و هذا ما كتبته
السيدة فريدة فى أول جلسة مساندة نفسية مشتركة :
اسمى فريدة كمال
ابراهيم , من مواليد القاهرة 1943 , احدى اللائى رأين مصر حين كانت وطنا يسكنه
الآدميون . يتهمنى ابنائى انى مصابة بالزهايمر , و أرد تهمتهم بأنهم مصابون بالجهل
.. الذين شهدوا الحياة على هذه الأرض قبل خمسين عاما أو أكثر بالتأكيد سيكونون
اكثر شقاءا ممن عرفوها كما هى الآن .
نشأتُ فى حى
الزمالك و قضيت به معظم سنى شبابى , فقط شهور الصيف كنا نقضيها فى فيلا الاسكندرية
.. كان أبى تاجرا , التجار فى ذلك الزمان كانوا اشبه بالرُحّل , زرت معه أغلب بقاع
اوروبا و عرفت اصدقاءا من كل مكان حطينا اليه الرحال . أغلب منتزهاتنا بالقاهرة
كانت مناصفة بين شارع عادلى بوسط البلد أو ذهابا الى حى الكوربة .
جاء أبى بجرامافون
أيطالى بحواف مذهبة و معه اسطوانات فخيمة ل" اديث بياف " , اعظم صوت
نسائى سُمع على مسارح باريس . اجتماعنا المسائى المعتاد بالشرفة المطلة على حديقة التوت , انا و أمى و أبى , نجلس فى اصغاء لتلك الألحان الشجية و الأصوات
العذبة المنبعثة ...
اخبرنى أبى انه عايش اليهود قبل ان يرحلوا عن بلادنا , كان
يقول ان ما كان يجمعنا اكبر جدا مما فرّقنا ..
رأيتُ شوارع
الأحياء الراقية و هى تتسع للجميع , و محال الملابس و هى تعرض الصيحات الأوروبية
فور نزولها . تربينا على قواعد الاتيكيت التى علّمتنا الذوق فى كل تفصيلة من
تفاصيل يومنا ..
باختصار , رأيتُ وطنا غير ذاك الذى تعيشون فيه , و تلك هى المشكلة
..
آل كل شىء تدريجيا
الى الزوال , كأن السماء قد لعنت تلك البقعةَ من الأرض . زاد البشر , وقلّت الأخلاق ..
تحولت خيرات الأرض الى أوعية تحوى كيماويات تنحر فى اجسادنا . فقد كل شىء
مذاقه الذى اعتدنا عليه .. اصبحتُ امقت كل ما حولى , و من حولى . اشكال الناس ,
طريقة كلامهم , مفرداتهم , الوان ملابسهم , صوت موسيقاهم الفجة , كل شىء .. تحولت
بونجور يا هانم الى سلام عليكم يا حاجة .. و هذا كافٍ !
كنت اسير بمفردى
منذ أشهر فمرّ بجانبى شاب من دور ابنائى , له لحية طويلة و ملامح غليظة , اعترض
طريقى و قال فى تبجح : اتحجبى يا مَرة بدل ما انتِ معرية شعرك كده , طب ده انتِ حتى
يومين و هتقابلى ربك "
بكيتُ كما لم اظن
ان ابكى هكذا من قبل , و عاهدت نفسى ألا اسير وحدى مطلقا ...
* * *
و هذا ما كتبته
الهام فى أول جلسة مساندة نفسية مشتركة :
اسمى الهام السيد
محمد , من مواليد الزقازيق1980 , اكملت تعليمى الثانوى بمدرسة فى شبرا الخيمة بعد
ان انتقل بى عمى و أسرته الى القاهرة . قال لى ان ابى يعمل بالخليج علشان يجيب لى
فلوس .. كان فاكرنى بريالة !
اكتشفت بعد فترة ان ابويا واخد تأبيده لتجارته فى
المخدرات ..
أما أمى فقد فضلت أن تبدأ صفحة جديدة من حياتها , تزوجت و عاشت فى
الاسكندرية و لم تأتِ لزيارتنا ابدا ..
لا أذكر أن دعانى
احدٌ للصلاة طوال فترة طفولتى , و لا عمرى حضرت درسا دينيا . كنت أستهزىء دائما بمن
يصوم رمضان . عشتُ فى بيتٍ لا يُذكر فيه اسم الله الا لما يحلفوا .. و غالبا كان
بيبقى كذب .
آسفة على الى
باكتبه ده لكن للأسف مفيش فى حياتى حاجة تانية مشرفة اقدر اشارك بيها ..
أول سيجارة كانت فى الاعدادية , لكن بعد كده
بطلتها اه .. لكن قلت اجرب النوع الى ابويا هيقضى بقية عمره فى السجن بسببه ..
اول بوسة كانت فى آخر سنة فى المدرسة , مكانتش عن حب طبعا ,
لكن على سبيل التجربة . من الآخر, بوسة
جابت التانية لحد ما بقت شغلانة بعد اليوم الدراسى , شغلانة و لها رزقها و زباينها ,
و لها كمان اماكنها فى الحوارى الى حوالين المدرسة .
التفاصيل حكاويها
بتتعبنى , باحس انها معلّمة فى كل مكان فى جسمى , الشىء الوحيد المشترك ما بين كل
الشباب الى عرفتهم فى الفترة دى هو السرعة , السرعة فى البحث عنى ما بين الحوارى
كأنى اسورة الماظ ملهاش صاحب , و السرعة فى التخلص منى بعد ما الموضوع ينتهى كأنى
لفافة بانجو !
كانت هواية لحد ما بقت فعلا شغلانة و مصدر رزق ..
دى أسهل مهنة ممكن
تروج لها من غير مجهود . أنت السلعة و انت البيّاع .. اصل الذكاء هو استغلالك الصح
لنقطة ضعف الى قدامك !
انا باكره الرجالة
, و بالرغم من كده انا الى باجرى وراهم , و عشان كده أنا باكره نفسى لأنى ضعيفة
قدامهم .. هما شايفنى جميلة , و انا بأقرف لما باشوف نفسى فى المراية .
انا مش عارفة انا
ازاى باكتب الكلام ده لكن اوقات الفضفضة بتريّح ..
* * *
و هذا ما كتبه
يوسف فى اول جلسة مساندة نفسية مشتركة :
اسمى يوسف عطية حليم
, مولود بالقاهرة سنة 1994 . اعرف ان مظهرى يشى بالبلاهة و يثير السخرية و ليس هناك
داعٍ لانكار تلك الحقيقة او حتى محاولة التخفيف من وطأتها على نفسى. نعم ,اعتدت
على مثل ذلك التعامل من كل من يرانى . أصبحت كلماتهم البذيئة التى تصف ملابسى
العتيقة و حركاتى العصبية البليدة نشيدا يوميا آلفت سماعه ممن حولى ممتزجا بضحكاتهم
الساخرة.
بقى أن تعرفوا أن هذا السلوك تجاهى لم يحيلنى كائنا ماقتا على من
حولى كما يمكن الظن , على العكس تماما, كل العذر للبشر ماداموا غير قادرين على
معرفة ما يحمله القلب ..
كنت الأول على
الجمهورية فى الثانوية العامة , كما كنت دائما فى كل سنوات دراستى.
لم اعرف طريقا
آخر سوى طريقىّ المنزل و المدرسة , و لما غادرتها استبدلت طريقها بطريق كلية الطب
. كنت احلم ان اصير فنانا , فصرت مهووسا كما تروننى !
رفض ابى الا أن يرانى طبيبا
, أرغمنى أن أستبدل الفرشاة و ألوان الزيت بالبالطو الأبيض . وافقت مرغما لأن
القرار عادة ما يكون فى يد الأكثر شجاعة على التعبيرعن موقفه .. عاملنى بقسوة كيما
اصير شديدا فى حياتى , فصرت اضعف الضعفاء ..
يمكن للآباء ان
يشكلوا حياة بنيهم كيفما يشاءون , بشرط ان يتحملوا بكل الرضا نتيجة ما زرعوه . على
الصانع تحمل شكاوى المستخدمين !
رآنى ابى ذات يوم
عائدا عقب انتهاء محاضراتى , استقليت المترو , أنا و فتاة من دفعتى كنت معجبا بها
منذ شهور , تجرأتُ عارضًا عليها توصيلها فى ذلك اليوم , علّنى أستجمع شجاعة المواجهة
فأفضى لها بما فى قلبى , او ما كان ..
أمسكت بأطراف أناملها و نحن على رصيف المترو بعد نزولنا , نظرت لى بدهشة لا تخلو من الفرح , او
الترقّب . لحظتها شعرت أنى لازلت كائناً مرغوباً فيه و يمكن له ان يختار بملء ارادته
و أن يحب دون خجل . اشتبكت يدانا و قد ارتسمت على شفاهنا بسمة استقرت فى عمق
وجداننا..
كافيةٌ هى تلك اللحظة لتكفكف عنى آلام الحاضر ..
كفٌ انطبق على خدى
بعنف شديد ليعيدنى الى ذكريات العقاب فى المدرسة الابتدائية . كان أبى , و تلك
كانت يده .. تذكار تلك اللحظة يدغدغ رأسى . سمعتُ صوته غليظا آتيا من وراء طرقعة
أصابعه على فكّى .
" سايب كليتك
و مستقبلك فى كلية الطب و رايح تتصرمح مع النسوان !! "
لطمنى ابى و انا
شاب جامعى بكلية قمة على رصيف المترو و وسط حشد من الناس و امام الفتاة التى احبها ..
هوت نظارتى ارضا من فرط ارتطام يده حتى استقرت
بالقرب من كاحلى. اندفعتْ دموعى فى مقلتىّ كحركة لاارادية مما أفقدنى القدرة على
تمييز الوجوه من حولى . فقط عطرُها الذى كنت اشتمّه ملء رئتاى منذ لحظات بدأ يتلاشى
كأنه ذكرى عابرة داستها الأيام ..
لماذا كان عليها ان تنتظر بعد ما حدث امامها ؟ هذه
احدى المواقف التى لا تتطلب الكثير من الوقت قبل اتخاذ القرار بالرحيل , او الفرار
!
يكفى هذا ...
* * *
رمقهم الدكتور
فهمى من وراء النافذة و هم فى طريقم الى البوابة الخارجية للعمارة , ثلاثة اجساد
تتكىء على بعضها .. من الصعب التنبؤ بفترة العلاج و لكن يمكن بشىء من التمرس معرفة ما اذا كان المريض يسير فى درب التعافى أم لا . و قال فى نفسه انه على الأقل فازت
السيدة فريدة اليوم بأربع ايادٍ اضافية بمقدورها أن تتعكز عليها كيما تعبر الطريق . بينما ستكون هذه احدى المرات القلائل لالهام التى تقدم فيها مساعدة لأحدٍ دونما
ثمن !
كان قلقا بشأن
يوسف , الى أن رآه على امتداد البصر يدور من وراء السيدتين فيقف فى الجهة المقابلة
لاندفاع السيارات ملوحا بيده ليهىء لهما طريق العبور ..
دوّن الطبيب تلك
الملاحظة :
" التغيرات البسيطة , مع استمراريتها , هى التى تقودنا
دائما الى النهايات العظيمة"
( تمت )

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق