الأربعاء، 23 سبتمبر 2015

هاجر - قصة قصيرة -


  

كانت على الأرجح لا تعرفنى , و نظارتها السوداء أخفت أغلب ملامح وجهها, رغم أنها منحتنى انطباعا خافتاً بأنها شديدة الجديّة فيما هى مزمعةٌ أن تقوم به , و الحق أنها بالفعل كانت كذلك .. أشار لها النادل باتجاهى فيما كنتُ أغلق مظروف التبغ لأضعه قريبًا من فنجان ما بعد الظهيرة .. دخان الغليون رسم ستارا رماديًا حال فى بادىء الأمر دون رؤيتى إياها, لكنها اندفعت بعنفٍ تجاهى و كأنها على وشك الانقضاض على فريسةٍ تترصّدها منذ آمد بعيد . وجدُتها تلقى بحقيبة يدها أمامى على الطاولة بحركة مفزعة حتى أن صوت الإرتطام الذى أحدثته جعل رواد الكافيه يلتفتون إلينا من كل ركنٍ يقبعون فيه.

- لماذا قتلتَ هاجر ؟

اطرقتُ قليلا لأسفل و أنا أطلق زفرةً طويلة أتخلص معها من الهلع الذى أحدثته تلك الزائرة . على أية حال حمدتُ الله أن أحدًا لم يسمع سؤالها سواى . جاء صوتها كما توقعته , لا يختلف كثيرا عن ملامح وجهها التى تبين خِلسةً من وراء النظارة . نبرةٌ حادة مثل نصل السكين و تقاسيم وجه ثلاثينى تغزوه صرامةٌ و حزمُ مربيات المدارس الداخلية .. أسندتُ غليونى على طرف الطاولة فيما أتوجه ببصرى من جديد نحوها . قلت :

- لم أقتلها .. كان هذا جزاءا عادلاً لأفعالٍ طوال .


- تسمِى قنصَ الأرواح جزاءًا عادلاً ؟! أى عدلٍ هذا الذى ينبنى فوق تلال الكراهية؟
  أنت تمقتُ هاجر الى الحد الذى جعلك لا تُنهى مأساتك هذه إلا بمقتلها !

فركتُ عيناى و أنا أدعوها بابتسامة هادئة للجلوس فأبتْ , فقط اكتفتْ بخلع النظارة لتفصح عن عينين لم تبرحهما براءةُ الطفولة , تلك التى تسوق شابةَ فى مثل عمرها حتى تفتش عنى بهذا الإصرار.

- ليس من عادتى أن أمقت خليقتى . و لا تنسى يا عزيزتى أن هاجر فى نهاية الأمر إحدى هذه الخليقة !

للحظةٍ نسيتُ , أو لنقل استمتعتُ بتناسى حقيقة هذه المبارزة الدائرة بيننا. كان على الأرجح إمعاناً فى الشعور باللذة التى اجتاحتنى حينها , فتحديدُ مصائر البشر شهوةٌ لا يشبعها سوى الطغاة , أو الروائيين .

قالت بصوتٍ يشى بالثبات :

- أنتَ هدمتَ حلمًا جميلا بعد أن فضّلت التشدق بكبرياء الرجال لتلقى بالمسؤلية كلها على تلك المسكينة التَعِسة . خدعتنا جميعًا بألفاظٍ برّاقة مثلما خُدِعت هاجر من قِبَل رجالٍ دسستهم أنت فى طريقها . رجالٌ يتشدقون بذات الكبرياء الأحمق !

لم أشأ أن أفض النزال الدائر بيننا :

- هاجر كانت تعرف أن مسالك الرذيلة لا تؤدى إلا لهذه النهاية المفجعة ,ثم أنها أسلمت نفسها للموت مرارًا قبل أن أطلقُ يدى عليها . ففى كل مرةٍ كانت تستلقى فى فراش رجلٍ غريب كانت تميت نفسها رويدًا.

قاطعنى صوتها الذى ازداد حدةً :

- لا يا سيدى , تلك كذبةٌ تتقنوها من قديم الأيام . . إن العهر صناعةٌ ذكورية , تقع النساء فى براثنها بفعل رجالٍ طائشين , لا همّ لديهم سوى جلب مزيدٍ من الشر إلى هذه الحياة !

