كانت على الأرجح لا تعرفنى , و نظارتها
السوداء أخفت أغلب ملامح وجهها, رغم أنها منحتنى انطباعا خافتاً بأنها شديدة الجديّة
فيما هى مزمعةٌ أن تقوم به , و الحق أنها بالفعل كانت كذلك .. أشار لها النادل
باتجاهى فيما كنتُ أغلق مظروف التبغ لأضعه قريبًا من فنجان ما بعد الظهيرة .. دخان
الغليون رسم ستارا رماديًا حال فى بادىء الأمر دون رؤيتى إياها, لكنها اندفعت بعنفٍ
تجاهى و كأنها على وشك الانقضاض على فريسةٍ تترصّدها منذ آمد بعيد . وجدُتها تلقى
بحقيبة يدها أمامى على الطاولة بحركة مفزعة حتى أن صوت الإرتطام الذى أحدثته جعل
رواد الكافيه يلتفتون إلينا من كل ركنٍ يقبعون فيه.
- لماذا قتلتَ هاجر ؟
اطرقتُ قليلا لأسفل و أنا أطلق زفرةً طويلة
أتخلص معها من الهلع الذى أحدثته تلك الزائرة . على أية حال حمدتُ الله أن أحدًا
لم يسمع سؤالها سواى . جاء صوتها كما توقعته , لا يختلف كثيرا عن ملامح وجهها التى
تبين خِلسةً من وراء النظارة . نبرةٌ حادة مثل نصل السكين و تقاسيم وجه ثلاثينى
تغزوه صرامةٌ و حزمُ مربيات المدارس الداخلية .. أسندتُ غليونى على طرف الطاولة
فيما أتوجه ببصرى من جديد نحوها . قلت :
- لم أقتلها .. كان هذا جزاءا عادلاً لأفعالٍ
طوال .
- تسمِى قنصَ الأرواح جزاءًا عادلاً ؟! أى
عدلٍ هذا الذى ينبنى فوق تلال الكراهية؟
أنت تمقتُ هاجر الى الحد الذى جعلك لا
تُنهى مأساتك هذه إلا بمقتلها !
فركتُ عيناى و أنا أدعوها بابتسامة هادئة
للجلوس فأبتْ , فقط اكتفتْ بخلع النظارة لتفصح عن عينين لم تبرحهما براءةُ الطفولة
, تلك التى تسوق شابةَ فى مثل عمرها حتى تفتش عنى بهذا الإصرار.
- ليس من عادتى أن أمقت خليقتى . و لا تنسى
يا عزيزتى أن هاجر فى نهاية الأمر إحدى هذه
الخليقة !
للحظةٍ نسيتُ , أو لنقل استمتعتُ بتناسى
حقيقة هذه المبارزة الدائرة بيننا. كان على الأرجح إمعاناً فى الشعور باللذة التى
اجتاحتنى حينها , فتحديدُ مصائر البشر شهوةٌ لا يشبعها سوى الطغاة , أو الروائيين
.
قالت بصوتٍ يشى بالثبات :
- أنتَ هدمتَ حلمًا جميلا بعد أن فضّلت
التشدق بكبرياء الرجال لتلقى بالمسؤلية كلها على تلك المسكينة التَعِسة . خدعتنا
جميعًا بألفاظٍ برّاقة مثلما خُدِعت هاجر من قِبَل رجالٍ دسستهم أنت فى طريقها .
رجالٌ يتشدقون بذات الكبرياء الأحمق !
لم أشأ أن أفض النزال الدائر بيننا :
- هاجر كانت تعرف أن مسالك الرذيلة لا تؤدى
إلا لهذه النهاية المفجعة ,ثم أنها أسلمت نفسها للموت مرارًا قبل أن أطلقُ يدى
عليها . ففى كل مرةٍ كانت تستلقى فى فراش رجلٍ غريب كانت تميت نفسها رويدًا.
قاطعنى صوتها الذى ازداد حدةً :
- لا يا سيدى
, تلك كذبةٌ تتقنوها من قديم الأيام . . إن العهر صناعةٌ ذكورية , تقع النساء فى براثنها
بفعل رجالٍ طائشين , لا همّ لديهم سوى جلب مزيدٍ من الشر إلى هذه الحياة !
سقطتْ على المقعد المقابل لى كأنها قد تخلصت
لتوها من حملٍ يقبض صدرها. استغليتُ لحظات الصمت هذه و طلبتُ لها كوبًا من
الليمون. و الحق أنه فيما كانت تزداد شحوبًا أمامى كنت أشعر بموجةٍ عاتية من
الكبرياء.
سألتها بتودد فيما ترتشف الليمون :
- ماذا أثار انتباهك فى هاجر ؟ كانت مجردَ
ظلٍ عابر لوجوهٍ أخرى يمكنها بالأكثر أن تثير إشفاقك . .
رمقتَنى شذرًا كأنى اقترفت خطيئةً اخرى ,
يبدو أنها تناست فارق السن الملحوظ بيننا:
- هذا بعينه يا أستاذ
ما يثير فضولى , مجرد ظل عابر؟ تنطقها بجسارة !
