الجمعة، 18 أغسطس 2017

كأنها لى

خاطت أمُه القميصَ المنسول من عند الجيب. لاحظت أن لونه البنى أصبح باهتاً من كثرة الغسيل  و الكى. لكنها غالبت شعورَها بالأسى و هى تناوله إياه و قد علا وجههَا ابتسامةٌ دافئة. يمشّط شعره المجعّد أمام المرآة بينما تقف هى وراءه , تلف ذراعيها بإشفاق حول جسده العشرينى النحيل, و تعدل من ياقة قميصه التى اهترأت من كثرة الخياطة .

- أول الشهر لك عندى واحد غيره .

يبتسم لعبارتها , فترى ابتسامته انعكاساً فى المرآة قبالتهما . يعرف أن وعدها هذا يتكرر مع كل خيط جديد ينضم إلى نسيج "هِدمته" البالية فى محاولةٍ لإبقائها متماسكة. أشرفتْ بعناية على هندامه و حمدت الله أنه لم يكتشف البقعة أعلى الكتف التى استعصت حتى على الغسيل اليدوى.
قبل أن يغادر المنزل سمع صوتَها يأتيه مستجدياً الانتظار . لحقت به قبل أن يغلق باب الشقة . شخصت فى عينيه مؤنبةً و هى تدس شيئاً ما فى جيب بنطاله .. لا تتركه يمضى قبل أن تحصّنه بوصيتها اليومية : "أمير , خليك قوى زى أبوك ". بدت له تجاعيدُ بشرتها هذه المرة أكثر وضوحاً تحت مصباح المنور الأصفر. كيف غزا الشيبُ وجهَك يا أمى ؟ ثار بداخله السؤال , بيد أنه اكتفى بإيمائة الطاعة .

يتفادى الذهاب بمترو الأنفاق . استقل ميكروباص و جلس بجوار السائق , حيث يستطيع أن يُخرج 
كاملَ عنقِه إلى الهواء. تزاحمه الأفكار حتى فى هذا المشوار الاستثنائى خارج الحرم الجامعى . لم يخبر أمَه - على الأرجح - أن هذه هى المرةُ الأولى التى سيجلس فيها منفرداً مع امرأةٍ سواها! نعم , فبعيداً عن أوراق الدراسة , و الرطوبةِ المضنية فى المدرجات المكتظة على أتمها, و ستائرِ البخور الملتفة حول رأسه كطقس أسبوعى لمنع الحسد , و وصفات العطارة المشبّعة بنظرة أمٍ تتحسرعلى وحيدها و هو يسعل . سوف يقابلها ..

 " من يدرك من الجالسين حولى سببَ سعالى و الأزيزَ الذى يخرج من صدرى متى انقبض ؟ أورثنى أبى عينيه الحزينتين , و مرضَ الربو . و هذه مضخة (الفينتولين) لا تفارق جيبى . حاولتُ تناسيها ليومٍ واحد , لكن أمى لا تنساها أبداً .. اليوم سأقابل علياء , و سأحاول السيطرة على رجفة الخجل فى جسدى حين ألبى دعوتها من أجل شرح ما فاتها. " انتشى و هو يتذكر محياها حين أتت تطلب منه ذلك.

لكن لماذا تختاره من وسط كل أوائل الدفعة , و لماذا قررت لقاءه بعيداً عن الجامعة ؟ وأد هذه الأسئلة قبل أن تختمر فى رأسه , فمن ذا الذى يسأل الشمسَ عن سبب إشراقها , و من يمكنه أن يستجوب ندى الصباح عن علّةِ سقوطه ؟! " هى دعتنى لأنها دعتنى , و هذا يكفى "  ابتسم و قد ارتاح لهذه الإجابة و راح يتابع الشمس فى مغيبها . فالأوقات السعيدة هى التى يُضيف إليها بعضاً من أحلام اليقظة , فيصعب عند تذكارها التفرقةُ بين ما حدث فعلاً , و ما كان يتمنى حدوثَه.

وصل مع أفول الشمس , انتظرها عند باب مقهى على الطراز الأوروبى كانت قد حددتْ مكانَه فى حى الكوربة. رآها قادمةً من بعيد , يرتج جسدُها فى ملابسَ ضيقة بلا أكمام , شعرُها القمحى يزداد جمالاً اذا سحبه الهواء للخلف . صافحته باليد كأنهما صديقان منذ زمن بعيد , فبدت أجمل مما هى فى أصباح الدراسة المملة. وضعتْ ساقاً فوق الأخرى حين جلسا على الطاولة متقابلين, فتضاعفت فتنتُها . طلبتْ لهما فنجانى قهوة و قدمت له قلما و بعض الأوراق. ينظر إليها شارداً .  فالتى كان يتمنى أن يلاقيها صدفةً فى قاعات الدرس سوف ينفرد بها بعيداً عن أعين المتطفلين و الحُسّاد لساعتين أو أكثر . " ما أعظم نفع البخور يا 
أمى." تبسّم أمير و هو يحدث نفسه بذلك..

ابتدأ يشرح لها ما تغيّبت عن حضورِه. كيف كان ليصدق أن فى مساء كهذا سيجالس علياء , و سيقوم على خدمته جارسونات ببدلٍ بيضاء و رابطة عنق داكنة على غرار تجمعات الصفوة كما فى 
أفلام الأبيض و الأسود!؟
.تستحوذ عليه نشوةٌ لم يصادفها قبلاً. لأول مرة يرى نفسه يتحكم فى مسار الحديث و فى ترتيب الموضوعات , يأذن لها بالسؤال متى أراد و يرتشف قهوته على مهل. هدأت زخات القلق بداخله , حتى أنه تجرّأ فقطع جديةَ الحديث بنكتةٍ كان قد حفظها لموقف كهذا. فضحكتْ حتى علا صوتها , فأحس أن بضحكتها قد صفعت وجوهَ كل من اتهموه بالعزلة و كل من سخروا منه  قائلين "هو انت ليه كئيب كده ؟" أراد فى تلك اللحظة أن يدحض ادعاءهم و يصرخ فيهم جميعاً :" أيها الكذبة..لقد أضحكتُها

فيما كان مستغرقاً فى الشرح صاحت علياء مناديةً شاب قوى البنية دخل لتوه المقهى , أشارتْ له فأتى صوبهما . كانت تود إخبار جليسِها بهوية هذا الشاب , إلا أن الأخير لم يمهلها الفرصة , انحنى بجذعه نحو وجهها لاثماً خدها ببطء بينما التف ذراعُها مطوقاً جسدَه الممشوق. سحب كُرسيا و جلس متوسطاً إياهما , قلّدها بوضع الساق فوق الأخرى , فيما بقيت يده راسيةً على كتفِها .

- ده سامر .. صاحبى . إحنا دايما بنقعد هنا .

هكذا قالت علياء , مُتكئة على لفظة " صاحبى " , التى جعلت أحدهما يعتدل بزهو فى جِلسته بينما الآخر ينزوى كنبتةٍ حان 
قطفُها.

- و ده أمير , زميلنا و بيشرح كويس أوى .
بعد أن أكملت علياء التعارف بين أمير و سامر , صاح الأخير ضاحكاً :

- و إيه فناجين القهوة دى انتم قاعدين فى عزاء ؟!

ثم نادى النادل بصوتٍ تملأه الثقة :

- شيل يابنى الكلام ده و ظبتلى انا و لولو اتنين تفاح زى كل يوم .

شاركته علياء الضحك , و ازداد أمير ضموراً فى مقعده . أحس بأن كل ما فى المقهى يلفظه , 
حتى فنجان القهوة حمله النادل من أمامه و هو نصف ممتلىء . نظر إلى علياء فوجدها مُطرقةً إلى وجه الضيف الذى أحاله ضيفاً, بقميصه المفتوح حتى أسفل الصدر , و عضلات ذراعيه البارزتين و التى تطوقها . 
أطال النظر إليهما , يبدوان لوهلةٍ كنسيجٍ مترابط من الملابس ماركة جوتشى و تيد بيكر و ساعة مونت بلان التى تزين يسراه , و يبدو هو أمامهما كبقعة تستعصى على المحو , كتلك المستقرة على قميصه البنى أعلى الكتف .
جاءه صوت سامر متسائلاً :

- تحب تشرب تفاح معانا ؟

- لا
- أجابه صارخاً , و متردداً . اندفعت أصابعه بحركة وقائية أ تتحسس مضخة الفينتولين. كأن جُرح اللحظة وجد طريقاً إلى عِلّته الموروثة . شعر بضيق يُغلق رئتيه . ضحكة علياء ,ذراع  سامر المُطوقة لها , دخان الشيشة الذى راح يفوح من أنفيهما , السعال الذى بدأ يدب فى قصبته الهوائية . كلها أطياف تتلاحق كحُلم ليس منه انتهاء
تفاجأ الحبيبان بهذا الشاب الضئيل مقصوف القامة الذى راح يتقطع سُعالا جافاً بغتة
:قال له سامر

ايه يا وَحش , هتموت و لا إيه ؟!


أراد أن يجيب :
- أن ا . . م ر يض
لكنه لم يقلها , أو ربما خرجت مصحوبةً بحشرجة من حنجرته التى يشقُّها السعال.فلم تُفهَم . يحدّق الاثنان فيه و قد ازداد وجهه احمراراً فى محاولته لكتمان أعراض النوبة. 

سألته علياء إذا كان بحاجة إلى مساعدة , أو يريد استكمال الشرح فى وقت لاحق , أجابها بإيمائة الموافقة ,فربما كان يتوسل إليها أن تخرجه من هذا المشهد.
صوت ضحكاتهما , و قرقرة الشيشة , كلها ضوضاء تخفت كلما ابتعد عن طاولتهما . تهتف فى أذنه عبارتها الجديرة بالتذكر: "ده زميلنا . بيشرح كويس " .. للمرة الأولى ,تعتريه رغبةٌ عميقة و ملحّة فى الإرتماء فى أحضان أمه . يتذكر وصيتها .. نعم أنا قوى, أنا قوى مثل أبى. يحاول السيطرةَ على أطرافه بتلك الكلمات , ينتظر الخروجَ من الباب حتى يعالج نوبةَ السعال . مع لفحة الهواء البارد فى الخارج , وجد مقلتيه و قد أفرغتا ما بهما من الدموع . بكى. سارع يستجدى أقرب تجمعٍ لعربات الميكروباص , يجلس فيه بجوار السائق , يخرج عنقه من الشباك المفتوح , ينتظر رؤية أمه , و يتحسس دواءه القابع بجيب بنطاله .
*** 

الجمعة، 31 مارس 2017

العِطاش

فيما كان محدثُه يختفى وراء الستارة , كانت تأتيه عباراتُه مفعمةً بالفخر مطعمةً بكلمات إنجليزية مبهمة , تبيّن على كل حال لذة الأخير فى ترديدها .

- زى ما باقولك كده , ماتخافش , إحنا نقدر نطلع العيل ياكشى يكون ماسك فى بطنها 
بايديه و سنانه.

حين انتهى من الفحص توقف عن الحديث قليلاً. عاد إلى مكتبه مجدداً فى مقابلة الشاب ذى الوجه الأصفر النحيل الذى بادره بالسؤال :

- امتى إن شاء الله يا دكتور ؟
- بكره قبل الساعة عشرة تكون انت و جميلة فى الاستقبال . ابسط ياخويا 
قبل المغرب هتكونوا مروحين انتوا التلاتة !

جاءت كلمتُه الأخيرة منعشةً لقلبين تألما طويلاً من فرط الانتظار.. أسرع إيهاب متهللاً خلف الستارة ليساعد جميلة فى عدل هِندامها. أمسك بحقيبة يدها حتى انتهت من ربط الطرحة , مفصحةً عن وجه أبيض تام الاستدارة . أزاح قطرات العرق بلطفٍ عن جبينها الندىّ بالفرح . رمقها بحذرٍ مشيراً نحو رأسها, فأخفت خصلات شعرها الداكن التى أفلتت من الطرحة . طلب منها أن تجلس, ثم انحنى نحو قدميها على غير ما جرت أى 
عادةٍ بينهما , ليحمل عنها مشقة ارتداء الحذاء..

قبّلت جميلة الممرضة بحرارة باعتبارها رفيقة درب, فيما نقد إيهاب العاملين 
بالمستشفى بعض المال, لينالا بذلك صُحبةً من الدعوات و الابتسامات و حتى
الزغاريط تزفّهما حتى بوابات المستشفى .

سارا فى طريق العودة بمحاذاة الكورنيش . تمسّكا بأيدى بعضيهما بلهفة كأنه اللقاء 
الأول , و كمراهقَيـن يختطفان ساعةً من الليل بعيداً عن الأعين. و للمرة الأولى لاتؤلمها قدماها المنتفختان من جرّاء الحمل . سارت إلى جواره بدلالٍ يتجلى انعكاساً على صفحة النهر المُضاءِ بالمراكب . تسير فى زهوٍ و دلال , فالليلة إثباتٌ أنها كباقى النساء , امرأةٌ مكتملة الأنوثة !

 أخذا يمعنان النظر فى وجوه الصِبية من حولهما , ضحكاتهم , أجسادهم الرقيقة فى طور النمو , لهوهم الذى كان مصدر إزعاج قبلاً . فى ليلة كهذه , كل أطفال الدنيا يبدون أكثر براءة من أى وقتٍ مضى ..

على الفراش الذى لم يثمر لعشرِ سنواتٍ مضت كان عناقهما فى تلك الليلة حارّا, و عذباً .. ضمّها إليه فى شوقٍ لم يعيقه سوى البطن المنتفخ على أهبّة الطلق. كان من الطبيعى أن يتعجّلا السواعى فى ترقّب الوليد المنتظر . فكم هى عسيرة الليالى التى يستبد بها القلق و الترقّب , و الشوق .. لكن هذه الليلة انفردت بشعورين على أتمهما من الانسجام , و الغرابة ! فلا التحرّق لرؤية المولود كان باعثاً على انقباض القلب, و لا متابعة عقارب الساعة كان مملاً على أى نحو .هذا لأن النبأ حلو , و انتظاره على صدر المحبوب يزيده حلاوة ..

بين غفوةٍ تروح و تجىء , تلتقط الذاكرة أحداثاً مضت , تعيد ترتيبها , تنفض الغبارَ عن أقدمها , لتشكل منها عشرَ سنواتٍ كاملة على مقاعد الاستقبال فى انتظار الطبيب. رجفة القلب عند سماع التشخيص , تحاليل المنىّ كل ستة أشهر , ملاحقة فترة التبويض بعد كل دورة , الحب الذى تحول إلى اختبارٍ ميكانيكى للتخصيب . الجزم بأن هذه المرة سيحتفظ الرحمُ بمكنونِه و لن ينزف.

 ثم ينزف !

قطع صوتُها الصمتَ الدافىء :
- أخيرا هابقى شجرة . . .
- هاتبقى شجرة ؟!
- أيوه .. هابقى شجرة . و هتبقى لى فروع كبيرة , لحد السحاب. أخيرا الجدور هيجيلها يوم و تنبّت ..

 يتبين إيهاب ملامحها الساهية. كانت تشخص لأعلى , إلى اللامحدود . لم يُزد حرفاً. غفا و هو مُطرقٌ نحو وجهها الذى ينير بياضُه عتمةَ الغرفة .
هل كان يشعر بالخزى حيال ما فات ؟ و لمَ هذا الشعور ؟ ألم يكن كلاهما عليلاً ؟!      و لكن بلادنا تغفر للرجل شتى صنوف الخطايا , إلا أن يكون عاجزاً عن الإتيان بالنسل !

حلّ الصباح بهيّاً , لم يحتاجا منبهاً لإيقاظهما . تلون وجه جميلة بالبسمة التى طغت على شعورها بالإعياء. ساعدها إيهاب فى ترتيب الحقيبة و مستلزمات ما بعد الوضع . استقلا سيارةً أجرة حتى باب المستشفى . لم يتبق لكليهما لا أب و لا أم ليقوم بتلك المهمة . اليدان مشتبكتان حتى آخر لحظة . ستتذكر جميلة الأطياف الأخيرة التى رأتها قبل سريان الخِدر : يد إيهاب المتشبثة بيدها , قبلته الحميمية على شفتيها قبل مجىء الممرضات لاصطحابها , نظرة الطبيب الواثقة عند دخول "الترولّى" إلى عنبر التوليد , دعوة سيدة مسنة لها ترتدى خماراً رمادياً و تمسك بسبحة فضية كانت تنتظر ميلاد حفيدتها ..

عند اندفاع الضوء الأصفر فى مقلتى المريض , عادةً ما تتدفق معه الذكريات دفعةً واحدة , كأنها تقبض على أوصاله قبل أن تتركه جسداً مسجى بلا حراك .لم تهادنها فى هذه اللحظات مشاهد اللقاءات الأولى حين كانا موظفَين فى مصنع النسيج . الكلمة الأولى , و البسمةُ المرسلة خلسةً وسط ضجيج الماكينات , و جلسة العائلتين فى الصالون المُدهب بعد نزع الأغطية البالية من عليه . تتذكر مليّاً صدمة الأهل , و رفض الأم لهذا العريس الذى يشاركهم الفقر . تم الزواج مشفوعاً بتوسلاتِ جميلة , لتحل بعدها مرحلة التقريع و حتى الشماتة بعد كل شهرٍ لا يُسفر عن حمل .

مرّت ساعة .. خرج الطبيب متجهمَ الوجه . تنهد عند رؤية إيهاب كأنه كان يتحاشى اللقاء .اقترب منه و أمسك بذراعه فى صمتٍ حتى يتبعه لكن إيهاب تسمّر فى مكانه صائحاً :
- جميلة حصلها حاجة ؟
- جميلة بخير.
- و ابنى ؟
- بنتك . بنتك فى الحضّانة عشان ضعيفة حبتين . لكن مش دى المشكلة !

فى المكتب نفسه تهيّأ الطبيب لإخباره بالنبأ . أشعل سيجارة و قدم أخرى لإيهاب الذى رفض . بدأ بديباجة عقيمة سرعان ما أدرك أنها لن تجدى نفعاً , فخلص إلى الحقيقة المجردة :
- بنتك عندها إعاقة ذهنية !
- ...
ينظر إليه أيهاب غير مصدق . الكلمات سيوفٌ تذبح سامعها . استكمل الطبيب موضحاً :
- طفرة ! كروموزوم زايد بيسبب التأخر العقلى و بقية الأعراض , زى الشعر الأملس و اللسان الى أطول من الفك , و طبعاً العقم .

لم يفهم إيهاب على الأرجح معنى الطفرة و لا ما يعنيه الطبيب بكلمة كروموزوم , لكنه استخلص الحقيقة التى ستبقى : أنه أنجب بنتاً ليست كبقية البشر .

 عند باب المستشفى , تحمل جميلة الرضيعة التى لم يسمونها بعد , بينما تقدم إيهاب ليبحث عن سيارة أجرة . ترن فى أذنيهما نصيحة الطبيب التى ستظل عائقا بينهما كلما قارب أحدهما الآخر :  " ماتكرروش المحاولة , كفاية ابتلاء واحد " .

 تعلقت جميلة بالرضيعة مذ أن دُسَّت فى حِضنها و هى لم تزل تحت تأثير المخدر. فعينا الأم ترى – على ما يبدو - ما لا يمكن للآخرين رؤيته .أفاقت على صوت بكاءٍ كانت تموت كل ليلة رغبةً فى سماعه .تشبثتْ بها و بكت للقياها. راحت تخاطبها بكل ما تمليه عليها أشواقُ الأمومة من عبارات يتقاطع معها دمعُ الفرح ,  و كأنها تناست أن تلك الرضيعة لا تفهمها , و ربما لن تفهمها أبداً ...

من مرآة السيارة ظل إيهاب يتابعهما و هو جالسٌ فى المقعد الأمامى . ثمّةَ إحساسٌ يختبره للمرة الأولى , أن يشرب المرء ماءاً و مع ذلك يبقى ظمآن .. يتأمل ملامح الرضيعة بإشفاق , فكل أب تكمل سعادته عندما يحمله أبناؤه متى شاخ , أما هذه الصغيرة فإن لزاماً عليه أن يحملها طوال حياتِه .. 

مارك كاسترو 
31/3/2017


عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...