سقطتْ على المقعد المقابل لى كأنها قد تخلصت لتوها من حملٍ يقبض صدرها. استغليتُ لحظات الصمت هذه و طلبتُ لها كوبًا من الليمون. و الحق أنه فيما كانت تزداد شحوبًا أمامى كنت أشعر بموجةٍ عاتية من الكبرياء.

سألتها بتودد فيما ترتشف الليمون :

- ماذا أثار انتباهك فى هاجر ؟ كانت مجردَ ظلٍ عابر لوجوهٍ أخرى يمكنها بالأكثر أن تثير إشفاقك . .


رمقتَنى شذرًا كأنى اقترفت خطيئةً اخرى , يبدو أنها تناست فارق السن الملحوظ بيننا:

- هذا بعينه يا أستاذ ما يثير فضولى , مجرد ظل عابر؟ تنطقها بجسارة ! 
أنت جعلت من هاجر لونًا هامشيًا حتى تنتصر لهذا الساذج الأبله الذى وضعته فى الصدارة . أنت حوّلت الجانى مجنيّا عليه و حكمتَ بالموت على إمرأةٍ بريئة.

كنت فى قرارة نفسى أغطّ فى السعادة لوجود هذا النوع من القرّاء الذين يتعاملون مع شخوص رواياتى بانفعالية الأطفال. أستطيع الآن أن أفهم كيف أظهر القراء امتعاضهم ذات يومٍ لموت شارلوك هولمز, مما حدا بكاتبه لأن يحييه مرةً أخرى . و كيف أمكن كسر السبت فى تل أبيب حتى يتلقف قرّاء هارى بوتر معشوقَهم من على أرفف المكتبات فور وصوله .

بدأ الهدوء يتلمس أوصالَها تدريجيًا , أطرقتْ و هى تقول :

- ربعمائة و خمس و ستين صفحة .. مفتتح الرواية يشى بتمكن كاتبها , و يدفع القارىء دفعًا لاستكمالها . أسلوبك أسرنى و لم يدعنى أهادنه . شابٌ دون الثلاثين يعيش منعّمًا مترفًا , تواضعتْ كل أمنياته حتى صار يقبض عليها بكفٍ واحد , يجرفه أصحابه المترفين المنعّمين أمثاله الى هوة المخدرات , تسوقه شهوته الماجنة إلى أيدى شُلة من بائعات الهوى الذين يسكنون معًا فى حى ناءٍ من أطراف القاهرة, و من بينهم هاجر , التى أغدق عليها أموالاً فأعادتها له لذةً لم يحلم بها ... بالله عليك, انظر أى منهما سعى كأفعى سامّـة نحو الآخر؟ تسميها بائعة هوى و تجازيها على ذلك ؟ بيد أنك نسيت من هو المُشترى!
  
قلت لها بنبرةٍ واثقة :
- تجنُبْ سم الأفعى لا ينفى وجوده ! فإن لم تلدغ بطلَ روايتى فمؤكد كانت ستبحث عن غيرِه .

صدرتْ ضحكةٌ فاترة من بين شفتيها , كأنما تتوعدنى بكشف اللُعبة :

- أعرف طفلًا دبّ إصبعه فى مِفتاح النور ثم سبّ الكهرباء لأنها صعقته أظنَّـك تعرفه الآن ! - تضحكْ من جديد - أنتم تجيدون لَعِب دور الضحية.

- و أين الخطأ فى كل هذا ؟ سألتُها و أنا أزيد من ملامح الجدية البادية على وجهى.

- هذا بعينه ماجئتُ لأقوله لك يا سيدى الكاتب , و هذا ما سيجعلك تقضى ليلتك القادمة تستغفر لما اقترفه قلمُك ظلمًا فى حق هاجر .
اعتدلتُ فى جلستى و أنا أمعن فى الانتباه لما هى مزمعةٌ أن تقول .على صغر سنها تبدو فى غاية الثقة , أو النرجسية . تلك الفتاة التى ستقاسمنى على ما يبدو استراحة ما بعد الظهيرة.

أوليتُ لها نصف ابتسامةٍ لتستمر فى الحديث :

- بينما كان بطل روايتك المزعوم يتعثر فى فتح زجاجة الويسكى, أفردتْ هاجر فى الحديث عن حياتها الماضية , نشأتها , أفراد عائلتها الذين تفنّـن كلٌ منهم فى تظليم جانبٍ من طفولتها كان مقدرٌ له أن يكون بريئًا , أبناء عمومتها الصغار الذين أصبحوا مسؤلين منها ... تفاصيل لا أعلم إن كنتَ مدركًا بذكرك إياها أنها أحالت جميع شخوصك الأُخَر إلى جناةٍ مغرَقين فى السطحية لا يثيرون إلى 
جوارها ذرةً من الإشفاق!

قاطعتُها ضاحكاً :

- هذه حيلةٌ تتقنها العاهرات يا صغيرتى ! - اعتدلتُ فى جلستى بينما يحمل النادل فنجانى الفارغ - الذين يختبرون الحياة يدركون كم هى مليئة بالمدّعين .هؤلاء يتفنّنْ فى الولوج إلى قلبِ الزبون من باب الاستعطاف, حيلةٌ تجدى فى الليالى التى تتطلّب إضفاء مِسحة من الشجن .

تبتسم , و هى تحيل نظرها بعيداً عنى :

- تبدو متمرسًا فى فهم أجواء روايتك .. لكن الحرص لا يقينا دائمًا من الوقوع فى الخطأ! إنك أزدتَ من صفحات روايتك بتفاصيل عن الأنثى لا تعرف حقيقتها. إن أصدق الأقوال هى التى نبوحُ بها يا عزيزى حين لا يكون لدينا ما نفقده أمام الآخر !

رشفتْ رشفةً من الليمون و أردفتْ :

- ظننتُكَ ستكون منصفاً لها . أقصد بعد أن جعلتها تبوح بماضيها التَعِس .. 

- لم تكن هى محور الرواية على أية حال .

واصلتْ كأنها لم تسمعنى , كانت مُطرقةً إلى حدٍ بعيد كأن مَلَكًا من السماء يملى عليها ما تقول :

- ظننتُ ذلك تمهيدًا لطرحٍ جديد لا يستوعبه مجتمعكم العقيم ... تمنيتُ لو أنك تكتب بحياد الأدباء لا بعجرفة الرجال. لكن انحيازك الذكورى وأد ذلك الأمل ... تُـقـتَــل هاجرعلى يد أحد المخمورين من رواد الشقة , فيُتهم بطلك ظلمًا فى مقتلها, و يفلت بشكلٍ معجزى من حبل المشنقة, فيكون ذلك كلسعةِ السوط التى تعيده إلى ما كان عليه من الفضيلة . يا لها من نهاية بخسة !

- لست أفهم سر غضبك من ذلك ؟ النهاية جاءت فى صالح شابٍ يحتاج فرصةً جديدة .. هذه إحدى مهام الأدب لو تعرفى .

- أنت انتصرت للرجل دون المرأة !

- لم يحدث ! لستُ عنصريًا كما تظنين .

- بلى قد حدث بالفعل ! فالذى دخل بإرادته عالم الفجور من أبواب التَرَف قد خرج منها و لم يمسّه سوء , أما التى سِيقت إلى هذا العالم الآثم من أزقة العوز و الفقر قد بخلتَ عليها حتى بفرصةٍ جديدة للحياة !

قرّبتُ مبسمَ الغليون من شفتىّ و أنا أتمتم :
- أسلوبكِ فى النقاش يعجبنى , إذا قُدِّر لكِ أن تكتبى روايةً فبالتأكيد سأكون شغوفًا 
بقرائتها.

لم يرُق لها إطرائى على ما يبدو , مع أنى كنت صادقًا , فتقاسيم وجهها لم تفصح عن تغيّر فى موقفها , فقط تبدو أقل إنفعاليةً عن وقت دخولها .

أشعلتْ سيجارة و استأتفت : 

- هل يمكن لى أن أسألك سؤالًا ؟

اومأتُ لها بابتسامةٍ أنى موافق .

- لماذا تخشون الكتابة عن العاهرة ؟

- من نحن ؟

- الرجال.

- لم أفهم سؤالِك .

- خِفتَ أن تقدمَ لها معالجةً حقيقية فى قصتك , كما خاف بطلُــك أن يعترف بعلاقته بها! فلما حاولتْ البوح بما تحمله فى قلبها , أشار لها بطلك بأن تستلقى مباعدةً ما بين فخذيها , و كانت هذه إشارةً ضمنيةً منه حتى تسكتْ .. كذلك أنت, لم تجرؤ على بسط مساحة كافية لإبرازِ مأساتها , و حين نغّصَتْ عليك حبكةَ الرواية عمدّتَ إلى إسكاتها أيضًا , و لكن هذه المرة إلى الأبد ... 

كنتُ مذهولا إلى درجةٍ لا أستوعبها ! و أعترفُ , بعد دهر مضى على محادثتنا هذه, لم أنسَ تلك القارئة أبداً .

ظللتُ صامتًا هذه المرّة . و استكملتْ هى : 

- ليس لدىّ شيءٌ آخر لأضيفه , جِئتُ لأقول لكَ كم هى معقدةٌ و شائكةٌ تلك النفس التى 
نحويها فى دواخلنا .. إذا كتبتَ جديداً فقط عليكَ التمهل فى إصدار الأحكام على البشر, أنت لا تعرفُ كم تدفعنا الحياة إلى أشياءٍ دنيئة ! 

 صمتى و ابتسامتها الواثقة ... لم أزِد حرفًا .

مع دقّة الساعة السادسة أطفأتْ سيجارتها , وضعتْ ورقةً من النقود على الطاولة مقابل الليمون و أحكمتْ غلق حقيبة يدها . نظرتْ لى و ابتسمتْ ابتسامةً مريحة و هادئة . أعادت ارتداء نظارتها السوداء , ثم انطلقت فى هدوء ..                                

عند باب الكافيه و قبل أن تخرج تذكرتُ أنى لم أعرف اسمها . قمتُ واقفاً و أنا أصيح كيما ألحق بها.

- لم أعرف اسمكِ يا آنسة , كنتِ جادّة إلى الحد الذى لم يسمح بالتعارف . ما اسمكِ؟

توقفتْ عند باب الخروج و استدارتْ ناحيتى , تسلل شعاع الغروبِ عبر الباب نصف المفتوح ليكمل استدارة وجهها . شعرتُ أنها تنتظر سؤالى , ابتسامتها تزداد وضوحًا , أجابتْ فى نبرةٍ خافتة :

- هاجر !
***
مارك كاسترو

22/9/2015




الأحد، 9 أغسطس 2015

المسيحيون فى بلادنا (1)


عانت الكنيسة المصرية على امتداد تاريخها من محاولات متعددة لإقصائها عن الحياة العامة و حصرها فى إطار ضيق يفقدها جوهر وجوديتها كمكونٍ رئيس فى نسيج الوطن. ثم ما لبثت، مع تكرار تلك المحاولات بصورٍ شتى إما بالقمع أو بالضغط على رئاساتها الروحية ، أن أصبحت تلك العزلةُ متأصلةً فى وجدان الشعب القبطى، بحيث صار بطبعه مؤثرا لتلك الحدود التى تفصله بشده عن غير المسيحيين فى بلاده . بمعنى أدق؛ كانت سلوكاً استثنائيا حيال ظرفٍ ما ثم باتت طبيعةً متأصلةً فى صميم شخصياتنا . إذ أن الكنيسة القبطية ، بدافعٍ من الحفاظ على وجودها و الخوف من سطوة تيارات "ذوى اللحى" التى أخذت فى التنامى منذ مطلع السبعينيات ، قد سيّجت على بنيها بحيث تقلّص مع كل أسفٍ أىُ نشاط ملحوظٍ لهم يبرهن على انخراطهم الفعلىّ فى هيكل الوطن . و ها نحن ، نصل إلى النصف الثانى من العام ٢٠١٥ ، و قد أصبحنا أمةً بداخل أمة ، و مجتمعا مصغراً محكم الغلق داخل مجتمعٍ كبير يؤمن " نظرياً " بقبول الآخر !

على الكنيسة و الدولة أن يبدئا فى البحث عن نقطةٍ جيدة للتلاقى ، لقد حان الوقت أن تفتح الدولة ذراعيها لتقبل الجميع كأعضاء عاملة برغم اختلافاتها. كما أظن أنه قد بزغ الأوان لأن تُبنى الكنائس بلا أسوار ...  
على كنيستنا أن تعى أن حماية التراث الدينى لن تتأتى إلا ببناء جسورٍ جديدة و قوية مع الحاضر! و على حكوماتنا أن تدرك أنه ما عاد لها خيارٌ آخر إلا أن تسعى لضم الأقباط بصورة جد عملية داخل نسيجها الذى بات مهترئا بفعل الفرقة . إن العزلة التى كان لزامًا علي المسيحيين أن يدرجوا تحت ظلالها كحَلٍ جبرى مُحَركه الخوف و مبتغاه بلوغ أمان مفتقد لكنائسهم و بيوتهم قد صارت هى الفاصل القمىء الذى يَجُزّ اليوم أى بادرة للامتزاج المجتمعى من جديد .
فنحن شعوبٌ أتقنت فن إدعاء الكمال ، ذاك الذى نحن أبعد ما نكون عنه فى الوقت الراهن !

ربما يملك آخرون المعرفة الكافية لنقد سياسة الثلاثين عاما الماضية من عمر الوطن ، و هذا ما أتركه كمجال نقاشٍ وجب على أكثر من فئة المشاركة فيه.. ما يهمنى هو التركيز على دور الكنيسة ذاتها فى الخروج من الأزمة .
إن استعادة الدور و الوضع الطبيعيين لأى مؤسسة تنشد تغييرا حقيقيا فى وضعها المجتمعى لابد أن يسبقها ما أسميه ب(التحرر المنضبط) . 

أو هو التحرر الذى يضمن إمكانية الاختلاط و التفاعل اللازم مع المجتمع ، بالشكل و الوتيرة التى تضمن فى ذات الوقت الحفاظ على الهوية القبطية التى طالما دافع عنها المسيحيون لقرونٍ طوال. ليتنا نعترف بأن الاختباء وراء أستار من العزلة بمدعاة الحفاظ على هويتنا قد يؤدى الى طمس تلك الهوية من الأساس! و الشاهد هو : إما أن تتسلم الأجيال القادمة كنيسةً معاصرة ، واعية لمتغيرات الزمن ، و قادرة على إحداث تأثير قوى داخل الوطن .و إما أن يتبعثر ميراث الأجداد بلا رجعة . هذا الوضع يشبه بالضبط من ورثوا كنزاً ثميناً دون أن يتسلموا معه مفتاح هذا الكنز! بالفعل نمتلك كنزاً و لكننا مع كل الأسف نجهل استثماره .

و حتى لا أسهب فى الحديث، أقول أن الخروج الى النور لابد أن يرتكز مبدئياً على اساسين : الأساس الإجتماعى و الآخر الفكرى . 

فيما يخص الجانب الإجتماعى ؛ فقد عاصرتُ الكنيسةَ و هى تُغلق على نفسها الأبواب و الأقفال بمتاريس لا تقل صلابةً عن القوة التى أطاحها بها المدّ الوهابى فى مصر حتى اخضعها لذلك الوضع من الانطواء . حتى تحولت كنائسنا إلى أماكن للصلاة ، و منافذ لبيع المنتجات الغذائية التى تأتى من الأديرة الأرثوذكسية ، و ملاعب رياضية لضم الشباب المسيحى داخل دوريات و مسابقات تحاكى ما يحدث فى الأندية و المراكز ، كذلك قاعات للمحاضرات و خدمات الكلمة و ربما ساهمت فى بعض الأحيان كمراكز بديلة لدروس التقوية الدراسية للطلاب المسيحيين المتعثرين فى بعض المواد .ثم مكاتب لتوفير فرص عمل لدى رجال الأعمال الأقباط . كما تنظم مجالس إدارات الكنائس قوافل مجانية تنطلق الى نجوع الوطن للتخفيف من آلام فقراء المسيحيين الذين طوّح بهم القدر الى مناطق نائية تعجز أيدى العون عن أن تصل إليه .

 بكل  هذا و ربما أكثر ، كونّا مجتمعنا الصغير داخل المحيط الكنسى، بعدما أبى المحيط الأوسع أن يضمنا بالشكل الصحى . . ففى كلمة : رفضونا ، فدخلنا و صلينا لهم من الداخل ! 
و لأنى أوجه هذا المقال الى الكنيسة فسأفترض أن العلاج سيأتى من الداخل ، لذلك على الكنيسة أن تبادر بعقد اواصر الصلة من جديد مع الواقع من حولها ، فعلى المسيحيين أن يشعروا أن مصيرهم مرتبط جذريا مع كل أبناء الشعب. و لن يتأتى ذلك الا بانخراط الشباب القبطى فى كل الأنشطة الاجتماعية منها و السياسية و حتى الرياضية ؛ (* لا يوجد مسيحي واحد فى الدورى المصرى بأكمله ! ) .. حتى يتثنى للجميع
أن يعرفونا كما نحن و ليس كما يقال عنا. فما أسوأ أن تعيش بين قوم لا يعرفونك كيفما تتمنى أن تكون تلك المعرفة !
 قوم لا يعرفون على وجه الدقة بكم إله تؤمن ! كيف تحيا فى بلدٍ يلتبسون حتى فى تسميتك ، فهل أنت مسيحى عندهم أم قبطى أم 
نصرانى أم من أهل الذمة ؟
تلك الفاجعة التى اكتشفتها و أنا لازلت فى طور الشباب ، أننا مجهولون فى بلادنا رغم أننا نملأ كل أرجائها ! 
هذا فيما يتعلق بالجانب الأول ، ألا و هو الإجتماعى ، أما الجانب الفكرى فإنى أراه كفيلاً بأن يملأ مقالاً بأكمله وليس ما يتسع لإداراجه هنا لذا أفضل أن أستكمله فى المقال القادم إن شاء الله . 


الجمعة، 10 يوليو 2015

" طيور لم تحلق بعد " ( الجزء الثانى و الأخير )


و هذا ما كتبته السيدة فريدة فى أول جلسة مساندة نفسية مشتركة :

اسمى فريدة كمال ابراهيم , من مواليد القاهرة 1943 , احدى اللائى رأين مصر حين كانت وطنا يسكنه الآدميون . يتهمنى ابنائى انى مصابة بالزهايمر , و أرد تهمتهم بأنهم مصابون بالجهل .. الذين شهدوا الحياة على هذه الأرض قبل خمسين عاما أو أكثر بالتأكيد سيكونون اكثر شقاءا ممن عرفوها كما هى الآن .

نشأتُ فى حى الزمالك و قضيت به معظم سنى شبابى , فقط شهور الصيف كنا نقضيها فى فيلا الاسكندرية .. كان أبى تاجرا , التجار فى ذلك الزمان كانوا اشبه بالرُحّل , زرت معه أغلب بقاع اوروبا و عرفت اصدقاءا من كل مكان حطينا اليه الرحال . أغلب منتزهاتنا بالقاهرة كانت مناصفة بين شارع عادلى بوسط البلد أو ذهابا الى حى الكوربة .

جاء أبى بجرامافون أيطالى بحواف مذهبة و معه اسطوانات فخيمة ل" اديث بياف " , اعظم صوت نسائى سُمع على مسارح باريس . اجتماعنا المسائى المعتاد بالشرفة المطلة على حديقة التوت , انا و أمى و أبى , نجلس فى اصغاء لتلك الألحان الشجية و الأصوات العذبة المنبعثة ...

اخبرنى أبى انه عايش اليهود قبل ان يرحلوا عن بلادنا , كان يقول ان ما كان يجمعنا اكبر جدا مما فرّقنا ..

رأيتُ شوارع الأحياء الراقية و هى تتسع للجميع , و محال الملابس و هى تعرض الصيحات الأوروبية فور نزولها . تربينا على قواعد الاتيكيت التى علّمتنا الذوق فى كل تفصيلة من تفاصيل يومنا .. 
باختصار , رأيتُ وطنا غير ذاك الذى تعيشون فيه , و تلك هى المشكلة ..

آل كل شىء تدريجيا الى الزوال , كأن السماء قد لعنت تلك البقعةَ من الأرض . زاد البشر , وقلّت الأخلاق .. تحولت خيرات الأرض الى أوعية تحوى كيماويات تنحر فى اجسادنا . فقد كل شىء مذاقه الذى اعتدنا عليه .. اصبحتُ امقت كل ما حولى , و من حولى . اشكال الناس , طريقة كلامهم , مفرداتهم , الوان ملابسهم , صوت موسيقاهم الفجة , كل شىء .. تحولت بونجور يا هانم الى سلام عليكم يا حاجة .. و هذا كافٍ !

كنت اسير بمفردى منذ أشهر فمرّ بجانبى شاب من دور ابنائى , له لحية طويلة و ملامح غليظة , اعترض طريقى و قال فى تبجح : اتحجبى يا مَرة بدل ما انتِ معرية شعرك كده , طب ده انتِ حتى يومين و هتقابلى ربك "

بكيتُ كما لم اظن ان ابكى هكذا من قبل , و عاهدت نفسى ألا اسير وحدى مطلقا ...


* * *

و هذا ما كتبته الهام فى أول جلسة مساندة نفسية مشتركة :

اسمى الهام السيد محمد , من مواليد الزقازيق1980 , اكملت تعليمى الثانوى بمدرسة فى شبرا الخيمة بعد ان انتقل بى عمى و أسرته الى القاهرة . قال لى ان ابى يعمل بالخليج علشان يجيب لى فلوس .. كان فاكرنى بريالة !

اكتشفت بعد فترة ان ابويا واخد تأبيده لتجارته فى المخدرات ..

 أما أمى فقد فضلت أن تبدأ صفحة جديدة من حياتها , تزوجت و عاشت فى الاسكندرية و لم تأتِ لزيارتنا ابدا ..
لا أذكر أن دعانى احدٌ للصلاة طوال فترة طفولتى , و لا عمرى حضرت درسا دينيا . كنت أستهزىء دائما بمن يصوم رمضان . عشتُ فى بيتٍ لا يُذكر فيه اسم الله الا لما يحلفوا .. و غالبا كان بيبقى كذب .

آسفة على الى باكتبه ده لكن للأسف مفيش فى حياتى حاجة تانية مشرفة اقدر اشارك بيها ..

أول سيجارة كانت فى الاعدادية , لكن بعد كده بطلتها اه .. لكن قلت اجرب النوع الى ابويا هيقضى بقية عمره فى السجن بسببه ..
اول بوسة  كانت فى آخر سنة فى المدرسة , مكانتش عن حب طبعا , لكن على سبيل التجربة .  من الآخر,  بوسة جابت التانية لحد ما بقت شغلانة بعد اليوم الدراسى , شغلانة و لها رزقها و زباينها , و لها كمان اماكنها فى الحوارى الى حوالين المدرسة .

التفاصيل حكاويها بتتعبنى , باحس انها معلّمة فى كل مكان فى جسمى , الشىء الوحيد المشترك ما بين كل الشباب الى عرفتهم فى الفترة دى هو السرعة , السرعة فى البحث عنى ما بين الحوارى كأنى اسورة الماظ ملهاش صاحب , و السرعة فى التخلص منى بعد ما الموضوع ينتهى كأنى لفافة بانجو !

كانت هواية لحد ما بقت فعلا شغلانة و مصدر رزق ..
 دى أسهل مهنة ممكن تروج لها من غير مجهود . أنت السلعة و انت البيّاع .. اصل الذكاء هو استغلالك الصح لنقطة ضعف الى قدامك !

انا باكره الرجالة , و بالرغم من كده انا الى باجرى وراهم , و عشان كده أنا باكره نفسى لأنى ضعيفة قدامهم .. هما شايفنى جميلة , و انا بأقرف لما باشوف نفسى فى المراية .

انا مش عارفة انا ازاى باكتب الكلام ده لكن اوقات الفضفضة بتريّح ..

* * *

و هذا ما كتبه يوسف فى اول جلسة مساندة نفسية مشتركة :

اسمى يوسف عطية حليم , مولود بالقاهرة سنة 1994 . اعرف ان مظهرى يشى بالبلاهة و يثير السخرية و ليس هناك داعٍ لانكار تلك الحقيقة او حتى محاولة التخفيف من وطأتها على نفسى.   نعم ,اعتدت على مثل ذلك التعامل من كل من يرانى . أصبحت كلماتهم البذيئة التى تصف ملابسى العتيقة و حركاتى العصبية البليدة نشيدا يوميا آلفت سماعه ممن حولى ممتزجا بضحكاتهم الساخرة.
 بقى أن تعرفوا أن هذا السلوك تجاهى لم يحيلنى كائنا ماقتا على من حولى كما يمكن الظن , على العكس تماما, كل العذر للبشر ماداموا غير قادرين على معرفة ما يحمله القلب ..

كنت الأول على الجمهورية فى الثانوية العامة , كما كنت دائما فى كل سنوات دراستى.
 لم اعرف طريقا آخر سوى طريقىّ المنزل و المدرسة , و لما غادرتها استبدلت طريقها بطريق كلية الطب . كنت احلم ان اصير فنانا , فصرت مهووسا كما تروننى !

 رفض ابى الا أن يرانى طبيبا , أرغمنى أن أستبدل الفرشاة و ألوان الزيت بالبالطو الأبيض . وافقت مرغما لأن القرار عادة ما يكون فى يد الأكثر شجاعة على التعبيرعن موقفه .. عاملنى بقسوة كيما اصير شديدا فى حياتى , فصرت اضعف الضعفاء ..

يمكن للآباء ان يشكلوا حياة بنيهم كيفما يشاءون , بشرط ان يتحملوا بكل الرضا نتيجة ما زرعوه . على الصانع تحمل شكاوى المستخدمين !

رآنى ابى ذات يوم عائدا عقب انتهاء محاضراتى , استقليت المترو , أنا و فتاة من دفعتى كنت معجبا بها منذ شهور , تجرأتُ عارضًا عليها توصيلها فى ذلك اليوم , علّنى أستجمع شجاعة المواجهة فأفضى لها بما فى قلبى , او ما كان ..
أمسكت بأطراف أناملها و نحن على رصيف المترو بعد نزولنا , نظرت لى بدهشة لا تخلو من الفرح , او الترقّب . لحظتها شعرت أنى لازلت كائناً مرغوباً فيه و يمكن له ان يختار بملء ارادته و أن يحب دون خجل . اشتبكت يدانا و قد ارتسمت على شفاهنا بسمة استقرت فى عمق وجداننا.. 

كافيةٌ هى تلك اللحظة لتكفكف عنى آلام الحاضر ..

كفٌ انطبق على خدى بعنف شديد ليعيدنى الى ذكريات العقاب فى المدرسة الابتدائية . كان أبى , و تلك كانت يده .. تذكار تلك اللحظة يدغدغ رأسى . سمعتُ صوته غليظا آتيا من وراء طرقعة أصابعه على فكّى .
" سايب كليتك و مستقبلك فى كلية الطب و رايح تتصرمح مع النسوان !! " 

لطمنى ابى و انا شاب جامعى بكلية قمة على رصيف المترو و وسط حشد من الناس و امام الفتاة التى احبها ..

 هوت نظارتى ارضا من فرط ارتطام يده حتى استقرت بالقرب من كاحلى. اندفعتْ دموعى فى مقلتىّ كحركة لاارادية مما أفقدنى القدرة على تمييز الوجوه من حولى . فقط عطرُها الذى كنت اشتمّه ملء رئتاى منذ لحظات بدأ يتلاشى كأنه ذكرى عابرة داستها الأيام ..
 لماذا كان عليها ان تنتظر بعد ما حدث امامها ؟ هذه احدى المواقف التى لا تتطلب الكثير من الوقت قبل اتخاذ القرار بالرحيل , او الفرار !
يكفى هذا ...
* * *

رمقهم الدكتور فهمى من وراء النافذة و هم فى طريقم الى البوابة الخارجية للعمارة , ثلاثة اجساد تتكىء على بعضها .. من الصعب التنبؤ بفترة العلاج و لكن يمكن بشىء من التمرس معرفة ما اذا كان المريض يسير فى درب التعافى أم لا . و قال فى نفسه انه على الأقل فازت السيدة فريدة اليوم بأربع ايادٍ اضافية بمقدورها أن تتعكز عليها كيما تعبر الطريق . بينما ستكون هذه احدى المرات القلائل لالهام التى تقدم فيها مساعدة لأحدٍ دونما ثمن ! 
كان قلقا بشأن يوسف , الى أن رآه على امتداد البصر يدور من وراء السيدتين فيقف فى الجهة المقابلة لاندفاع السيارات ملوحا بيده ليهىء لهما طريق العبور ..

دوّن الطبيب تلك الملاحظة :
" التغيرات البسيطة , مع استمراريتها , هى التى تقودنا دائما الى النهايات العظيمة"


( تمت )


عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...