الاثنين، 21 أبريل 2014

ليتنى اعرف اجابة ( قصة قصيرة )

ارختْ راحتيها حول رأسى كأنها تحتضن وليدا بلا ام ، جاءت به الدنيا من رحم مجهول و تركته شريدا ، قالت فى نبرة خافتة تحف اطرافها صوت الكنارى من حولنا ، و صوت شلالات عملاقة تنحدر من اللامحدود لتكمل استدارة الأرض . 

" كيف تريدنا ان نحيا معا ؟ 

تسألنى و كأنها لا تعرف ، او ربما تسألنى لتطمئن لتمام معرفتها ، كتلك اللاتى يسألن عشاقهن فى كل ليلة ، هل تحبنى ؟
اجبتها بأن الحياة تبدأ بلقياها و تنتهى عند الخوف من الفراق ، ثم لثمتُ خدها كعادة كل الأيام ، و خِلتها اطمأنت لإجابتى التى تكررت على مدى اثنى عشر يوما متتال . لكنها فاجأتنى بذات السؤال من جديد :

" كيف تريدنا ان نحيا معا ؟

ظننتها تود بلوغ ما هو اعمق من مجرد قبلة ، فشبكت ذراعىّ حول ظهرها و احتضنتها ،  و قبلتها ثانيةً ، لكنها فاجأتنى و تمنّعتْ حتى انتابنى الريب بأنها تمقتنى . قالت بلهجة حذرة ، و يائسة :

" لن تلمسنى حتى تجيبنى بصدق على سؤالى "

 كانت اجابتى المعتادة فى كل ليلة من الليالى السابقة تكفى لسكون نفسها و منحها التحرر من تلك الأفكار التى قد تفقدها متعة كل شىء بيننا . من العسير ان تحب امرأة تفلسف الحب!  لم ينفذ جوابى عليها هذه المرة الى مكانه المخصص له فى قلبها ، ألعله فقد تأثيره المدوى على اذنيها ؟ ام انها قد اصيبت بداء الملل ؟

" اريد ان اعرفك اكثر ، لذا اجبنى بصدق على هذا السؤال !

تسألنى و هى عازمة على نوال اجابة تشفى فضولها ، و لا تعلم ان مثل تلك الأسئلة تزيد من شعلة القلب . و لأننا نكتسب الرغبة فى الاجابة من تأجج رغبة السائل ،  لذا قررت ان امنحها ما تتوق اليه نفسها ، فى ليلةٍ غادرتها - على ما يبدو - متعة تلاقى الجسدين ، ربما لتمنح الفرصة لتلاقى روحين  ..
" يا عزيزتى ، برغم انك لستى الأولى التى اتأمل عن قرب بياض بشرتها ، الا انك الوحيدة التى شعرت بقربى منها ان وراء ذلك الجسد الساكن روحا فى مقدورها ان تثب الى اللانهائى ، لتدور فى فلك لا يعتريه القلق و لا تعكر صفوه ثمّة بغضة و لا كآبة  .
لى معكِ اثنتى عشر ليلة حتى هذه اللحظة ، و حسنا تودين معرفة كيف سنعيش معا ، يؤلمنى حقا ان اخبرك ان لى مع هذا السؤال دهرا طويلا ، فلطالما حلمتُ ان اعيش كما اتمنى ، و كيفما اشاء ، احمل فى جيبى ما يكفينى للترحال الى اى مكان تقودنى اليه روحى ، و احمل فى قلبى ما يكفينى من الحب ايضاً .

ان مُنحت القدرة على الاختيار فلن ابقى فى مكان واحد ليومين متتاليين ، العالم اكبر بكثير من ان نحصره فى بيت او حديقة ، سأنطلق بلا خريطة و لا بوصلة ، و لا عصا و لا مزود كما قال سيدنا المسيح ، سأستجيب لما تأمرنى به ساقاى ، و سأكون سعيدا و محظوظا بأى مكان سوف اصل اليه . ان اتعبتك قدماكِ فى الطريق فلا تنظرى ورائِك و لا تتحملى مشقة اخبارى بذلك ، فقط ابتسمى ، فالنصرة على الالم تتولد من السخرية منه ، و حينها سأحملك على ظهرى طوال المسير . 

ان مُنحت القدرة على الاختيار ، فلن اعيد على مسمعك بيتا واحدا انشدته من قبل ، بل سأبدع فى كل لقاء بيننا انشودة جديدة
، تستقر فى اعماقك . سأسألك عن سر اعجابك بالزهور البيضاء و ستجيبينى بملء الفؤاد ، انها ترمز الى الحرية ، و سأكرر عليكِ هذا السؤال من حين لآخر ، فقط لأطمئن انك لن تتخلى ابداً عن مفهوم الحرية  . هذا لأن الحب لا يمكن ان يتولد من قلب تذله القيود. 

ان مُنحت القدرةَ على الاختيار ، فسأجلس بجوارك لنعد النجوم سويا ، و سنهتم بمنح كلا منها اسما مختلفا ، و قبل ان تثقل اجفانك سأنتقى اجملها و اكثرها توهجا ، لأمنحها اسمك .. حتى تخلدى الى النوم فى كل ليلة و انتِ على يقين بأنك نجمتى المضيئة دوماً .

سأحمل معى كل ما كل ما ابدعه من سبقونا ، حتما سيتسع العمر لقراءة كل روايات دستوفسكى ، سنقرأها معا ، على ضوء القمر ، بينما تعزف بجوارنا الكمان الشجىّ لتضفى على كل حرف منها سحرا جديدا . 

حينما سنسمع بأن أديب شاب او حتى عازف مبتديء سيقوم بعرض موهبته فى اى مكان على هذه الأرض ، فسنكون حتما فى اول 
الصفوف ، مندسين ضمن تلك الفئة العذبة و الراقية من البشر ، اولئك الذين اهتدوا بالفن الى منابع السعادة ، سنستقل كل السفن و كل القطارات و اى حافلة فى طريقنا لنصل فى موعدنا دون تأخير، و سنصفق له بكل ما أوتينا من حرارة . لا تظنى اننا بذلك نكون قد كرمنا  مجرد شخصٍ ،  و انما نكون قد جلبنا ارثا جديدا للعالم .
اقسم لكِ ان لا بردا فى الشتاء و لا حرارة فى الصيف ستمنعنا من اللحاق بتلك الحياة التى نعشقها . 

إن طقسا مقدسا سوف نقوم باتمامه قبل ان نأوى الى الفراش فى كل ليلة ، سنجلس قبالة الصليب المقدس ، و سنقوم بتقديم الغفران لكل من اساء الينا طيلة هذا النهار ، لن يتملك النوم منا و نحن حاملين فى قلوبنا اى شىء سوى الحب .

سوف نكون على موعدٍ مع البحر ، قبيل بزوغ الفجر عند مفترق الليل من النهار ، لنقص عليه ما تهيم به ارواحنا ، و سيملأكِ الشغف لتعرفى سر عشقى له و التطلع الى الأفق البعيد ، و سأجيبك بعبارة واحدة :

"ان البحر فقط هو من يدعنى ابوح دون مقاطعة ". 

ان مُنحت القدرةَ على الاختيار ، فستكون هوايتى هى ان اجوب كل بلدان العالم ، من اجل ان ارى شروق الشمس بألف زاوية و زاوية ، و ان اسمع دوى اجراس القداس من ألف كنيسة و كنيسة .

سأكتب الرواية التى لطالما حلمتُ ان اتممها قبل ان ارحل ، سأكتب عن الحب و الحياة ، عن السعادة حين تتولد من رحم الألم ، 
عن العشاق الذين جاءوا و مضوا دون ان يأنسوا بمن احبوا . سأكتب عن اولئك الذين لم تسعنا الأوقات لنبوح اليهم بما كان لهم فى قلوبنا ، ربما استطيع اخبارهم و لو بالحبر على الورق ، فلعلّها تكون الفرصةَ الأخيرة .

باختصار ، لا اود الذهاب الى القبر و قد عشت نصف حياة ، اود ان اشتاق الى الموت بقدر شوقى الى كل لحظة احياها على هذه الأرض .
    حبيبتى ، هذا ما جادت به نفسى حتى هذه الساعة ، فلتقبليه ان شئتِ ، ان بعض الأسئلة تتغير اجاباتنا عليها كلما ازددنا ادراكا لهذه الحياة .. اما الآن فهل تمانعين مزيدا من العناق ؟ "

الثلاثاء، 11 فبراير 2014

بين السيسى و صباحى ... معركة الوجوه الناعمة

حان الوقت لنكتب عن السياسة مرة اخرى ،
فهذه هى المرة الأولى منذ عهد بعيد ، عاما او اكثر ، اشعر ان ثمّة ملامح محترمة للعملية السياسية بدأت ترتسم على الصعيد الداخلى . لست اعرف ان كانت الأمور تسير فى طريقها الصحيح ام لا و لكنها على أقل تقدير بدأت تسلك فى اتجاه مختلف، و هذا يكفينى فى تلك المرحلة على الأقل . لقد عزفت عن كتابة المقال السياسى حين ادركت اننا سنصير اضحوكة كتب التاريخ اذا شاركنا ، و لو بالحبر على الورق ، فى هذا الهراء الحاصل فى مصر منذ تأزم الوضع الداخلى خاصةً مع مرور الأشهر الأولى فى حكم الرئيس مرسى . فحينما استحال الوضع وقتها الى مشهد اقرب بالمسرحيات الهزلية ، يكون من العبث ان نقوم بتفسير ما لا يُفسر ، او ان نقوم باصلاح ما غمره الفساد و تملك منه .

اما اليوم ، الحادى عشر من فبراير ٢٠١٤ ، اعلن حمدين صباحى خوضه جولة انتخابية جديدة . كذلك اليوم ، و فى اى موقع يقع عليه بصرك من ارجاء الوطن ، تتعالى الصيحات المطالبة بترشح السيسى لرئاسة الجمهورية .
تلك هى بارقة الأمل التى تؤهلنى للإمساك بالقلم مرة اخرى . فعلى الأقل اصبح لدينا القدرة على اختيار احدهما _ اذا صدّق السيسى على قرار ترشحه _ دون ان نلجأ الى الاتفاق على واحد خشيةً او تجنبا من نجاح المرشح الآخر . قُدّر لنا اليوم ، فى رأيي ، ان يعتمد اختيارنا اخيرا على ما هو ارقى بكثير من مجرد الخوف ، فنحن امام شخصين كلاهما استطاع ان يحفر اسمه فى قلوب المصريين على اختلاف ما فعلاه .
فالأول استطاع ان يحصد ملايين الأصوات من الشباب الذين علّقوا آمالهم عليه بل و لازالوا يروه حلماً تمثّلت فيه اهداف الثورة المصرية ، قدر على الوصول الى مختلف الفئات بكاريزمته الواضحة و كلماته الحماسية و خطابه السَمِح .اراه يستحق فعلا للقب " واحد مننا " .

اما الثانى فالحديث عنه يطول ، استطاع ان يأسر قلوب الجميع بلا منازع ! حالفه الحظ فى ان يتواجد على رأس الجيش فى فترة دقيقة ، أهلّه منصبه لأن يكون المنقذ المنتظر لكل شعب مصر من هذا الإستبداد الذى كاد ان يفتك بقلب الوطن . قاد انقلابا راق الى الشعب و اطاح بجماعة افسدت ما للشعب من امل فى نجاح ثورته .
منافسان ، اذا سارت الأمور كما تتضح بوادرها ، سيحدث بينهما سباق شرس على مقعد الرئاسة .
و لكن دعونا نتطرق لما هو اهم ! ،
اذا سألتنى عن ملامح البرنامج الانخابى لحمدين صباحى فسأقول بكل الصدق انى لم اعبأ ابداً بمعرفة برنامجه !
اما اذا سألتنى عن برنامج المشير السيسى الذى جعل كل شعب مصر يتهافت على اعلان ترشحه ، فستكون اجابتى بأن السيسى لم يحسم امر ترشحه بعد ، اذا و من المفترض ان ما من مشروع قد تم التصريح و لو بملامحه من الأساس !!
اذا هنا يثور السؤال ، من أين جاء المصريون بكل هذا القدر من الحماس الذى قد يتجاوز الحدود فى احيان كثيرة لدعم مرشحٍ منهما ؟!
حقيقة واضحة يجب ان تعيها ايها القارىء العزيز ، ان الشعب المصرى لازال فى طور نموه السياسى ، لازالت تأسره الكلمات البرّاقة و تحلو له العبارات التى تلعب على اوتار الشجن . و فى هذا ارى ان صباحى و السيسى قد نجحا بامتياز فى اجتياز المراحل العليا من تلك الملكة الكاريزمية ، فالأول قال قبلا : سأصير خادما للشعب ، و الثانى صرّح : انتم نور عينىّ ..
اختيار صعب أليس كذلك ؟
كلاهما يملكان فنون الكلام التى بها يحصلان على مفاتيح قلوب المصريين . و للعلم انا لا اسخر و لا اشكك فى وطنية احدٍ منهما على الاطلاق ، انا فقط احاول الوقوف على المعايير التى يختار على اساسها المصريون رئيسهم .
 
