الخميس، 9 يوليو 2015

طيور لم تحلق بعد ( قصة - الجزء الأول )


ساعدها احد الواقفين خارجا على دفع باب المصعد عند وصولها الى الطابق الرابع. كانت يداها المرتعشتان تظهران حاجتها البالغة الى المساعدة و ان لم تطلبها صراحة ً. انطلقت زفرةٌ طويلة منها اثناء خروجها من المصعد و كأنها قد قطعت شوطا طويلا من الوثب . لم تكترث لأى من الواقفين امامها , أراحت اناملها على احدى الجدران و هى تحاول حفظ اتزان جسدها فوق الكعب العالى الذى ترتديه . اخذت تتطلع ببطء الى الشقق الثلاثة الموجودة فى هذا الطابق. أراد أحد الواقفين تقديم العون لها ,كان هو على الأرجح من فتح لها الباب منذ برهة , قال لها :

 - تؤمرى بأى حاجة تانية يا هانم ؟ 

أمالت رأسها بسأم و هى ترفع كفها قليلا فى اتجاه المتكلم مشيرةً بالنفى. نظارتها السوداء ذات الاطار الكبير تحجب اغلب تجاعيد اسفل عينيها , مخفيةً معها ايضا كل تعبيرات وجهها الذى يبدو للناظر بلا اى انفعال. كانت نظارتها الشمسية هذه فيما يبدو هى احدى الوسائل الدفاعية التى تمكنها من الاحتفاظ بمسافة كافية مع من حولها . فعندما نشعر بسخط تجاه اشخاص ما , نتمنى رؤيتهم جميعًا بلونٍ واحد ..
تثبتت من العنوان المنشود , الذى باتت تنساه بفعل السن كلما جاءت  فى هذا الموعد من كل شهر. وقفت قبالة احدى الشقق المردود بابها , دقت الجرس آبية ان تدخل قبل أن يستقبلها أحد الذين بالداخل , مع أن ضغطة رقيقة على احدى ضلفتى الباب تكفى لانفراجه على مصراعيه. فتح الباب شاب طويل القامة , يبدو عليه أنه أحد العاملين الجدد بالعيادة . كان مغتاظا فى بادىء الأمر من فكرة دق الجرس مع امكانية الدخول دون عناء الانتظار , لكنه لما رأى ان الواقفة على عتبة الباب سيدة أتمت او قاربت على اتمام السبعين من عمرها أشار اليها خجلا بالدخول و قد ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة . جلست على احدى الأرائك الوثيرة الموزعة بعناية على جنبات تلك الردهة الفسيحة .تلمست بحذر متناهى الحافة المذهبة للأريكة لتطمئن لتمام نظافتها و خلوها من الأتربة , قبل ان تسند اليها ذراعها . اخرجت مروحة من القماش الرقيق المطرز من حقيبة يدها و أخذت تحركها على مقربة من وجهها بحركة نصف دائرية من معصمها .
هرول اليها عامل آخر بدا عليه التمرس فى فنون التعامل , طلّ عليها بوجه بشوش قائلا :

" اهلا اهلا فريدة هانم , منورة الدنيا كلها والله , قولى لى تشربى ايه يروقلك اعصابك من زحمة الشارع ؟ "
- متشكرة يا خالد , شوف لو عندكم اى عصير فريش و يستحسن لو يكون برتقال .

- كان بودى والله يا ست الكل لكن مفيش فريش , لكن ممكن ابعت اجبلك علبة عصير من اى مكان .

علت نبرة صوتها الخشنة كأنها تروس فى ماكينة عفا عليها الزمن :
- لأ لأ العلب دى لأ , ملهاش طعم خالص . اعملى طيب كوباية ليمون .

- تؤمرى يا هانم , حالا .

