" َصوتٌ سُمِعَ فِى الرّامةِ ، نوحٌ و بُكاءٌ و عويلٌ كثيرٌ . رَاحِيلُ تَبكِى عَلَى اوْلادِها وَ لاَ تُريدُ ان تتعَزَّى ، لأنَّهُمْ ليْسوا بِموجُودين "
كانت لاتزال وقع كلماته مدوية بقوة فى اذنى ، حتى اذا ما انتقلت موجات صوته الرخيم من الميكروفون لتدور فى كل انحاء المكان ، تجوب ثنايا القلب قبل ان تطل بصداها على شرفات الابنية ، القديمة منها و المستحدثة . تذكرنا فى كل مرة ان عمرا طويلا قضيناه هناك ، و لازلنا ، و ان حياة كاملة احتواها ذلك المكان على مر السنين . تشهد بكل ما تحمل من رائحة الماضى لتتعانق مع ما نحمل نحن من امانى المستقبل ... كان صوت الاستاذ جمال رجب اثناء دخول طلبة الصف الثالث الثانوى وسط الاجواء الحازمة المبهجة التى انتجها نشيد الكشافة ، لازلت اذكر صوته جيدا و هو يقول " دى لاسال .. افخرى برجالك " . شاب على مشارف العشرين من عمره يودع امه للمرة الاخيرة ، يقبل هدب ثوبها و تربت هى على كتفه قبل ان يغادر اسوارها .. دقت صافرة النهاية معلنةٌ نهاية الرحلة بالنسبة لهم ...
دى لاسال التى كتبت من اجلها و اليها ، دى لاسال التى عشنا معها كحبيبين يتناجيان كل ليلة على اضواء الشموع ، و تعلمنا منها كمنارة متقدة لا يفتر توهجها ، و عرفنا فيها عظماءاً عاشوا بيننا ، ربما لم يعرفهم العالم ، و لكنها عرفتهم ، عاشوا فيها و عاشت فيهم و آثروا ان يكتبوا لأنفسهم النهاية من دون ان تبرح اجسادهم اسوارها .. دى لاسال التى ابدعت و انجبت ، حلمت فعاشت و ثابرت فنالت ... دى لاسال التى تشهد على مدى حبنا لتاريخها و مدى سعينا لحاضرها .
سمعت مثل كثير من اهلها عن النية التى تحولت الى فعل و هى بخصوص بيع جزء من المدرسة لصالح مشروع استثمارى ، كيف لفؤادٍ ذاق الحياة فيها ان يقترف مثل هذه الذنوب ... دى لاسال تباع ، الايدى الحانية تُبتر ، و القلب الحانى يختنق ...
اقول لمن اقدم على هذه الفعلة الشنعاء ، انظر الى كل حجر فى هذا المكان ، هو كفيل بأن يذكرك بقدسيته و تاريخه ، اقول له ان رجلاً منذ اجيال عدة ، حلم يوما ما ان يجعل من التعليم منهاج حياة و سراج لا ينطفىء ، و كان لحلمه صدا فى قلوب من تبعوه ، حتى صار يوحنا دى لاسال قديسا لهذا المكان الذى اردت ان تفرط فى جزءٍ منه .. عفوا انها دى لاسال! اقول له ان اجيالا كثيرة عاشت و نمت هنا ، و من بعدها سيأتى من يطالبونا بميراثهم الزاخر فينا ، و تستمر الشعلة فى الانتقال من يدٍ الى يد ، انتقال ازلى و حضنٌ ابدىٌ يشع دفءا ليستر بنيه ... يستلزمك الكثير لتعرف من هى دى لاسال ...
و على طريقة كتاب وصف مصر : " اذا هُدمت مبانى دى لاسال ، فانظروا الى ابنائها ، فاليهم كان البناء ، و من اجلهم كان الحلم "