ربما لن تجد عندى اجابة شافية لحسم قرارك فى اختيار احدهما ، لكنى على الأقل سأحاول ايضاح معاييرى الشخصية التى على اساسها سأختار بين الرجلين . فمادام الاثنان يتّبعان نفس الأسلوب فى التقرّب لهذا الشعب العاطفى ، علينا اذا ان نحاول التنقيب فى اعماق جديدة !
ماذا اريد من الرئيس القادم ؟
اولاً ، اود من الرئيس القادم ان يطوى صفحة العهد الماضى بكل ما بها من ملابسات ، لا اود رئيسا فى يده آثار فض اعتصامى رابعة و النهضة . لا اريد ان ارى رئيسى توجه له ذات الأسئلة فى كل محفل يذهب اليه : لماذا تم فض الاعتصام بالقوة ؟ هل ما قمت انت به كان ثورةً ام انقلابا ؟ هل كانت حملة تمرد غطاءا لما يخطط له الجيش ؟
ببساطة اريد رئيسا نحاسبه منذ اللحظة التى يدخل فيها قصر الرئاسة ، فقط!
ثانياً ، قد يتهم البعض حمدين صباحى بأنه تحالف مع الاخوان - و ان كنت اشكك فى هذا - فانى اتساءل اذا ، فاذا كان صباحى قد مدّ يده فى يد الاخوان ، فأمام من اذاً حلف السيسى اليمين الدستورية ؟!!!
ثالثاً ، ذلك الادعاء ان السيسى انقذ البلد من الطغيان اما صباحى فماذا قدم غير الهتافات !؟
هذا ايضاً ادعاء يفتقد الى التروى بعض الشىء . كلنا نعلم ان المنافسة لا تتم الا بين قوتين متكافئتين ، و انى لأتساءل ، هل اعطيت حمدين صباحى جيشا و قوة عسكرية و محبة شعب بأكمله ثم تقاعص هو بعدها عن انقاذ الشعب ؟ لا تقم بالمقارنة بين رجل عسكرى يمتلك الجيش و السلاح و بين رجل مدنى ليس فى يده سوى القلم و الورقة !
رابعاً ، اريد من الجيش و قادته ان يتركوا مثلا رائعا للعالم كذلك للأجيال القادمة ، مثلا يضفى على المشهد بريقا من الوضوح و انعدام الخبث ، حتى تكتمل الصورة التى فى مخيلتنا : جيش يرى بلاده فى ازمة ، فيشمر عن ساعده و ينزل ليجوب البلاد بحثا و تنقيبا عن اعداء الوطن ، و لما انتهت مهمته عاد الى دوره الأصيل تاركاً ما للشعب للشعب! ذلك هو ما تسعى اليه المدنية الحديثة . دعوا هذا النموذج يكتمل , ارجوكم ..
على فكرة انا مابكرهش السيسى !
هو رجل عظيم ، فعندما تخرج الملايين الى الشوارع لمجرد ان رجلا طلب منها تفويضا ، فاعلم انك تتحدث عن اسطورة بكل معنى الكلمة !
ان المشير السيسى يذكرنى بداود النبى كاتب المزامير ، قد تستعجب ؟ حسنا اقدر ذلك . دعنى اوضح . حين اراد هذا النبى ان يبنى فى آخر حياته هيكلا ليعبد الله ، تُرى ، ماذا كان جواب الله على امنية قلبه ؟
      "
وَلكِنَّ اللهَ قَالَ لِي: لاَ تَبْنِي بَيْتًا لاسْمِي لأَنَّكَ أَنْتَ رَجُلُ حُرُوبٍ وَقَدْ سَفَكْتَ دَمًا. "
هكذا كان الجواب !
هل كره الله داودَ ؟ على العكس تماما ، فلقد كان معه منذ البلوغ و الى المشيب ، قاده فى انتصارات عديدة و جعله ملكا على امة عظيمة ، و لكن هذا لم يمنع الله من تحديد مهامه على الأرض ، فيدٌ تحقق نصرا و يدٌ اخرى تبنى بيتا لله . ذلك هو التكامل الانسانى الذى نسعى اليه .  و بالفعل جعل الله بناء الهيكل لابنه سليمان الذى خلا عهده من الحروب .
ذلك هو موقفى و اعلنه صراحةً ازاء ترشح السيسى ، و اعتذر للقارىء اذ كنت قد وعدته فى مبتدأ المقال الا افرض عليه رأيا بل اكتفى بعرض المعايير ، لكن ثمًة اوقات يتوجب علينا فيها ان نكون بالوضوح الكافى لعرض افكارنا .
نهايةً ، لست متخوفا من اى اختيار سيتبناه الشعب بعد اقل من شهرين . اختياران موفقان و ان كنت اميل بالطبع الى احدهما.


مارك كاسترو


عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...