أنت جعلت من هاجر لونًا هامشيًا حتى
تنتصر لهذا الساذج الأبله الذى وضعته فى الصدارة . أنت حوّلت الجانى مجنيّا عليه و
حكمتَ بالموت على إمرأةٍ بريئة.
كنت فى قرارة نفسى أغطّ فى السعادة لوجود هذا
النوع من القرّاء الذين يتعاملون مع شخوص رواياتى بانفعالية الأطفال. أستطيع الآن
أن أفهم كيف أظهر القراء امتعاضهم ذات يومٍ لموت شارلوك هولمز, مما حدا بكاتبه لأن
يحييه مرةً أخرى . و كيف أمكن كسر السبت
فى تل أبيب حتى يتلقف قرّاء هارى بوتر معشوقَهم من على أرفف المكتبات فور وصوله .
بدأ الهدوء يتلمس أوصالَها تدريجيًا , أطرقتْ
و هى تقول :
- ربعمائة و خمس و ستين صفحة .. مفتتح
الرواية يشى بتمكن كاتبها , و يدفع القارىء دفعًا لاستكمالها . أسلوبك أسرنى و لم
يدعنى أهادنه . شابٌ دون الثلاثين يعيش منعّمًا مترفًا , تواضعتْ كل أمنياته حتى
صار يقبض عليها بكفٍ واحد , يجرفه أصحابه المترفين المنعّمين أمثاله الى هوة
المخدرات , تسوقه شهوته الماجنة إلى أيدى شُلة من بائعات الهوى الذين يسكنون معًا
فى حى ناءٍ من أطراف القاهرة, و من بينهم هاجر , التى أغدق عليها أموالاً فأعادتها
له لذةً لم يحلم بها ... بالله عليك, انظر أى منهما سعى كأفعى سامّـة نحو الآخر؟ تسميها
بائعة هوى و تجازيها على ذلك ؟ بيد أنك
نسيت من هو المُشترى!
قلت لها بنبرةٍ واثقة :
- تجنُبْ سم الأفعى لا ينفى وجوده ! فإن لم
تلدغ بطلَ روايتى فمؤكد كانت ستبحث عن غيرِه .
صدرتْ ضحكةٌ فاترة من بين شفتيها , كأنما
تتوعدنى بكشف اللُعبة :
- أعرف طفلًا دبّ إصبعه فى مِفتاح النور ثم
سبّ الكهرباء لأنها صعقته أظنَّـك تعرفه الآن ! - تضحكْ من جديد - أنتم تجيدون لَعِب
دور الضحية.
- و أين الخطأ فى كل
هذا ؟ سألتُها و أنا أزيد من ملامح الجدية البادية على وجهى.
- هذا بعينه ماجئتُ لأقوله لك يا سيدى الكاتب , و هذا ما سيجعلك تقضى ليلتك القادمة تستغفر لما اقترفه قلمُك ظلمًا فى حق هاجر .
اعتدلتُ فى جلستى و أنا أمعن فى الانتباه لما
هى مزمعةٌ أن تقول .على صغر سنها تبدو فى غاية الثقة , أو النرجسية . تلك الفتاة
التى ستقاسمنى على ما يبدو استراحة ما بعد الظهيرة.
أوليتُ لها نصف ابتسامةٍ لتستمر فى الحديث :
- بينما كان بطل روايتك المزعوم يتعثر فى فتح
زجاجة الويسكى, أفردتْ هاجر فى الحديث عن حياتها الماضية , نشأتها , أفراد عائلتها
الذين تفنّـن كلٌ منهم فى تظليم جانبٍ من طفولتها كان مقدرٌ له أن يكون بريئًا ,
أبناء عمومتها الصغار الذين أصبحوا مسؤلين منها ... تفاصيل لا أعلم إن كنتَ مدركًا
بذكرك إياها أنها أحالت جميع شخوصك الأُخَر إلى جناةٍ مغرَقين فى السطحية لا
يثيرون إلى
جوارها ذرةً من الإشفاق!
جوارها ذرةً من الإشفاق!
قاطعتُها ضاحكاً :
- هذه حيلةٌ تتقنها العاهرات يا صغيرتى ! - اعتدلتُ فى جلستى بينما يحمل النادل فنجانى
الفارغ - الذين يختبرون الحياة يدركون كم هى مليئة بالمدّعين .هؤلاء يتفنّنْ فى
الولوج إلى قلبِ الزبون من باب الاستعطاف, حيلةٌ تجدى فى الليالى التى تتطلّب
إضفاء مِسحة من الشجن .
تبتسم , و هى تحيل نظرها بعيداً عنى :
- تبدو متمرسًا فى فهم أجواء روايتك .. لكن
الحرص لا يقينا دائمًا من الوقوع فى الخطأ! إنك أزدتَ من صفحات روايتك بتفاصيل عن
الأنثى لا تعرف حقيقتها. إن أصدق
الأقوال هى التى نبوحُ بها يا عزيزى حين لا يكون لدينا ما نفقده أمام الآخر !
رشفتْ رشفةً من الليمون و أردفتْ :
- ظننتُكَ ستكون منصفاً لها . أقصد بعد أن
جعلتها تبوح بماضيها التَعِس ..
- لم تكن هى محور الرواية على أية حال .
واصلتْ كأنها لم تسمعنى , كانت مُطرقةً إلى
حدٍ بعيد كأن مَلَكًا من السماء يملى عليها ما تقول :
- ظننتُ ذلك تمهيدًا لطرحٍ جديد لا يستوعبه
مجتمعكم العقيم ... تمنيتُ لو أنك تكتب بحياد الأدباء لا بعجرفة الرجال. لكن
انحيازك الذكورى وأد ذلك الأمل ... تُـقـتَــل هاجرعلى يد أحد المخمورين من رواد
الشقة , فيُتهم بطلك ظلمًا فى مقتلها, و يفلت بشكلٍ معجزى من حبل المشنقة, فيكون
ذلك كلسعةِ السوط التى تعيده إلى ما كان عليه من الفضيلة . يا لها من نهاية بخسة !
- لست أفهم سر غضبك من
ذلك ؟ النهاية جاءت فى صالح شابٍ يحتاج فرصةً جديدة .. هذه إحدى مهام الأدب لو
تعرفى .
- أنت انتصرت للرجل دون المرأة !
- لم يحدث ! لستُ عنصريًا كما تظنين .
- بلى قد حدث بالفعل ! فالذى دخل بإرادته
عالم الفجور من أبواب التَرَف قد خرج منها و لم يمسّه سوء , أما التى سِيقت إلى
هذا العالم الآثم من أزقة العوز و الفقر قد بخلتَ عليها حتى بفرصةٍ جديدة للحياة !
قرّبتُ مبسمَ الغليون من شفتىّ و أنا أتمتم :
- أسلوبكِ فى النقاش يعجبنى , إذا قُدِّر لكِ
أن تكتبى روايةً فبالتأكيد سأكون شغوفًا
بقرائتها.
لم يرُق لها إطرائى على ما يبدو , مع أنى كنت
صادقًا , فتقاسيم وجهها لم تفصح عن تغيّر فى موقفها , فقط تبدو أقل إنفعاليةً عن
وقت دخولها .
أشعلتْ سيجارة و استأتفت :
- هل يمكن لى أن أسألك سؤالًا ؟
اومأتُ لها بابتسامةٍ أنى موافق .
- لماذا تخشون الكتابة عن العاهرة ؟
- من نحن ؟
- الرجال.
- لم أفهم سؤالِك .
- خِفتَ أن تقدمَ لها معالجةً حقيقية فى قصتك
, كما خاف بطلُــك أن يعترف بعلاقته بها! فلما حاولتْ البوح بما تحمله فى قلبها ,
أشار لها بطلك بأن تستلقى مباعدةً ما بين فخذيها , و كانت هذه إشارةً ضمنيةً منه
حتى تسكتْ .. كذلك أنت, لم تجرؤ على بسط مساحة كافية لإبرازِ مأساتها , و حين
نغّصَتْ عليك حبكةَ الرواية عمدّتَ إلى إسكاتها أيضًا , و لكن هذه المرة إلى الأبد
...
كنتُ مذهولا إلى درجةٍ لا أستوعبها ! و
أعترفُ , بعد دهر مضى على محادثتنا هذه, لم أنسَ تلك القارئة أبداً .
ظللتُ صامتًا هذه المرّة . و استكملتْ هى :
- ليس لدىّ شيءٌ آخر لأضيفه , جِئتُ لأقول لكَ
كم هى معقدةٌ و شائكةٌ تلك النفس التى
نحويها فى دواخلنا .. إذا كتبتَ جديداً فقط
عليكَ التمهل فى إصدار الأحكام على البشر, أنت لا تعرفُ كم تدفعنا الحياة إلى
أشياءٍ دنيئة !
صمتى و ابتسامتها الواثقة ... لم أزِد حرفًا .
مع دقّة الساعة السادسة أطفأتْ سيجارتها ,
وضعتْ ورقةً من النقود على الطاولة مقابل الليمون و أحكمتْ غلق حقيبة يدها . نظرتْ
لى و ابتسمتْ ابتسامةً مريحة و هادئة . أعادت ارتداء نظارتها السوداء , ثم انطلقت
فى هدوء ..
عند باب
الكافيه و قبل أن تخرج تذكرتُ أنى لم أعرف اسمها . قمتُ واقفاً و أنا أصيح كيما
ألحق بها.
- لم أعرف اسمكِ يا آنسة , كنتِ جادّة إلى
الحد الذى لم يسمح بالتعارف . ما اسمكِ؟
توقفتْ عند باب الخروج و استدارتْ ناحيتى ,
تسلل شعاع الغروبِ عبر الباب نصف المفتوح ليكمل استدارة وجهها . شعرتُ أنها تنتظر
سؤالى , ابتسامتها تزداد وضوحًا , أجابتْ فى نبرةٍ خافتة :
- هاجر !
***
مارك كاسترو
22/9/2015
22/9/2015

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق