لا تخونه الذاكرة عن موعد الغداء , فى الرابعة
إلا ربع وقت خروج طاجن البامية من الفرن, بحيث تحمله أم عاطف الخادمة إلى منتصف
طاولة الطعام . لا يبدأ عبد الدايم فى الأكل إلا عند جلوس هناء فى المقعد المقابل .
لا يتبادلان النظرات إلا إذا احتاج أحدهما الملّاحة أو ملعقة السلاطة من أمام
الآخر . يأكلان بهدوء و حذر كأن قرصة الجوع لم تصِبهما و لا ظفرة الشبع ملأت
بطونهما أبداً . يفرغ عبد الدايم من طعامه و هو يقول " الحمدلله "
, فتتبعه هناء متمتمةً بذات الكلمة حتى و إن لم تفرغ من طعامها بعد .. يتلمس بطنه
بثمالة بينما يراقب تنفسه
مثلما أوصاه الطبيب , ليلتقط أول خيطٍ لضيق التنفس الذى
بات يهاجمه منذ عدة أشهر .
تعود الخادمة لتستبدل الأطباق بصينية عليها كوبى
الشاى و البرّاد. لكن صوتاً عنيفا صدرهذه المرة بالقرب منهم , يشبه حشرجة الموتى
فى خشونته , يحيل نظر الثلاث فجأة إلى الحائط المقابل, ارتعشت يد أم عاطف فانزلق
البرّاد ليفيض بمائه على سطح الصينية . تسرع تلك الأخيرة لتتبين مصدر الصوت ,
بينما الماء المغلى قد أحال قعر الصينية المعدنى إلى ما يشبه الزجاج , عاكساً على
صفحته ما بدا فوقه : وجهان بلا أية ملامح ...
تتبَّع عبد الدايم خطوات أم عاطف بقلق, أما
هناء فأطرقتْ إلى وجهها الحزين البادى انعكاسا, و كأنها تصطدم برؤيته للمرة الأولى
! تظهر تقاسيم الوهن على جبينها العابس و قد تهدّلتْ شفتاها حتى صارتا بلون التراب
. " ما أقسى ما يخلفه فينا العجز .. و الحزن " هكذا قالت فى نفسها .
جاء
صوت الخادمة العجوز من الصالون و قد بدا عليها الارتباك :
"باينّها خربت تانى "..
هرع عبد الدايم وراءها مغالباً
خشونة مفاصله , حتى وجد ما كان يخشى مواجهته منذ فترة , إنها الساعة ذات البندول
القابعة فى منتصف الصالون , و تلك تروسها التى شاخت من الصدأ و ما عاد يجدى معها
إصلاح .
" ماترميها يا
باشمهندس و تشتريلك واحدة شغالة "
قالتها و هى تغالب إحساسها بالإشفاق على رجل
قارب الستين يجلس القرفصاء و قد أزاح عن وجهه النظارة ليتبين سبب العطل . حرارة
الظهيرة و شمس أغسطس الحارقة , تعطل المروحة منذ أسابيع , كل ذلك أحال وجهه إلى
كتلة دموية يغزوها العرق , خلال محاولاته البائسة فى معالجة الصدأ .
تلك أهم قطعة ينطوى عليها أثاث
بيتهما العتيق , فلخمسٍ و عشرين سنة لم يسمح عبد الدايم لأحدٍ آخر أن يلمسها.
مُنحت له كهدية فى ختام بعثته إلى الاتحاد السوفيتى , حين كان ضمن الوفد المبعوث
للدراسة من قبل كلية الهندسة . كان مقرَراً أن يصبح أستاذا فور عودته , لكن رأيا
سياسياً أدلى به صُدفة أمام رئيس الجامعة أحال دون ذلك , فما لبث بعد العودة أن تم
استبعاده من هيئة التدريس عنوة . حتى لم يبق له من الهندسة و السفر و التدريس , إلا
تلك الساعة ذات البندول الضخم القابعة فى منتصف الصالون !
أويا إلى الفراش بعد مسلسل الساعة التاسعة .
لم يطفئا مصباح الغرفة .
" أول مرة من ييجى
أربع شهور مش هاسمع دقتها قبل ما أنام "
كان على الأرجح يحدث نفسه . و هى بالفعل لم
تجبه بشىء , فقد اعتادا الصمت الطويل . لكن آهةً خفيفة غالبتها و أفلتت من صدرها .
حسَبها تقول شيئا , لا لم تكن صامتة كما هى العادة , يستطيع تشبيك حروفها المبتورة
بسبب فواصل من التنهدات , ربما قالت هذا فعلاً :
" مش هتبقى أغلى
من إللى راح " ..
شعر بسخف ما قال , فأغمض عينيه دون أى رغبةٍ
فى النوم .
كانت هناء شاخصةً فى مرآة صغيرة بين يديها . ظلّت
تطرق إلى تلك الهالات السوداء التى اقتنصتْ بياضَ وجهها , و انتابها شعورٌ بأن
عيناها السوداويان باتا أغمق من أى وقتٍ مضى. تلصّصتْ على ما يبرز أسفل العنق ,
نهديها الذابلين , المختبئين وراء سراويل المنزل البالية. كانت تتجنّب ملامستهما.
لكن جارتها منذ أيامٍ توسّلت إليها أن ترعى مولودها لحين العودة من العمل . تتذكر
كيف ضمًت الرضيع إلى صدرها , تتداعى الذكرى محمّلةً بشتى أنواع الحنين. فحين يموت
الابن تجفّ منابع الأمومة , و حين يذبل الجسد تنطفىء الرغبة تدريجياً فى الآخر, و
بين كلا الفقدين يتبدد كبرياء الأنثى ..
سمعا صوت كركبة خفيفة تأتى من الخارج , ثم
انطفأتْ أنوار البيت اذ لم يبقَ إلا المصباح فوق فراشهما. انتهت أم عاطف من أعمال
المنزل و سوف تخلد إلى النوم .. تقلّب عبد الدايم و أصبح معاكساً لها . يعرف أنها مغرقةً فى
أفكارها و لن تلمحه يقبض على قرصٍ أخفاه فى جيب بيجامته . يظل كل ليلة يقلّبه بين
أنامله متذكراً تحذير الطبيب , إذا ابتلعتَه سوف تقضى ليلةً نارية, بيد أنه لن
يليها صباح !
تطوف بذهنه ذات الخاطرة قبيل النوم , يحدّث
نفسه بها و يظل ينتشى بتردد صداها :
" ..ما أجمل الحياة
و أرخصها , لو أنها تنتهى بليلة كهذه "
ظلّها أصبح قريباً فجأة . حجب عنه انعكاس ضوء
المصباح فوقهما , فما عاد يرى القرص فى يده . بل أنه شعر بأنفاسها أعلى رأسه على
غير ما ما ألِف منذ سنوات . لفّت هناء بذراعيها جسدَه المرتجف . راحت تبحث عن كفه
فى الناحية المحتجَبة عن الضوء . أرهف السمع إلي همهمتها الخافتة و هو ينحسر بجسده
داخلها .. ألتقطتْ القرص , أزاحته من بين أنامله فانزلق على الأرض . تشنّج و هو
يراه يدور على البلاط حتى اختفى تحت الدولاب ! ظلّت هناء مطوّقة له , ثم لثمته على
جبهته بلا أى دافع سوى الإشفاق :
" مالهوش لزوم يا
عبده .. خلاص ."
أحسّ بها تتخفف من عناقها له , ارتفعتْ
بقامتها لتطفىء المصباح, قبل أن تستدير تاركةً إياه بين ظَمِء و شَبـِـع .. ما
أسوأ أن ينام المرء مهزوماً !
بكّر فى الصباح التالى , يبدو للوهلة الأولى
نشيطاً , مع أن عينيه تحملان الكثير من اليأس. قام فيما الكل نائم , بحث عن شنطة
قماشية كبيرة , اهتدى إلى واحدة أزاح من عليها التراب , و اتجه إلى الصالون . على
مدخل باب الشقة أصدرت أم عاطف شهقة متفاجئة . كانت قد استيقظت لتوها ,
- إيه الى مصحيك بدرى
يا باشمهندس , و ايه الى ملفوف فى القماش ده ؟
- الساعة أم بندول ..
ظلّت واقفة لا تحرك ساكناً من هول الصدمة ,
لكنه ابتعد عن الباب مشيرا لها باستكمال المهمة:
- شيليها من قدامى ... بتفكرنى بالأيام
الجميلة ..!