الثلاثاء، 8 أبريل 2025

محاربٌ يضحك فى المعركة (قصة قصيرة)

 

جرى ذلك اللقاء عشية يوم الجمعة العظيمة من أسبوع آلامِ ربِنا و مخلصِنا يسوع المسيح، حين أدرك الراهبُ الشاب سَرجيوس بعد عناءٍ شديد صومعةَ أبيه الروحى و أب رهبان صحراء مصر، الأب إبراهيم القلمونى، المُلقّب بين تلاميذه النُسّاك بـشيخ المتوحدين، نظراً لاعتكافه بعيداً عن بقية الرهبان منذ نصف قرنٍ على أقل تقدير، إذ اتخذ مغارةً صغيرة بين الجبال يصعب الاهتداء إليها بغير مشقة. لم يره الكثير من الرهبان الجدد لأنه كان قليل النزول إلى الدير خاصةً فى السنوات الأخيرة، لأسبابٍ تتعلق بالشيخوخة.

حين وقف الراهب الشاب أمام باب المغارة الموصد كاد يقع أرضاً من شدة الرهبة و الفرح المشوبَين بإجهاد السير بين الجبال المتشابهة، بحثاً عن موطىء أقدام أبيه الروحى.. و جرياً على العادات النُسكيّة و لكيما يُخبر الشيخَ المتوحد بقدومِه التقط حجرين صغيرين و أحدث صوتاً خفيضاً بجعلهما يرتطمان ببعضهما. كان يعرف من إخوته بالدير أن الأب إبراهيم كثيراً ما رفض استقبال زواره لاسيما فى أيام الصوم الأربعينى، حيث تتضاعف جهاداته الروحية بما لا يسمح له بالحديث مع أحد و لو بقليل الكلمات.

انتظر بضع دقائق دونما استجابة.. قال فى نفسِه: و لو قضيتُ أسبوعاً كاملاً أمام الحجر الموصد الذى يفصلنى عنه فلن أبرح.. لن أعود فتفترسنى أفكارى من جديد! سأبقى كما بقي أنطونيوس العظيم أمام مغارة بولا السائح قائلاً له لن أعود أدراجى حتى أراك، و لو صرتُ جثةً أمام بابك..!

أعاد الطرق باستخدام الحَجَرين مراراً حتى سمع صوت نعلٍ جلدىّ يحتك بالأرض الحجرية اقتراباً، فرجف قلبُه توقاً لرؤية أب آباء البريّة.

- مَن بالخارج ؟

- ابنك سَرجيوس يا أبتى.. جِئتُ إليك طلباً للمشورة بعدما أذلّنى الشيطان...

تحرّك الحجرُ الثقيلُ قليلاً بما يسمح بمرور شخصٍ واحد. دخل الشاب فى عتمة الردهة التى لا ينيرها إلا قنديلٌ صغيرٌ فى كوةٍ مرتفعة قليلاً، كان كافياً ليرى الراهبُ من خلاله وجهَ أبيه الصبوح لأول مرة، الذى لم تُزِده الشيخوخةُ إلا بهاءً، بطول قامته الملحوظ و لحيته البيضاء النازلة حتى صدره، وعينيه الوديعتين اللتين لا تخلوان من الحزم.

لم يتمالك الراهب نفسَه فسقط عند قدميه راغباً فى تقبيلهما، لكنه فوجىء بيدَىّ الشيخ العفيّتين تمنعانه، و حين التقت أعينهما عن قربٍ تحت ضوء القنديل حدّق فيه الأب إبراهيم يتفحّص ملامحَ وجهِه المنهكة بعد طول طواف.

ثم قال له:

عيناك تُنبئان بكل شىء، لا يترك راهبٌ ديرَه فى الأسبوع الأقدس إلا إذا صارت الحربُ غير محتملة!

- أنا على وشك الهزيمة يا أبتى...

ارتفع الشيخُ بجذعِه الذى مايزال محتفظاً باستقامته مثل شجرةٍ ترفض الرضوخ للريح، و سار نحو الجهة المقابلة الشاب و هو يسأله:

- كم من السنين لك فى الرهبنة؟

- ست سنواتِ.. تركتُ كل شىء لأتبع المخَلِّص.. كل شىء.. الزيجة و إنجاب الأبناء و العمل، و لم أدخل الدير إلا بعدما تأكدتُ أن جميع تلك الأمور ميتةٌ فى قلبي بغير قيامة..

