفف من كل شىءٍ تدريجياً... أجلسوه على مقعدٍ خشبي أتى به القهوجى، و منحوه كوبَ ماءِ، نظراتهم الحانية و القلقة أنسته للحظة العقاب الذى سيطوله... حلقُه الجاف و نفَسُه المتقطّع منعاه من شرح مأزقه...

 جفناه انسدلا ببطءِ حين حجب عنه الواقفون آشعة الظهيرة الحارقة... فى التفافهم حوله شىءٌ لم يألفه منذ سنواتٍ بعيدة، حتى فقد الأمل كلياً فى استعادته، حين كان محبوباً و مقدّراً من رؤسائه و مرؤوسيه... كان يأتيهم بالإفطار صباحاً، يعلّم أصغرَهم أصولَ العمل و أدق تفاصيله، و يسجّل تاريخ ميلاد زملائه و أبنائهم حتى يكون أول المبارِكين... يحتفظ بدفترٍ لتسجيل أقساط الجمعيات و أسماء المشاركين بها كما يحدد أول الحاصلين عليها... و لا يذكر كم من المرات بلغ أقاصي الصعيد لحضور زفاف أحد العاملين معه... و كم من المرات توسّط ين متخاصمَين فأنهى الخلاف بقليل الكلمات و أحكمها... و يذكر له الأقدم عهداً بالمصلحة كيف حال مراراً دون توقيع الجزاء على المقصّرين، حتى علت مكانتُه فى قلوب الجميع،      و أنزلوه منزله الأخ الأكبر الذى لا غنى عنه في حياتهم... كان مثل شجرةٍ مورقة تطوّقها الثمار، بيد أن موسم أفولها قد حان...

" الـ ... ختم"

قال بصوتٍ متحشرج و هو يجاهد عينيه الدامعتين ليبصر السيارتين الواقفتين من بعيد. أدرك من حوله أنه يحاول الوقوف... يدان امتدتا بلطفٍ نحو كاحليه لترفعهما واحداً تلو الآخر ثم تضعهما فى قبقابٍ خشبي جىء به من أمامٍ المسجد المجاور...

" عاوز تروح على فين يا حج ؟"

سار فى موكبٍ يتكوّن من أحد صبيان القهوة، و بعض الجالسين بها، عبروا الطريق و هم يمسكون بذراعيه النحيلتين المرتعشتين من الجانبين. كان منهك القوى تماماً يكاد يسقط إذا تُرِك. صوت قرقعة القبقاب مع كل خطوة تذكّره بمذلتِه، و بما هو ملاقيه بعد لحظات...

عند الدرجات الأولى للبوابة منعهم الحرس المرافق للزائر الكبير من الدخول، لولا أن أشار عبد الإله لأحد مرافقيه نحو جيب قميصه، فأخرج له بطاقة هويته. سُمِح لهم بالمرور السريع من خلف الحشود المكتظة فى كل ممرات المصلحة.

صوتٌ زلزل الأرض تحت قدميه، أتى من بعيد مخترقاً الصفوف، يعرف غلظته حين يوبّخ و حين يتوعّد.

" عبد الإله !!!"

شعر بوهجٍ ينتشر، ضوءٌ كثيف يسقط عليه فجأة، تحوّلت الكاميرات نحو الوافد الستيني الذى يرتدى قبقاباً من خشب و تحيط به الأيدى من كل جانب. تجمّد الجميع للحظة، قبضت كفّاه بعنف على الأذرع التى يستند إليها، ودّ لو أن عمره لم يمتد إلى تلك اللحظة، و تخيّل كيف سيصير أضحوكةً حتى بعد مماته. تمر بذهنه كل العناوين التى ستتسابق المواقع الإخبارية على كتابتها: "شاهد... فى أول زيارة له، الوزير يعنّف موظفاً يلبس قبقاباً" ... سيًحال حتماً للتحقيق، و سيؤخذ منه الختم، و ستنتهى مدة خدمته بنقطةٍ سوداء فى ملفِه التقطتها العدسات فلن تنمحى!

المدير يحملق فيه بعينين تمتلئان برغبةٍ حيوانية فى الافتراس، و الوجوه مندهشةٌ تعجز عن تفسير ما ترى.

صوتٌ آخر أتى من وسط الصفوف، ليفتديه فى اللحظة الأخيرة:

" ألف سلامة يا عم عبد الإله... وسعولوا الطريق يا اخوانا و هاتولوا كباية مياه... أصله كان بيتوضأ و اتزحلق فى دورة المياة" !

بدأت الأصوات تهمس من حوله و هى تتمتم:

" حمدلله على السلامة "

"جت سليمة "

" حد يشوف دكتور بسرعة! "

يحيط به زملاؤه بسرعة... يذوب بينهم من جديد... يضيع صوت قرقعة قبقابه بين خطواتهم.. يصطحبوه إلى مكتبه... يبتعد أخيراً عن الأضواء التى كانت مُسلطةً عليه منذ لحظات. ذراعاه تنبسطان على سطح مكتبه بعد طول تشنج، و يتنفس بعمق.

الثلاثاء، 8 أبريل 2025

محاربٌ يضحك فى المعركة (قصة قصيرة)

 

جرى ذلك اللقاء عشية يوم الجمعة العظيمة من أسبوع آلامِ ربِنا و مخلصِنا يسوع المسيح، حين أدرك الراهبُ الشاب سَرجيوس بعد عناءٍ شديد صومعةَ أبيه الروحى و أب رهبان صحراء مصر، الأب إبراهيم القلمونى، المُلقّب بين تلاميذه النُسّاك بـشيخ المتوحدين، نظراً لاعتكافه بعيداً عن بقية الرهبان منذ نصف قرنٍ على أقل تقدير، إذ اتخذ مغارةً صغيرة بين الجبال يصعب الاهتداء إليها بغير مشقة. لم يره الكثير من الرهبان الجدد لأنه كان قليل النزول إلى الدير خاصةً فى السنوات الأخيرة، لأسبابٍ تتعلق بالشيخوخة.

حين وقف الراهب الشاب أمام باب المغارة الموصد كاد يقع أرضاً من شدة الرهبة و الفرح المشوبَين بإجهاد السير بين الجبال المتشابهة، بحثاً عن موطىء أقدام أبيه الروحى.. و جرياً على العادات النُسكيّة و لكيما يُخبر الشيخَ المتوحد بقدومِه التقط حجرين صغيرين و أحدث صوتاً خفيضاً بجعلهما يرتطمان ببعضهما. كان يعرف من إخوته بالدير أن الأب إبراهيم كثيراً ما رفض استقبال زواره لاسيما فى أيام الصوم الأربعينى، حيث تتضاعف جهاداته الروحية بما لا يسمح له بالحديث مع أحد و لو بقليل الكلمات.

انتظر بضع دقائق دونما استجابة.. قال فى نفسِه: و لو قضيتُ أسبوعاً كاملاً أمام الحجر الموصد الذى يفصلنى عنه فلن أبرح.. لن أعود فتفترسنى أفكارى من جديد! سأبقى كما بقي أنطونيوس العظيم أمام مغارة بولا السائح قائلاً له لن أعود أدراجى حتى أراك، و لو صرتُ جثةً أمام بابك..!

أعاد الطرق باستخدام الحَجَرين مراراً حتى سمع صوت نعلٍ جلدىّ يحتك بالأرض الحجرية اقتراباً، فرجف قلبُه توقاً لرؤية أب آباء البريّة.

- مَن بالخارج ؟

- ابنك سَرجيوس يا أبتى.. جِئتُ إليك طلباً للمشورة بعدما أذلّنى الشيطان...

تحرّك الحجرُ الثقيلُ قليلاً بما يسمح بمرور شخصٍ واحد. دخل الشاب فى عتمة الردهة التى لا ينيرها إلا قنديلٌ صغيرٌ فى كوةٍ مرتفعة قليلاً، كان كافياً ليرى الراهبُ من خلاله وجهَ أبيه الصبوح لأول مرة، الذى لم تُزِده الشيخوخةُ إلا بهاءً، بطول قامته الملحوظ و لحيته البيضاء النازلة حتى صدره، وعينيه الوديعتين اللتين لا تخلوان من الحزم.

لم يتمالك الراهب نفسَه فسقط عند قدميه راغباً فى تقبيلهما، لكنه فوجىء بيدَىّ الشيخ العفيّتين تمنعانه، و حين التقت أعينهما عن قربٍ تحت ضوء القنديل حدّق فيه الأب إبراهيم يتفحّص ملامحَ وجهِه المنهكة بعد طول طواف.

ثم قال له:

عيناك تُنبئان بكل شىء، لا يترك راهبٌ ديرَه فى الأسبوع الأقدس إلا إذا صارت الحربُ غير محتملة!

- أنا على وشك الهزيمة يا أبتى...

ارتفع الشيخُ بجذعِه الذى مايزال محتفظاً باستقامته مثل شجرةٍ ترفض الرضوخ للريح، و سار نحو الجهة المقابلة الشاب و هو يسأله:

- كم من السنين لك فى الرهبنة؟

- ست سنواتِ.. تركتُ كل شىء لأتبع المخَلِّص.. كل شىء.. الزيجة و إنجاب الأبناء و العمل، و لم أدخل الدير إلا بعدما تأكدتُ أن جميع تلك الأمور ميتةٌ فى قلبي بغير قيامة..

استدار الأب إبراهيم مجدداً و قد أمسك بصحنٍ نحاسي يمتلىْ بالماء، ثم عاد ليجلس القرفصاء عند أقدام الشاب و قال له:

- ناولنى قدميك المتعبتَين من الطريق..

ارتجف الشاب:

- هذا مُحال! كيف لأب الرهبان جميعاً أن يغسل قدمىّ أنا الخاطىء...

نظر له الشيخ بحزمٍ، ثم قال له و هو يساعدته فى خلع نعليه:

- لستُ أعظم من سيدى*...

حين وضع  سرجيوس قدميه فى الماء البارد شعر براحةٍ تسرى فى كامل جسدِه بعد يومٍ طويل من المشقة.. لم يحتمل النظر إلى أبيه الروحى، فدفن وجهَه فى كُم جلبابه.

- الآن تستطيع الحديث..

قالها الشيخُ و هو يحمل صحنَ الماءِ بعيداً، قبل أن يعود فيجلس أرضاً إلى جوار ضيفه الشاب.

- لى شهورٌ طويلة لا تفارقنى حروبُ الجسد، منذ أن أقوم للصلاة مع الأخوة، و إلى أن أعود مجدداً إلى قلايتى*.. إنها تحاربنى فى صحوى و فى منامى، فلا تتركنى مهما شُغِلتُ عنها بأعمال الدير.. أحملها فى رأسي كما يحمل المرءُ جرّة ماءٍ ساخن فوق كتفيه، كلما تحرك تقاطرت عليه حتى ألهبتْ جسدَه...

توقف الشاب لينظر وجهَ أبيه الروحى الذى ظل مُطرِقاً نحوه فى هدوء، و لما لم يجد فيه رغبةً فى مقاطعته استرسل فى الحديث:

- كلما اشتدتْ الحرب أرغمتُ نفسي على مزيدٍ من الجهاد، ضاعفتُ صلواتى، لاسيما  الميطانيات*، حتى أوشكتْ ركبتاى على التمزّق.. عاهدتُ الربَّ ألا أنظر إلى أي امرأةٍ حتى آخر حياتى.. و إذا حدث و رأيتُ طيف واحدةٍ من النساء فى طريقي أسرعتُ الخُطَى مبتعداً حتى لا ألمس حتى ظِلّها.. أزدتُ من صومى حتى أنى صرتُ لا آكل إلا مرتين فى الأسبوع! نَحُلَ جسدى، لكن أفكارى بقيت على ما بها من الدنس..!

 اغرورقتْ عينا الشاب بالدموع حتى أخفض رأسَه و هو يكمل يُقطّعه النحيب:

- لكنى ما ألبَث أن أغفل حتى تهزمنى أحلامى بغير رحمة... مع أن لى شهرين أنام دون أن أتمدد على فراش، بل إنى أبقي فى وضع القرفصاء طيلة الليل، إذ قرأتُ فى البستان* أن بذلك نجا الكثيرُ من الآباء من هجمات الشرير..

ثم أردف و هو يحاول تجفيف دموعه بحركةٍ عصبية:

- لقد كتبتُ و حفظتُ أيضاً قول أنطونيوس الكبير: " كما ينبغى للراهب أن يهرب من النار حتى لا تحترق ثيابُه، هكذا يجب أن يهرب من المرأة حتى لا يحترق قلبُه بالشهوة" ...

ظل الأب إبراهيم يستمع إليه فى هدوءٍ و قد خفَض بصرَه قليلاً نحو الأرض.. ظل يُرهِف السمع إلى نشيج ضيفِه المتألّم، ثم رفع عينيه نحوه أخيراً و نطق بكلماتٍ قليلة:

- يخيّل إلىّ أنك قرأت عبارة أنطونيوس بعينٍ واحدة!

قال الشاب بيأسٍ:

- إنى لا أبرح القراءةَ فى كتب النُسّاك، لكن اليأسَ و الخزى يتملكاننى إزاء تلك النجاسات.. جئتُ طالباً إرشادك بآخر ما فىّ من قوة...

مسّ الأب إبراهيم لحيتَه البيضاء قبل أن ينظر فى عينيه مباشرةً و على شفتيه ارتسمتْ بسمةٌ هادئة حذرة، ثم قال له:

- الأمر يبدو بسيطاً للغاية. . .  تزوَّج!

ارتجف سرجيوس غير مصدّق و سارت الرعدةُ فى جسده من الرأس إلى القدمين، و تمنى أن يكون قد أخطأ السمع، أو أن يخبره الشيخ بأنها كانت مزحة، لكنه رأى أباه الروحى  يعتدل فى جِلسته و يُمسك ببعض أعواد الخوص ليعيد ترتيبها، كما لو أن لا نيّةً لديه لقول المزيد!

مرّت لحظاتٌ من الصمت المؤلم القاسي، يحملق الشاب فى أبيه الذى راح يستكمل عملَه اليدوى فى هدوء. سأله فى ذهولٍ:

- أتريدنى أن أعود إلى العالم.. يا أبى ؟!

لم يتوقف الأب إبراهيم عن العمل بل ظل ممسِكاً بأعواد الخوص يُمحّصها بنظرِه، ثم قال دون أن يلتفت إليه:

- إنك لم تبرحه بعد إلى الآن..!

- لقد تركتُ كلَ شىء غير آسفٍ عليه يا أبي.. جفّت محبةُ العالم فى قلبى.. كل لذّات الجسد باتت كريهةً إلى نفسى، كريهةً إلى حد التقزز!

نَفَض الشيخُ يديه من بقايا الخوص، و عاد لينظر مجدداً نحو الشاب، اكتسى وجهُه بجديةٍ مفاجئة، مع أن صوتَه قد رقّ قليلاً و هو يقول:

- أما أنا فما أزال أحب هذه الحياة! رغم توقى إلى المدينة التى لها الأساسات*.. و لو أننى الليلة تركتُ مغارتى و ذهبتُ إلى أى بقعةٍ فى هذا العالم، و سيان إذا نمتُ فى قصر ملكٍ أو اضطجعتُ عارياً تحت أشجار السنديان، فسأظل سعيداً و مبتهجاً: لأننى فى الحالتين سأكون بصحبة المخلّص...

أطرق الشاب فى صمتٍ نحو االقنديل المُشتعل، و هو مايزال يفكر فى كلماتِ أبيه الروحى، أردف بيأسٍ:

 - لقد جاهدتُ بكل قوتى حتى أقتلع محبةَ العالمِ من قلبي!

قام الأب إبراهيم فأحضر كوباً من فخّار و صبً فيه ماء و قدمه لضيفِه الشاب، ثم عاد مجدداً ليعتدل فى جلسته حتى أصبح قريباً منه.. ثم قال له:

- ثمّة باب لم يُطرق بعد.. طالما أنك تكبدتَ عناء المسير إلى هنا فإنك لن تخجل إذا تقيأتَ أمامى السمَ الرابض بجوفِك...

ماذا ترى فى أحلامك ؟

دُهش سرجيوس من سؤالِه حتى اتسعتْ عيناه:

- إنى أنأى بك يا أبتِ أن تحتمل دنسي إلى هذا الحد..

- لا يشمئز الطبيب من مرضاه..!

اطرح عنك وساوسك...  

أسند سرجيوس رأسه إلى الجدار الحجرى، شعر أن كل الجدران تضيق فجأة، عينا الأب إبراهيم القلمونى تشخص فيه، غير أنهما بدتا له فى تلك اللحظة تحملان كثيراً من الحنو.. تستدعى ذاكرتُه فى تلك اللحظة أمَهحين كانت تحمله صغيراً متى ألمّت به الحمى و ارتعش جسدُه، لتوجه رأسَه إلى أسفل حتى يقىء ما ابتلعه...

- أرانى عارياً... ممدداً فى فراشٍ و مبتلاً بعرق باردٍ يسيل من كل جسدى.. أقترب من جسدٍ أحببته قديماً لم تتغير ملامحُه.. ثم أشعر بلذةٍ لا أستطيع وصفها، كأنى اقترفتُ كل ذنوب العالم دفعةً واحدة...

- أستطيع الآن سماع صرير الباب الذى ظل موصَداً...

أقفل سرجيوس على قبضتِه بعنف لاحظه الشيخ، و هو يستمر فى الحديث:

- حين أقوم من ذلك الفراش يملؤنى الغيظ حتى أوشك أن أقضم أناملى.. أراها تبتعد، مثل غزالٍ يقفز برشاقةٍ نحو مرعى آخر، بينما تتركنى خاوياً إلا من دناءتى.. أتعرف يا أبى، إنها تغيظنى حتى فى صحوى، أعرف أنها تستطيع الاضطجاع مع مَن أحبته إذا شاءت، بمنتهى السهولة، فقط إذا شاءت! ثم تقوم من دون أن يأكلها الذنب إزاء ما فعلتْ، و مهما يكن ما تم بينهما فإنه لا يُسمَى دنساً...

كان يتكلم بوتيرة متسارعة مضطربة كمن يتخلص من ثِقل يحمله على كتفيه... هبطتْ ذراعاه أخيراً حتى لامستا الأرض، ثم أمسك بكوب الماء و شرب مرةً أخرى حتى الارتواء. أكمل و هو شاخصٌ نحو الفراغ:

- كلما غفلتُ أرانى مجدداً إلى جوارها، يحترق قلبي حينما تبتعد، أتوسل إليها أن تبقي، تنظر نحوى بتشفّى، أنا الساقط و هى بريئةٌ مطهّرة، يسحقنى الغيظُ مجدداً...

 

قام الأب إبراهيم ليشعل قنديلاً آخر، إذ كانت الشمعة الموقدة قد قاربتْ على الذوبان تماماً. نظر وجه سرجيوس الذى بدتْ عليه علامات الارتياح قليلاً.

- هل فرغ جوفُك ؟

سأله و هو مايزال واقفاً إلى جوار القنديل.

- يبدو أننى احتفظتُ بالسُمِ طويلاً...

عاود الأب إبراهيم الجلوس أمامه مرةً أخرى، غير أنه اقترب منه قليلأً عن ذى قبل، قال بتودد:

- تعرف لو أننى وقفتُ أمام ذاك الفراش الذى يملؤك غيظاً ماذا عسانى أن أفعل؟

- ...

- سأنظر فى ذلك الوجه و أقول لصاحبته أنها جميلةٌ حقاً،  لكننى اخترتُ بملء إرادتى أن أختبر الجمال فى هدوء الصحراء و فى صوت الرياح و فى المطر..

ثم أطال النظر فى عينىّ ابنه ، و أردف:

- كما أننى لن أنسي أن أتمنى لها سعادةً حقيقية مع الرجل الذى تحب، مثلما أنا سعيد بكل تلك السنوات التى قضيتها عند قدمى يسوع.. سوف أبتعد حينئذٍ عنها بأسرع ما يمكن، إذ أعرف تماماً محدوديتى.. لن أهرب كما يجرى الصِبيان خوفاً من العصا، بل سأنسحب كما يتراجع المحاربون الشجعان عن معركةٍ لا طاقة لهم بخوضها...

كان سرجيوس يستمع إليه و على وجهِه انعكس الصراع المُشتعل فى صدرِه.

- هل قرأتَ قول القديس نيلوس السينائى؟

- لا يا أبي.

- كان يقول: "إذا رأيتَ جمالاً، فلا تدَع قلبَك ينحرف، بل اشكر الله الذى خلق هذا الجمال، إذ هو نفسه مصدر كل جمال"...

ساد الصمتُ للحظات، و سُمِعت الرياح بالخارج و هى تهب من كل الجهات.. كان فجر الجمعة الكبيرة* قد بدأ يلوح.

قال سرجيوس بصوتٍ مختنق:

- كيف يمكننى انتزاعها من قلبي يا أبي إبراهيم ؟

أجاب الشيخُ بحسمٍ:

- لن تستطيع!

- أظل سجيناً؟

- تنتصر حين لا تعد تعبأ بها! اتبع الربَ و فقط.

- لم أعد أقوى..

 - طالما أنك تجاهد لأن تكره العالم، فإنه لن يفارقك!

- ماذا عسانى أفعل إذاً؟

- فقط دعه و شأنه، أحياناً يكون أفضل سلاح فى الحرب هو أن نترك سلاحنا!

- سوف أُهزَم!

- ستتحرر!

عند مغيب شمس يوم الجمعة الكبيرة رأي سرجيوس أسوارَ الدير و قد بدأت تلوح له من بعيد، بعد ساعاتٍ من السير فى الدروب الوعرة عائداً من مغارة الأب ابراهيم القلمونى. يحاول أن يسرع ليرتاح قليلاً، حتى يستطيع البقاء بالكنيسة مع بقية إخوته الرهبان حتى باكر سبت الفرح بحسب التقويم الشرقى لموعد قيامة السيد المسيح.




الجمعة، 20 سبتمبر 2024

مَذلَّة (قصة قصيرة)

 1                         

                                  

هل أيقظه الحر الخانق المشبّع برطوبة أغسطس و شمس الظهيرة التى تحيل الأرض جمراً يستعر؟ أم تراه أفاق على صوت قطرات الماء التى تتساقط عبر السقف المتهالك لغرفته التى أصبحت لا تفارقها رائحة العطن؟ من أين أتى الماء الذى غطس فيه الجسد النحيل بأكملِه؟ جبهته تتفصّد عرقاً غزيراً دون توقف، و حين تحسس فخذيه أدرك أن مثانته - من دون علمه - قد أفرغت ما بها أثناء الليل.. صوتُه الآتى من أعماقِه يؤلمه حين يجرح شيبته بمرارة التحسّر: عُدتَ طفلاً يا أنطون؟! بلّلت فراشك مرةً أخرى! ما عادت لك أمٌ تحتمل رائحتك يا أنطون...

تبقي له عشر دقائق فقط يتهيأ خلالها للهرب، بعدها ستستيقظ أم سعاد صاحبة تلك البناية المتهالكة التى يقطن غرفةً بها ذات شباكٍ وحيد مهشّم، و سقفٍ تتقاطر منه مياه مجهولة المصدر.. إن تعثّر فى إيجاد عكازِه الخشبي الهَرِم، أو طال وقت البحث عن نظارته العتيقة وسط الكراكيب التى أصبحت ظلالاً لزمنٍ فات، فسيصطدم بها على درجات السلم، متوشحةً بشالٍ ينبسط على منكبيها العريضين، تبين منه خصلاتٍ بيضاء عند جبهتها، امرأة ذات بنية ذكورية ضخمة، لها صوتٌ جَهورى يسمعه كل السكان البائسين متى طالبتهم بدفع الإيجارالمتأخر.. كانت تتحرّج من مطالبته به مباشرةً، فسنواته السبعون و هُزاله الذى يتضح من خلف قميصه الأبيض الوحيد الذى هتكه الزمان، يبعثان فيها قليلاً من الشفقة.. كانت تكفى ابتسامتُها المتكلفة لتذكره بالإيجار المتأخر، فكان يرد صباحَها بابتسامةٍ عاجزة، لتبين من بين شفتيه سنتُه الأمامية الوحيدة المتبقية..

شعر باضطرابٍ فى صدره حين رآها أسفل السلم.. نزل بهدوء حتى لا تشعر به، وجهُه مصوب نحو قدميه ليزداد ظهرُه تقوساً، كان أشبه بفأرٍ حان صيده.. رمقها بزاوية عينه فيما يمر بجوارها فلم يلمح ابتسامتها ترتسم على شفتيها الغليظتين.. أشاحت بنظرها بعيداً فيما تنفث ببرودٍ دخان الشيشة لأعلى.. ربما تناست تأخره عن الدفع لشهرين متتاليين..

حين كان يهم بوضع قدمه الأخرى على العتبة الخارجية للبناية و فيما تغشى بصرَه آشعةُ شمس الظهيرة و قبل أن يبتلعه الشارع بظلاله، اخترقه صوتُها كرصاصةٍ لم تخطىء يدُ مُطلقِها:

" كل شهر و أنت طيب يا عم أنطون " ..!

***

 

 

2

لم يعتد على طلب المساعدة أبداً، حتى كان تحمل الماء المتقاطر من سقف غرفته أهون عليه من مذلة الوقوف بكفٍ ممدود يتعرّق من فرط الخزى...

سار نحو الكنيسة، بيت الله الذى لا يعرف سواه.. تجاوز البوابة الخارجية ليجد نفسَه فى الصحن المُعبأ بالبخور و تضرعات المساكين أمثاله.. هنا لا يُسأل الداخلون عن إيجارٍ مستحق السداد و لا تنزف السقوفُ ماءً عطِناً... أغمض عينيه اللتين تحجّرتا من فرط الدموع التى لم تُذرف أبداً.. أتحمل الجوعَ و العطش و لا تمر بحلقى مرارةُ كلمات الشكر حين يساعدنى إنسانٌ كأنى شحاذٌ..  

سوف ينتظر طويلاً حتى ينتهى القداس، و تنصرف الجموع، و يغادر آخر الزوار مكتب الأب الكاهن دون أن يُحكم غلق الباب، حينها سينفرج البابُ قليلاً ليسمح للرجلين أن تلتقى أعينهما.. واحدة مِلؤها السكون، و الأخرى تتفصّد خجلاً...

- اتفضل يا عم أنطون، عاش من شافك يا راجل يا طيب.

قام مستجيباً لنداء الكاهن، يحاول أن يبطىء الخُطى حتى لا تُفصح عن شدة احتياجه.. مداراة العَوَز أشق علي نفسِه من إخفاء البقعة التى سببها سلسُه البولى أثناء الليل.. جلس مقابلاً للكاهن الذى بادره بالسؤال عن صحته ثم تطرق للسؤال عن أحواله الروحية. كان أنطون يجيبه بابتسامةٍ واهنة دون أن ينطق بحرفٍ، فقط جِفناه المتهدلان لأسفل مثل أوراق شجرٍ ذابلة أخبرا بكل شىء..

قام القِس فأحاط رأسَ ضيفَه بيديه واضعاً الصليبَ أعلاها فيما انحنى أنطون مسلماً إياه رأسَه  من أجل إتمام الصلاة.. ثم فتح القِس أحد أدراج مكتبه فأخرج أوراقاً نقدية.. كان مايزال أنطون مقوساً لأسفل لم يستقم جذعُه بعد حين لمح اليدَ التى كانت تباركه منذ لحظة و هى تمتد له بالمال. ذلك الخجل المحفور فى عظامه الهشة يفور مثل حمضٍ فيكويها، و ذلك الوسواس المستوطن أعماقه يقايضه على كرامته:

“ أتمد يدك للصدقة يا أنطون و أنت فى آخر العمر؟ ألعلك أيضاً ستقبّل اليد التى ستنقذك من الطرد من غرفتك؟ إنه فى سن أولادك يا أنطون، لو لم يأخذهم الوباء لبقوا أحياءً يحفظون شيبتك.. ستون عاماً من بيع الصحف لم تَبِت ليلةً واحدة و فى جيبك ما لم تكسبه بعرقك ثم تصبح مديناً لآخر و أنت على عتبة القبر؟ أصبحتَ شحاذاً يا أنطون؟!"

كان على وشك أن يمد يده، لكنها لم تطاوعه و ظلت مضمومةً بعنفٍ أدهشه شخصياً.. شيخوخته أبتْ أن تُجرح على هذا النحو و لو كان البديل أن يفترش الجرائد التى ظل يبيعها لستة عقود... حاول الكاهن بشتى الطرق لكن قبضة الرجل السبعينى النحيل لم تَلِن أبداً.. كان كلما حاصره العَوَز يزداد صلابة!

على عتبة الباب جاءه صوت الكاهن من خلفه بعدما أعاد النقود إلى درج مكتبه، يائساً          و مندهشاً:

- طيب مش محتاج أى حاجة يا عم أنطون؟!

بعنادٍ طفولى يحاول ابتلاع مرارته و بعينين قابضتين على الدموع حتى لا تتفجّر ينابيعُها استدار ليواجه القِس للمرة الأخيرة، قائلاً:

- صلواتك يا قدس أبونا..!

 

3

عند البوابة الخارجية للكنيسة لفحته شمسُ ما بعد الظهيرة فتصبب عرقاً.. حرارة الجو أصابته بدوار فتذكر أنه لم يأكل شيئاً منذ ليلته الفائتة.. تحسس جيبَه فوجد بضع عملاتٍ معدنية تكفى لرغيف خبزٍ و قرص طعمية..

- اتأخرت أنت النهارده يا مقدس أنطون، شطبنا والله..

ظل ينظر بتحسّر نحو المقلاة التى لم يتبق بها سوى القليل من الزيت الذى اسودّ لونُه من تكرارا الاستخدام..

رفع يدَه بتوسلٍ مكتوم و هو يشير نحو محدثّه بحركة دائرية من معصمِه.. فأجيب بيأسٍ:

- قلّبتها والله يمين و شمال الطاسة فاضية مفهاش و لا نقطة عجين!

لم يجد بُداً من الجلوس وحيداً على الرصيف المظلل بشجرةٍ وحيدةٍ عالية. كان كلما مرّ أحد زبائنه القدامى - و هم فى تناقصٍ ملحوظ -  يحاول فرد ظهره المعقوف بأقصى ما يستطيع حتى يخفى ما فعلته الأيام بالرجل صاحب الدراجة الذى كان يمر بين الأزقة و الحوارى يبيع الصحف و المجلات الأجنبية، و يحفظ أسماء سكان البيوت و عمال الورش و حتى صبيان المقاهى..

"غدوتَ مشرداً يا أنطون، حتى الموت سيبحث عنك طويلاً حتى يعرف مكانك..!"

هكذا كانت تَلكمه الأصوات بداخلِه..

على الجهة المقابلة لمكان جلوسِه لمح فجأة رجلاً خمسينياً ببدلة و رابطة عنق له كرش ضخم يتدلى أمامه، يسرع نحوه فى ود:

- المقدس أنطون بتاع الجرانين.. فينك يا راجل من زمان.. معقولة واحد من صنّاع الفكر يبقي قاعد على الرصيف!

ظل أنطون ينظر إليه من خلف زجاج نظارته الذى تراكمت عليه أتربة الشارع، لا يتذكّر الرجل، ربما باع له الجريدة لمراتٍ معدودة، بيد أنه لا يتذكر أدنى حوارٍ دار بينهما من قبل. تابع الرجل حديثه الذى ازداد حماساً:

- تعرف يا مقدس، لولاك مكانش يبقى فيه ثقافة فى بلدنا، أنت حلقة الوصل مابين صنّاع القرار و رجل الشارع. بدون جرنال الدولة يبقى ملهاش لسان. تخيل؟!

- ...

شيءٌ ما يغلّف العالم حولَه بضبابٍ كثيف، ربما الجوع الذى بدأ يزحف نحوه و العرق الشديد الذى يتصبب من كل جسده ما جعلاه يستمع إلى مُحدّثِه بنصف وعى..

هل استمر الرجل فى حديثِه المتوهّج؟ لا يعرف، كان فقط يلمح كرشَه الضخم و هو يهتز مع كل كلمة يقولها.

لكن الرجل مدّ يده فجأة و أمسك بحماس باليد المعروقة لبائع الصحف الذى لم يأكل شيئاً منذ مساء اليوم الفائت..

- قوم بينا يا أنطون على مقر الحزب، مش بعيد ما انت عارفه و ياما وزعت جرانين على كل أعضائه.. أنت مكانك مش على الرصيف يا راجل يا عظيم..

سار أنطون وراءه يقاوم آلامَ ركبتيه و ساعدِه المشدود على أتمه و كفِه الذى انحسرت عنه الدماء بسبب القبضة المحكمة للرجل الذى لا يتوقف عن الحديث و لا يكف كرشُه عن الاهتزاز..

دخلا إلى سرادق كبير اكتست جنباته كليّاً باللافتات التى لم يتمكن بسبب السن و داء السكرى أن يقرأ بوضوحٍ محتواها. لما تقدما الصفوف المكتظة بالحضور استطاع تبيّن المكتوب، فلم يُثِر فيه أى انفعال، إذ كان أشبه بمانشيتات الصحف التى ظل يبيعها طوال حياته.. حوله بشرٌ لا يكفّون عن الهتاف و التصفيق و القسم بالسماء و الأرض أن يظلوا أوفياءً للحزب و للوطن.. تركه الرجل فى إحدى جوانب السرادق ليجد نفسه يرى المنصة من زاوية ضعيفة الإضاءة لا يتناهى إليها الصوت عبر الميكروفون إلا مشوشاً.

مرّت ساعتان، أو ثلاثة.. تحدّث خلالها كثيرون، لم يكن يالقرب الكافى ليميّز ملامحَهم، لكنه رأى من بعيد أنهم يرتدون جميعاً بدلاتٍ داكنة ويتصببون عرقاً من فرط الحماس و لا ينزلون عن المنصة إلا محمولين على الأعناق.. كان كلما غيّبه الجوع عن وعيه أيقظته عاصفةٌ من التصفيق تهز الأرضَ تحت قدميه..

فجأة وقف مُضيفُه الخمسينى بعد أن بُح صوته و دعاه لإلقاء كلمة بتلك المناسبة الوطنية العظيمة.. لمحه بعينين مغبشتين و هو يحرك يدَه نحوه مشيراً له بالتقدم نحو المنصة.. لم يصدّق إلا متى دفعه الجالسون حوله ليتحرك.. تناهت إلى سمعِه المشوش كلماتُ الترحيب به باعتباره إحدى الأعمدة التى ترتفع عليها مظلة الحزب العريق! عندما صعد الدرجات الثلاث شعر بالحرارة المنبعثة من معدات الإضاءة الضخمة المسلّطة عليه، دزينةٌ من من آلات التصوير مصوبةٌ نحو وجهه، هو الذى قضى عمرَه فى الظل.. انسحب الواقفون على المنصة إلى الوراء، ليتركوه وحيداً أمام الميكروفون..

يسمع صوت مضيفه من ورائِه هامساً:

- قول أى حاجة للناس..

صدره يرتجف من هول ما يرى، جمعٌ لا يرى نهايته شاخصٌ إليه.. توقف الزمنُ فجأة، صار فى المركز بعدما عاش حياته بأكملها مطروداً إلى الهامش! ماذا يمكن لبائع جرائد يسكن قبراً و يحاول أن يخفى بقع البول التى تتكون على بنطاله بلا توقف أن يقول؟! هذه فرصتُك الأخيرة يا أنطون لأن يسمعك العالم قبل أن تصمت إلى الأبد.. تكلّم.. كان يريد أن يقول أنه تأخر فى سداد الإيجار لشهرين متتاليين، لأن الناس باتوا لا يقرأون الصحف، أو لأن الذين يقرأون قد ماتوا.. و أن أم سعاد تنتظره عند مدخل البناية الآيلة للسقوط و ربما ستمنعه من الدخول إذا لم يدفع الإيجار.. تكلم يا أنطون.. كان يريد أن يقول أن الماء الساقط من شقوق غرفتِه بات لا يُحتمل.. كان يود فى تلك اللحظة تحديداً أن يصرخ فى الحضور جميعاً و يقول: أنا جائع... لكنها تحشرجتْ فى حلقِه من شدة الخجل.. كل الأصوات تتداخل فى صدرِه بعنف.. تكلم يا أنطون.. كان يريد أن يقول كل هذا دفعةً واحدة بلا  توقف كاسرِاً جدارَ صمتِه الأزلى، حتى و لو تشظّى بعدها إلى نِثارٍ و رماد.. لكنه فى اللحظة الأخيرة، نظر السرادق و الحشود و رايات الحزب العالية، و قبل أن تنطلق الرصاصة من مكمنها، صرخ:

- فليحيا الوطن!

***

فى صباح اليوم التالى، وُجِد المقدس أنطون بائع الصحف ذى السبعين عاماً راقداً بسلامٍ و وداعة بجوار الرصيف، بين الكنيسة و مقر الحزب، بعدما تحرّج أن يعود إلى غرفته دون سداد الإيجار المُستَحَق، و بعد أن انفض المؤتمر الشعبي للحزب و تفرّقت الحشود. و لما حاول صبيان المقهى المجاور أن يوقظوه وجدوا أنه قد مات، فجاءوا بأوراق صحفٍ قديمة ليغطوه بها، و ذهب أحدهم ليُبلغ الشرطة.

(تمت)

 

مارك كاسترو

20/9/2024

    


عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...