ابتسم خالد عند اقترابه من المطبخ حينما سمع صوتها يعلو من جديد بذات النصيحة التى تتكرر دائما :

" ماتنساش تغسل الكوباية كويس احسن تجيب أمراض , و صفّى الليمون على الآخر عشان مفيش حاجة تشبك فى اسنانى , و اياك تحط ثلج . "

على الجهة المقابلة من مكان جلوسها كانت تجلس شابة يشى مظهرها بأنها لم تبرح الثلاثين بعد , هيئتها تدل على انتمائها الى تلك الأوساط المهجنة التى طفت على سطح المجتمع . ملابس تحاكى احدث صيحات الموضة و طريقة جلوس لا تختلف كثيرا عن اهل الريف ! جلست دون أدنى تكلف مباعدةً بين فخذيها , كانت ترتدى بنطالا من الجينز منحوتا على خصرها و بلوزة زرقاء لون السماء مفتوحة ازرارها العلوية , ربما عن قصد .. لما سمعت حوار تلك السيدة المسنة حاولت كتمان ضحكتها لكن محاولتها باءت بالفشل فخرجت رغما عنها . نظرت اليها السيدة فريدة بشىء من التأفف دون ان تتزعزع فيها ثقتها الأنثوية , وضعت الأخيرة ساقا على الأخرى كعادة نساء الطبقة الأرستقراطية و اخذت تدور بعينيها بين اللوحات التى تزين الحائط .
قطع الصمتَ صوتُ تلك الشابة و هى تنادى على سكرتير الطبيب بصوت لا يعرف اقل القليل من حياء النساء :

" ما تفتح يا عم التلفزيون خلونا نتسلى على بال ما يجى دورنا , و لا انتم حطّينه زينة ؟! "

ثم انطلقت منها ضحكةُ اخرى اطول من سابقتها . مازحها السكرتير و هو يعطيها (ريموت) التلفاز , امسكته و بدأت للتو فى التنقل بين المحطات حتى استقر بها التطواف امام احدى قنوات الأغانى العربية .. لم تسطع السيدة العجوز تحمل هذا الضجيج المنبعث من الشاشة أمامها حتى صرخت بأعلى ما عندها :

- ايه القرف ده , اقفلى يا بنت انتى الزفت ده او غيرى المحطة .

هرول اليها خالد و فى يده كوب الليمون , و ضعه على منضدة صغيرة بجانبها و هو يحاول تهدئتها . رفعت الفتاة يدها بسرعة تجاه التلفاز ضاغطة على الزر فانطفأ . قالت لها الأخيرة :

- خلاص يا ابلة انا ماعرفش ان صوته بيضايقك , انا قلت اهو نتسلى شوية .

كان خالد اقدم المساعدين للطبيب و كان على دراية بكيفية التعامل مع المسنات , جلس على ركبتيه حتى بدا اقصر من السيدة فريدة و استمر فى هدهدتها و الاعتذار لها . حيلةُ لاقناع من هم اكبر سنا بأنهم لازالوا فى حيز القيادة . ثم قرّب الكوب امام شفتيها لتتذوقه حتى هدأ جسدها من ثورته مستعيدةً بذلك معدل ضربات قلبها الطبيعى . قال لها فيما قال :" آنسة الهام مكانتش تقصد تضايقك والله "

- هاتلى طيب قناة فرانس 24 , عاوزة اشوف اخبار الدنيا ايه .

على الفور جاء لها خالد بمحطتها المفضلة قبل ان يجعل الريموت يستقر على الأريكة بجانب يدها ليطمئنها بأنه لا احد قادر على تعكير صفوها مرة اخرى ..
على مدى عشر دقائق امام محطة الأخبار الفرنسية شعر جميع الجالسين بالملل ما عدا تلك السيدة السبعينية التى تتقن لغة الجمال و الذوق مثل اغلب بنات جيلها . اما تلك الفتاة التى كادت تتسبب لها فى ازمة قلبية منذ دقائق , فقدت الأمل فى فهم اى مما يدور امامها على الشاشة فثقلت أجفانها و قد مدّت احدى ساقيها بطول الأريكة جاعلة ذراعاها وراء رأسها . حتى أن جزءا من بطنها قد انكشف بشكل عفوى و هى مستلقية دون ادنى اكتراث .