استدار الأب إبراهيم مجدداً و قد أمسك بصحنٍ نحاسي يمتلىْ بالماء، ثم عاد ليجلس القرفصاء عند أقدام الشاب و قال له:

- ناولنى قدميك المتعبتَين من الطريق..

ارتجف الشاب:

- هذا مُحال! كيف لأب الرهبان جميعاً أن يغسل قدمىّ أنا الخاطىء...

نظر له الشيخ بحزمٍ، ثم قال له و هو يساعدته فى خلع نعليه:

- لستُ أعظم من سيدى*...

حين وضع  سرجيوس قدميه فى الماء البارد شعر براحةٍ تسرى فى كامل جسدِه بعد يومٍ طويل من المشقة.. لم يحتمل النظر إلى أبيه الروحى، فدفن وجهَه فى كُم جلبابه.

- الآن تستطيع الحديث..

قالها الشيخُ و هو يحمل صحنَ الماءِ بعيداً، قبل أن يعود فيجلس أرضاً إلى جوار ضيفه الشاب.

- لى شهورٌ طويلة لا تفارقنى حروبُ الجسد، منذ أن أقوم للصلاة مع الأخوة، و إلى أن أعود مجدداً إلى قلايتى*.. إنها تحاربنى فى صحوى و فى منامى، فلا تتركنى مهما شُغِلتُ عنها بأعمال الدير.. أحملها فى رأسي كما يحمل المرءُ جرّة ماءٍ ساخن فوق كتفيه، كلما تحرك تقاطرت عليه حتى ألهبتْ جسدَه...

توقف الشاب لينظر وجهَ أبيه الروحى الذى ظل مُطرِقاً نحوه فى هدوء، و لما لم يجد فيه رغبةً فى مقاطعته استرسل فى الحديث:

- كلما اشتدتْ الحرب أرغمتُ نفسي على مزيدٍ من الجهاد، ضاعفتُ صلواتى، لاسيما  الميطانيات*، حتى أوشكتْ ركبتاى على التمزّق.. عاهدتُ الربَّ ألا أنظر إلى أي امرأةٍ حتى آخر حياتى.. و إذا حدث و رأيتُ طيف واحدةٍ من النساء فى طريقي أسرعتُ الخُطَى مبتعداً حتى لا ألمس حتى ظِلّها.. أزدتُ من صومى حتى أنى صرتُ لا آكل إلا مرتين فى الأسبوع! نَحُلَ جسدى، لكن أفكارى بقيت على ما بها من الدنس..!

 اغرورقتْ عينا الشاب بالدموع حتى أخفض رأسَه و هو يكمل يُقطّعه النحيب:

- لكنى ما ألبَث أن أغفل حتى تهزمنى أحلامى بغير رحمة... مع أن لى شهرين أنام دون أن أتمدد على فراش، بل إنى أبقي فى وضع القرفصاء طيلة الليل، إذ قرأتُ فى البستان* أن بذلك نجا الكثيرُ من الآباء من هجمات الشرير..

ثم أردف و هو يحاول تجفيف دموعه بحركةٍ عصبية:

- لقد كتبتُ و حفظتُ أيضاً قول أنطونيوس الكبير: " كما ينبغى للراهب أن يهرب من النار حتى لا تحترق ثيابُه، هكذا يجب أن يهرب من المرأة حتى لا يحترق قلبُه بالشهوة" ...

ظل الأب إبراهيم يستمع إليه فى هدوءٍ و قد خفَض بصرَه قليلاً نحو الأرض.. ظل يُرهِف السمع إلى نشيج ضيفِه المتألّم، ثم رفع عينيه نحوه أخيراً و نطق بكلماتٍ قليلة:

- يخيّل إلىّ أنك قرأت عبارة أنطونيوس بعينٍ واحدة!

قال الشاب بيأسٍ:

- إنى لا أبرح القراءةَ فى كتب النُسّاك، لكن اليأسَ و الخزى يتملكاننى إزاء تلك النجاسات.. جئتُ طالباً إرشادك بآخر ما فىّ من قوة...

مسّ الأب إبراهيم لحيتَه البيضاء قبل أن ينظر فى عينيه مباشرةً و على شفتيه ارتسمتْ بسمةٌ هادئة حذرة، ثم قال له:

- الأمر يبدو بسيطاً للغاية. . .  تزوَّج!

ارتجف سرجيوس غير مصدّق و سارت الرعدةُ فى جسده من الرأس إلى القدمين، و تمنى أن يكون قد أخطأ السمع، أو أن يخبره الشيخ بأنها كانت مزحة، لكنه رأى أباه الروحى  يعتدل فى جِلسته و يُمسك ببعض أعواد الخوص ليعيد ترتيبها، كما لو أن لا نيّةً لديه لقول المزيد!

مرّت لحظاتٌ من الصمت المؤلم القاسي، يحملق الشاب فى أبيه الذى راح يستكمل عملَه اليدوى فى هدوء. سأله فى ذهولٍ:

- أتريدنى أن أعود إلى العالم.. يا أبى ؟!

لم يتوقف الأب إبراهيم عن العمل بل ظل ممسِكاً بأعواد الخوص يُمحّصها بنظرِه، ثم قال دون أن يلتفت إليه:

- إنك لم تبرحه بعد إلى الآن..!

- لقد تركتُ كلَ شىء غير آسفٍ عليه يا أبي.. جفّت محبةُ العالم فى قلبى.. كل لذّات الجسد باتت كريهةً إلى نفسى، كريهةً إلى حد التقزز!

نَفَض الشيخُ يديه من بقايا الخوص، و عاد لينظر مجدداً نحو الشاب، اكتسى وجهُه بجديةٍ مفاجئة، مع أن صوتَه قد رقّ قليلاً و هو يقول:

- أما أنا فما أزال أحب هذه الحياة! رغم توقى إلى المدينة التى لها الأساسات*.. و لو أننى الليلة تركتُ مغارتى و ذهبتُ إلى أى بقعةٍ فى هذا العالم، و سيان إذا نمتُ فى قصر ملكٍ أو اضطجعتُ عارياً تحت أشجار السنديان، فسأظل سعيداً و مبتهجاً: لأننى فى الحالتين سأكون بصحبة المخلّص...

أطرق الشاب فى صمتٍ نحو االقنديل المُشتعل، و هو مايزال يفكر فى كلماتِ أبيه الروحى، أردف بيأسٍ:

 - لقد جاهدتُ بكل قوتى حتى أقتلع محبةَ العالمِ من قلبي!

قام الأب إبراهيم فأحضر كوباً من فخّار و صبً فيه ماء و قدمه لضيفِه الشاب، ثم عاد مجدداً ليعتدل فى جلسته حتى أصبح قريباً منه.. ثم قال له:

- ثمّة باب لم يُطرق بعد.. طالما أنك تكبدتَ عناء المسير إلى هنا فإنك لن تخجل إذا تقيأتَ أمامى السمَ الرابض بجوفِك...

ماذا ترى فى أحلامك ؟

دُهش سرجيوس من سؤالِه حتى اتسعتْ عيناه:

- إنى أنأى بك يا أبتِ أن تحتمل دنسي إلى هذا الحد..

- لا يشمئز الطبيب من مرضاه..!

اطرح عنك وساوسك...  

أسند سرجيوس رأسه إلى الجدار الحجرى، شعر أن كل الجدران تضيق فجأة، عينا الأب إبراهيم القلمونى تشخص فيه، غير أنهما بدتا له فى تلك اللحظة تحملان كثيراً من الحنو.. تستدعى ذاكرتُه فى تلك اللحظة أمَهحين كانت تحمله صغيراً متى ألمّت به الحمى و ارتعش جسدُه، لتوجه رأسَه إلى أسفل حتى يقىء ما ابتلعه...

- أرانى عارياً... ممدداً فى فراشٍ و مبتلاً بعرق باردٍ يسيل من كل جسدى.. أقترب من جسدٍ أحببته قديماً لم تتغير ملامحُه.. ثم أشعر بلذةٍ لا أستطيع وصفها، كأنى اقترفتُ كل ذنوب العالم دفعةً واحدة...

- أستطيع الآن سماع صرير الباب الذى ظل موصَداً...

أقفل سرجيوس على قبضتِه بعنف لاحظه الشيخ، و هو يستمر فى الحديث:

- حين أقوم من ذلك الفراش يملؤنى الغيظ حتى أوشك أن أقضم أناملى.. أراها تبتعد، مثل غزالٍ يقفز برشاقةٍ نحو مرعى آخر، بينما تتركنى خاوياً إلا من دناءتى.. أتعرف يا أبى، إنها تغيظنى حتى فى صحوى، أعرف أنها تستطيع الاضطجاع مع مَن أحبته إذا شاءت، بمنتهى السهولة، فقط إذا شاءت! ثم تقوم من دون أن يأكلها الذنب إزاء ما فعلتْ، و مهما يكن ما تم بينهما فإنه لا يُسمَى دنساً...

كان يتكلم بوتيرة متسارعة مضطربة كمن يتخلص من ثِقل يحمله على كتفيه... هبطتْ ذراعاه أخيراً حتى لامستا الأرض، ثم أمسك بكوب الماء و شرب مرةً أخرى حتى الارتواء. أكمل و هو شاخصٌ نحو الفراغ:

- كلما غفلتُ أرانى مجدداً إلى جوارها، يحترق قلبي حينما تبتعد، أتوسل إليها أن تبقي، تنظر نحوى بتشفّى، أنا الساقط و هى بريئةٌ مطهّرة، يسحقنى الغيظُ مجدداً...

 

قام الأب إبراهيم ليشعل قنديلاً آخر، إذ كانت الشمعة الموقدة قد قاربتْ على الذوبان تماماً. نظر وجه سرجيوس الذى بدتْ عليه علامات الارتياح قليلاً.

- هل فرغ جوفُك ؟

سأله و هو مايزال واقفاً إلى جوار القنديل.

- يبدو أننى احتفظتُ بالسُمِ طويلاً...

عاود الأب إبراهيم الجلوس أمامه مرةً أخرى، غير أنه اقترب منه قليلأً عن ذى قبل، قال بتودد:

- تعرف لو أننى وقفتُ أمام ذاك الفراش الذى يملؤك غيظاً ماذا عسانى أن أفعل؟

- ...

- سأنظر فى ذلك الوجه و أقول لصاحبته أنها جميلةٌ حقاً،  لكننى اخترتُ بملء إرادتى أن أختبر الجمال فى هدوء الصحراء و فى صوت الرياح و فى المطر..

ثم أطال النظر فى عينىّ ابنه ، و أردف:

- كما أننى لن أنسي أن أتمنى لها سعادةً حقيقية مع الرجل الذى تحب، مثلما أنا سعيد بكل تلك السنوات التى قضيتها عند قدمى يسوع.. سوف أبتعد حينئذٍ عنها بأسرع ما يمكن، إذ أعرف تماماً محدوديتى.. لن أهرب كما يجرى الصِبيان خوفاً من العصا، بل سأنسحب كما يتراجع المحاربون الشجعان عن معركةٍ لا طاقة لهم بخوضها...

كان سرجيوس يستمع إليه و على وجهِه انعكس الصراع المُشتعل فى صدرِه.

- هل قرأتَ قول القديس نيلوس السينائى؟

- لا يا أبي.

- كان يقول: "إذا رأيتَ جمالاً، فلا تدَع قلبَك ينحرف، بل اشكر الله الذى خلق هذا الجمال، إذ هو نفسه مصدر كل جمال"...

ساد الصمتُ للحظات، و سُمِعت الرياح بالخارج و هى تهب من كل الجهات.. كان فجر الجمعة الكبيرة* قد بدأ يلوح.

قال سرجيوس بصوتٍ مختنق:

- كيف يمكننى انتزاعها من قلبي يا أبي إبراهيم ؟

أجاب الشيخُ بحسمٍ:

- لن تستطيع!

- أظل سجيناً؟

- تنتصر حين لا تعد تعبأ بها! اتبع الربَ و فقط.

- لم أعد أقوى..

 - طالما أنك تجاهد لأن تكره العالم، فإنه لن يفارقك!

- ماذا عسانى أفعل إذاً؟

- فقط دعه و شأنه، أحياناً يكون أفضل سلاح فى الحرب هو أن نترك سلاحنا!

- سوف أُهزَم!

- ستتحرر!

عند مغيب شمس يوم الجمعة الكبيرة رأي سرجيوس أسوارَ الدير و قد بدأت تلوح له من بعيد، بعد ساعاتٍ من السير فى الدروب الوعرة عائداً من مغارة الأب ابراهيم القلمونى. يحاول أن يسرع ليرتاح قليلاً، حتى يستطيع البقاء بالكنيسة مع بقية إخوته الرهبان حتى باكر سبت الفرح بحسب التقويم الشرقى لموعد قيامة السيد المسيح.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...