السبت، 23 يوليو 2016

لا تخونه الذاكرة عن موعد الغداء , فى الرابعة إلا ربع وقت خروج طاجن البامية من الفرن, بحيث تحمله أم عاطف الخادمة إلى منتصف طاولة الطعام . لا يبدأ عبد الدايم فى الأكل إلا عند جلوس هناء فى المقعد المقابل . لا يتبادلان النظرات إلا إذا احتاج أحدهما الملّاحة أو ملعقة السلاطة من أمام الآخر . يأكلان بهدوء و حذر كأن قرصة الجوع لم تصِبهما و لا ظفرة الشبع ملأت بطونهما أبداً . يفرغ عبد الدايم من طعامه و هو يقول " الحمدلله " , فتتبعه هناء متمتمةً بذات الكلمة حتى و إن لم تفرغ من طعامها بعد .. يتلمس بطنه بثمالة بينما يراقب تنفسه 
مثلما أوصاه الطبيب , ليلتقط أول خيطٍ لضيق التنفس الذى بات يهاجمه منذ عدة أشهر .
 تعود الخادمة لتستبدل الأطباق بصينية عليها كوبى الشاى و البرّاد. لكن صوتاً عنيفا صدرهذه المرة بالقرب منهم , يشبه حشرجة الموتى فى خشونته , يحيل نظر الثلاث فجأة إلى الحائط المقابل, ارتعشت يد أم عاطف فانزلق البرّاد ليفيض بمائه على سطح الصينية . تسرع تلك الأخيرة لتتبين مصدر الصوت , بينما الماء المغلى قد أحال قعر الصينية المعدنى إلى ما يشبه الزجاج , عاكساً على صفحته ما بدا فوقه : وجهان بلا أية ملامح ...
تتبَّع عبد الدايم خطوات أم عاطف بقلق, أما هناء فأطرقتْ إلى وجهها الحزين البادى انعكاسا, و كأنها تصطدم برؤيته للمرة الأولى ! تظهر تقاسيم الوهن على جبينها العابس و قد تهدّلتْ شفتاها حتى صارتا بلون التراب . " ما أقسى ما يخلفه فينا العجز .. و الحزن " هكذا قالت فى نفسها .
 جاء صوت الخادمة العجوز من الصالون و قد بدا عليها الارتباك :
 "باينّها خربت تانى "..       
 هرع عبد الدايم وراءها مغالباً خشونة مفاصله , حتى وجد ما كان يخشى مواجهته منذ فترة , إنها الساعة ذات البندول القابعة فى منتصف الصالون , و تلك تروسها التى شاخت من الصدأ و ما عاد يجدى معها إصلاح .
" ماترميها يا باشمهندس و تشتريلك واحدة شغالة "
قالتها و هى تغالب إحساسها بالإشفاق على رجل قارب الستين يجلس القرفصاء و قد أزاح عن وجهه النظارة ليتبين سبب العطل . حرارة الظهيرة و شمس أغسطس الحارقة , تعطل المروحة منذ أسابيع , كل ذلك أحال وجهه إلى كتلة دموية يغزوها العرق , خلال محاولاته البائسة فى معالجة الصدأ .
 تلك أهم قطعة ينطوى عليها أثاث بيتهما العتيق , فلخمسٍ و عشرين سنة لم يسمح عبد الدايم لأحدٍ آخر أن يلمسها. مُنحت له كهدية فى ختام بعثته إلى الاتحاد السوفيتى , حين كان ضمن الوفد المبعوث للدراسة من قبل كلية الهندسة . كان مقرَراً أن يصبح أستاذا فور عودته , لكن رأيا سياسياً أدلى به صُدفة أمام رئيس الجامعة أحال دون ذلك , فما لبث بعد العودة أن تم استبعاده من هيئة التدريس عنوة . حتى لم يبق له من الهندسة و السفر و التدريس , إلا تلك الساعة ذات البندول الضخم القابعة فى منتصف الصالون !
أويا إلى الفراش بعد مسلسل الساعة التاسعة . لم يطفئا مصباح الغرفة .
" أول مرة من ييجى أربع شهور مش هاسمع دقتها قبل ما أنام "
كان على الأرجح يحدث نفسه . و هى بالفعل لم تجبه بشىء , فقد اعتادا الصمت الطويل . لكن آهةً خفيفة غالبتها و أفلتت من صدرها . حسَبها تقول شيئا , لا لم تكن صامتة كما هى العادة , يستطيع تشبيك حروفها المبتورة بسبب فواصل من التنهدات , ربما قالت هذا فعلاً :
" مش هتبقى أغلى من إللى راح " ..
شعر بسخف ما قال , فأغمض عينيه دون أى رغبةٍ فى النوم .
 كانت هناء شاخصةً فى مرآة صغيرة بين يديها . ظلّت تطرق إلى تلك الهالات السوداء التى اقتنصتْ بياضَ وجهها , و انتابها شعورٌ بأن عيناها السوداويان باتا أغمق من أى وقتٍ مضى. تلصّصتْ على ما يبرز أسفل العنق , نهديها الذابلين , المختبئين وراء سراويل المنزل البالية. كانت تتجنّب ملامستهما. لكن جارتها منذ أيامٍ توسّلت إليها أن ترعى مولودها لحين العودة من العمل . تتذكر كيف ضمًت الرضيع إلى صدرها , تتداعى الذكرى محمّلةً بشتى أنواع الحنين. فحين يموت الابن تجفّ منابع الأمومة , و حين يذبل الجسد تنطفىء الرغبة تدريجياً فى الآخر, و بين كلا الفقدين يتبدد كبرياء الأنثى ..
سمعا صوت كركبة خفيفة تأتى من الخارج , ثم انطفأتْ أنوار البيت اذ لم يبقَ إلا المصباح فوق فراشهما. انتهت أم عاطف من أعمال المنزل و سوف تخلد إلى النوم .. تقلّب عبد الدايم  و أصبح معاكساً لها . يعرف أنها مغرقةً فى أفكارها و لن تلمحه يقبض على قرصٍ أخفاه فى جيب بيجامته . يظل كل ليلة يقلّبه بين أنامله متذكراً تحذير الطبيب , إذا ابتلعتَه سوف تقضى ليلةً نارية, بيد أنه لن يليها صباح !
تطوف بذهنه ذات الخاطرة قبيل النوم , يحدّث نفسه بها و يظل ينتشى بتردد صداها :
"  ..ما أجمل الحياة و أرخصها , لو أنها تنتهى بليلة كهذه "
ظلّها أصبح قريباً فجأة . حجب عنه انعكاس ضوء المصباح فوقهما , فما عاد يرى القرص فى يده . بل أنه شعر بأنفاسها أعلى رأسه على غير ما ما ألِف منذ سنوات . لفّت هناء بذراعيها جسدَه المرتجف . راحت تبحث عن كفه فى الناحية المحتجَبة عن الضوء . أرهف السمع إلي همهمتها الخافتة و هو ينحسر بجسده داخلها .. ألتقطتْ القرص , أزاحته من بين أنامله فانزلق على الأرض . تشنّج و هو يراه يدور على البلاط حتى اختفى تحت الدولاب ! ظلّت هناء مطوّقة له , ثم لثمته على جبهته بلا أى دافع سوى الإشفاق :
" مالهوش لزوم يا عبده .. خلاص ."
أحسّ بها تتخفف من عناقها له , ارتفعتْ بقامتها لتطفىء المصباح, قبل أن تستدير تاركةً إياه بين ظَمِء و شَبـِـع .. ما أسوأ أن ينام المرء مهزوماً !
بكّر فى الصباح التالى , يبدو للوهلة الأولى نشيطاً , مع أن عينيه تحملان الكثير من اليأس. قام فيما الكل نائم , بحث عن شنطة قماشية كبيرة , اهتدى إلى واحدة أزاح من عليها التراب , و اتجه إلى الصالون . على مدخل باب الشقة أصدرت أم عاطف شهقة متفاجئة . كانت قد استيقظت لتوها ,
- إيه الى مصحيك بدرى يا باشمهندس , و ايه الى ملفوف فى القماش ده ؟
- الساعة أم بندول ..
ظلّت واقفة لا تحرك ساكناً من هول الصدمة , لكنه ابتعد عن الباب مشيرا لها باستكمال المهمة:
- شيليها من قدامى ... بتفكرنى بالأيام الجميلة ..! 

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...