الاثنين، 9 يوليو 2012

اللوحة رحلت ايضا ...



           " عجبا .. دنيا ينتشل منها العظماء و يُخلد فيها البُلهاء "
 هكذا كانت اولى كلماتى التى افتتحت بها رثائى للحبيب " ابراهيم الفقى " . 
 انهم عُمّار الأرض حينما يرحلون .. و فلاسفة العصر حينما تصمت افواههم الى الأبد.  فكم من فراغ يتركوه برحيلهم ... و كم من عيون تبكيهم و تذرف الدمع على فراقهم...  كل عين رأتهم تبكيهم , و كل اذن حظيت بسماعهم تنوح عليهم ...انها شعلة الحكيم حينما تنطفىء ...
     
         حينما يسطو الموت فجأة , بينما لم تكن الأنفس معدة لهذا الفراق.... حينما يٌختطف الأحبة من بين ايدينا بينما نكون فى اشد الحاجة الى علمهم و فكرهم ... حينما نصطدم فجأة و عن دون سابق انذار بتلك الحقيقة الثابتة , طريق الأرض كلها : انها الموت !
 حقا , نهاية واحدة  للجميع , تقتنص من الحكيم حياته لتلقيه بجوار من لا عقل له !!                 انها سطوة الموت كما اختبرها الكثيرون , و سلطة القدر كما كانت منذ الأزل .
ان المأساة هى كون الموت حكم بلا رجعة , و لا نقض , و لا اعادة نظر , فمتى نفذ السهم لا يُرتجع ... لا تحايل على احكامه  , فلا جدال ينفع و لا نقاش يفيد ...


ان لدغات الموت السامة دائما ما تطاردنا طوال العمر و لكنى اكاد اجزم ان الموت كان اكثر بطشا بى هذه المرة , لقد استطاع بدهاء ان يهزنى من اعماقى , ان يطعننى فى احدى ركائز عزيمتى و ان يصوب سهمه الطائش الى قلوب من عشقتهم , بلا و حق السماء لم يكن طائشا ابدا هذه المرة , لقد كان القدر ماهرا فى تصويبه بحيث يتوجه بصافرة النهاية و تحديدا فى وجه من شرفت بمعرفتى به ...


على مدى سنوات , عاصرت خلالها د.ابراهيم الفقى , كان لى الحظ ان اراه صدفة و لأول مرة على احدى الشاشات العربية و قد تعجبت حقا من تلك الكاريزما الرائعة التى يتمتع بها هذا الرجل , لقد ابهرنى بروعة حديثه و جمال خطابه , و قد استوقفتنى حقا تلك المسيرة الباهرة و العمل الدءوب الذى قاده : من غاسل صحون فى احد فنادق مونتريال الى مدير عام لأكبر الفنادق فى كندا ثم الى واحد من اكبر خمس علماء فى التنمية البشرية فى العالم !! ... انه درب وعر حقا و مسيرة حافلة تستحق منا التأمل فيها , فيجدر بنا ان نتخيل ماهية العزيمة و الصبر التى تمتع بهما هذا الأسطورة المسماه ابراهيم الفقى .
   فعلى مدى ثلاث سنوات قرأت فيها مايزيد عن العشرين كتابا لهذا الرجل و قد تتبعت          خطاه  بالتدقيق فى كل البرامج و الأمسيات التى اذيعت فى تلك الفترة , و كانت حلقاته المسجلة على اليوتيوب هى تسليتى الوحيدة لاسيما فى اوقات الاحباط و الضعف .                فكم من مرات استيقظت فيها فى الرابعة فجرا لاستمع لمواعظه قبل البدء فى اى عمل او دراسة !!   لقد كانت كلماته مبعث الأمل فى حياتى و نورا يضىء السبيل المستقيم فى كل تفاصيل يومى .
  كل تلك الفترة كنت ارقبه من بعيد , من خلال الشاشات و الكتب , الى ان سنحت الفرصة التى لا تعوض بالنسبة لى : " صالون الفقى الثقافى بالمركز الكندى " ,  لقد كانت فكرة يقشعر لها بدنى كلما تذكرتها  : ان التقى وجها لوجه به و ان استمع اليه دون اى حواجز او قيود , " و بصراحة كمان الدخول كان مجانا و ده الى فرّحنى اكتر" !!  
 لقد كان هذا اللقاء ليعنى لى الكثير , ان يلتقى الأستاذ بالتلميذ , ان يجتمع العالم و طالب العلم معا فى مكان واحد ... و ما اجمل ان يقترب الحلم رويدا رويدا الى ان يصير واقعا ملموسا ... لقد بدأت التحضير لهذا اللقاء المرتقب و لعدم معرفتى بالعنوان فقد اصطحبنى عمى لنذهب سويا الى المركز الخاص بالدكتور و هو المركز الكندى للتنمية البشرية .
 فلازلت اذكر جيدا ذلك المكان , فكل درجة سُلم و كل ورقة حائط و كل صورة معلقة على الجدران , صغيرة او كبيرة , لها معى ذكريات عديدة .  فمع انها كانت الزيارة الوحيدة لى لهذا المركز ... و لكنها لا تُنسى .
فما هى الا لحظات ليدخل المفكر العظيم و المحاضر العالمى لأجده امامى وجها لوجه  باسم الثغر لا تفارقه ابتسامته الهادئة و عينيه تلمعان حكمة و وقارا مهيب .
 كان عنوان المحاضرة هو " الأمل " , فعلى مدى ما يقرب من الساعة و النصف لم اجد مثيلها من قبل , ظل الأستاذ يغمرنا بفيض علمه ... لقد كانت كلماته و قوة بيانه تمنح الطاقة لكل الحاضرين بحيث لا تملك سوى الانتباه و التدوين لكل حرف يخرج من فم الأستاذ , فيضحكنا تارة و يمنحنا فرصة للتفكير تارة اخرى , مطعما كلامه دوما بآيات من القرآن و الانجيل ....
لقد كان لقاءا اقل ما يوصف به أنه كان رائعا ... فبعد سنوات من المتابعة الجادة و القراءة و التدبر فى كل اقواله , تتوج معرفتى به بأن اراه ملء السمع و البصر ...  لقد كان حلماً بعيد المنال و ها هو يتحقق امام عينى و لما يزيد عن الساعة و النصف ...
 و بعد ان انتهت المحاضرة , يخرج العالم الجليل مارا بجانبى , و لكن للأسف لم تتح لى الفرصة لأن اتكلم معه و لو لبضع ثوانِ , فاذ به يدخل الى مكتبه بالقرب من قاعة المحاضرة و قد اجتمعت حوله الحشود بطريقة اعاقت وصولى اليه ...
    للأسف لم يمهلنى عمى الفرصة لانتظاره بعد الخروج من مكتبه و قد اصّر على الرحيل لتأخر الوقت , فقال لى " مفيش فرصة نسلم على دكتور ابراهيم , احنا نتصور جنب اى لوحة هنا و اهى تبقى ذكرى و خلاص " ... بالفعل اخذت الكاميرا و قد التقطت له صورة بجوار اللوحة الرئيسية فى المركز كما هو موضح فى الصورة الثانية بالاسفل .  و حينما جاء دورى فى التصوير قلتله : لا اتصور ايه بس , انا خلاص عرفت المكان و كل يومين تلاتة هتلاقينى هنا باحضر المحاضرات بتاعته" !!
 و بعد ان سرنا بعيدا عن المركز مسافة المائتين متر كنت قد اقنعت عمى بالعودة مرة اخرى الى المركز فربما يكون قد فرغ من الحشود و نتمكن من مقابلته .. و بالفعل عدنا الى المكان و لكن يبدو اننا تأخرنا كثيرا ... لقد استقل الأستاذ سيارته و ابتعد جدا بحيث كان مستحيلا اللحاق به ...
و مع ذلك انا قلت مش مهم , كلها يومين تلاتة و يعلنوا عن ميعاد المحاضرة الجديدة , المرات الجاية كتيييرة مش مشكلة !!


     ان من الصعب تخيل ما تخفيه لنا الأيام ... فربما نكون قد اقتربنا من النهاية اكثر مما نتوقع ... للأسف لم اكن اعلم بأنه سيكون  اللقاء الاول و .. الأخير ايضا ....               فما هى الا ايام و يشاء القدر بأن يسطر كلمة النهاية فى حياة رجلٍ قد اضاف الكثير الى كتاب الانسانية ...
 للأسف اننا نتفنن فى التخطيط و التدبير و نبنى قصورا فى مهب الريح غير مكترثين ان مجرد كلمة الموت ربما تضع فاصلا ابديا بيننا و بين كل ما خططنا له ...
فمن كان يعلم انه سيكون آخر لقاء يرى فيه التلميذ وجه استاذه ... لقد كان فى وسطنا ضاحكا و مازحا , فمن كان ليتخيل ان تنطفىء البسمة هكذا سريعا ؟!! ... من كان ليعلم انها ستكون المرة الأخيرة التى اجتمع فيها مع ابراهيم الفقى ؟!


لقد ابتلعت النيران كل شىء فى المركز الكندى حيث كان يعيش الدكتور فى الدور العلوى ...هكذا يقول الكتاب "باطل الأباطيل الكل باطل و قبض الريح "... رحل الأستاذ عن عالمنا متأثرا بدخانها الكثيف ... رحل و قد كنت فى اشد الحاجة اليه ... رحل بدون اى ميعاد او مقدمات ... ختام القول : ان الموت يأتى فى لحظة !


  لم يسمح لى القدر ان اتكلم معه يوما , مع انى كنت اكثر الناس شغفا به ... فليس كل ما يرجوه المرء فى هذه الحياة يناله ... فمع كل اسف , لقد باغته الموت قبل ان استطيع الوصول اليه ثانية ... لقد رحل تاركا فراغا عميقا فى قلوب كل من احبوه...    
    لم يتبقى سوى تلك الصورة الوحيدة التى التقطتها لعمى هناك قبل الحادث بايام قليلة ... رفضت ان اتصور غير عالمٍ بأنها كانت الزيارة الأخيرة لهذا المكان قبل ان تنهشه النيران بكل ما فيه ... و من فيه ... !
      فتشاء الأقدار ان تكون تلك اللوحة الكبيرة التى احبها الفقيد و التقطت له العديد من الصور بجانبها هى آخر ما يتبقى من ذكرى لنا معها بعد رحيله ... و لست اعلم ما مصير تلك اللوحة الآن ... هل رحلت معه ايضا و التهمتها النيران ؟ ام انها ماتزال باقية ؟؟
    
فستظل كلماته الخالدة تلمع امام عينى كلما تذكرتها :
                    " عيش كل لحظة كأنها آخر لحظة فى حياتك
                         عيش بالأمل
                                 عيش بالكفاح
                                      عيش بالصبر
                                              عيش بالحب
                                                   قدر قيمة الحياة "




  وعلى طريقة فريدريك انجلز فى رثائه  لكارل ماركس:" انه فى يوم الجمعة الساعة التاسعة و النصف صباحا , المفكر العظيم توقف عن التفكير, و قد كنا تركناه  بالكاد دقيقتين و حينما عدنا,و جدناه و قد راح فى نومٍ عميق ...و لكن هذه المرة الى الابد ...


                                                                                مارك كاسترو

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...