دخل زائر آخر , شاب على مشارف العشرين من عمره , يرتدى بذلة سمراء مخططة و كرافتة منقوشة لا تتناسب مع صغر سنه ابدا , بدا عليه التردد الشديد حتى ظن من بالداخل انه ضلّ طريقه. خرج  ليتأكد مرارا من البيانات المكتوبة على اليافطة الخارجية للعيادة , ثم يطابقها بما هو مدون على الكارت الذى اخرجه بعناية من جيب بنطاله . غمغم خالد ببضع كلمات لم يسمعها سواه , سيطر اليأس على كل تقاسيم وجهه و هو ينادى على الشاب :

- اتفضل يا يوسف , حمدلله على السلامة , ايوة و من غير ما تتعب نفسك و تنزل تسأل البواب زى كل مرة , هنا عيادة الدكتور فهمى أمين استشارى الطب النفسى , و الدكتور خلاص على وصول , اطمّن ! "

دخل الشاب دون ان ينطق بكلمة , ينظر حوله مذبهلا و كأنه يرى مخلوقات تهبط من اكوان اخرى , يتأبط بعض الأوراق بطريقة تبدوعشوائية و يمسك بكيس بلاستيكى به بعض اقراص من الأدوية . ازدادت حيرته حين وجد اكثر المقاعد شاغرة , ليبدأ رحلة المعاناة فى اختيار اى مكان الأنسب للجلوس . ترك الثلاث ارائك المريحة و المبطنة و ذهب ليجلس على مقعد خشبى عتيق ملاصق لغرفة الطبيب .. هكذا دائما البشر مهما تزينت خوارجهم , لا يجدون الأمان الا بجوار من يملكون شفاءهم . 

ثبّت يوسف نظره على نقطة بعينها على البلاط امامه , وضع اوراقه فى حجره مخبئا ما بين رجليه.  حتى السيدة فريدة لاحظت ثمّة ارتجافة تنتشر فى خلايا جسده لتستقر اسفل حجابة الحاجز . اللحظة الوحيدة التى اراد فيها الثورة على حاله , قرر فيها أن يجول بعينيه ليشاهد تفاصيل غرفة الانتظار الذى يجلس فيها . و ليته لم يفعل ! اول ما وقع بصره عليه كانت الهام التى ظلت شاخصة الى السقف و هى مستلقية على الكنبة بينما لم تلحظ ارتفاع بلوزتها و انكشاف لحمها لسنتيمترين او اكثر . كان كمن مسًته صاعقة شعواء عصفت بجسده , انتفض  بغتة و سقطت الأوراق بين رجليه و هو يحاول التجشم و السيطرة على اطرافه و لكن هيهات. التفتت اليه الهام فذهلت من منظره , لم تعرف ايهما اولى بالسيطرة على زمام الموقف , اهى السخرية من شاب صغير يرتدى ما يفوق مرحلته العمرية بكثير , يفزع من كل ما هو مألوف. ام هى الشفقة على هذا الكائن الذى لا يفتر جسده عن الارتجاف و كأنه فأرٌ سقط فى وكر للقطط البرية الشرسة . على اية حال قالت له فى نبرة لا تظهر نية قائلها الحقيقية :

 - محتاج مساعدة يا كابتن ؟ 

تلعثم يوسف و هو يكاد ينبطح ارضا ليعيد الامساك بأوراقه التى تبعثرت تحته . حدة الموقف جعلت لسانه يأبى ان يخرج جملا مهندمة :

- انا آسف بأمانة .. مكانش قصدى اوقع الورق , دى غلطتى انا عارف , انا اصلا مهمل .

اعتدلت الهام فى جلستها و قد امالت ظهرها الى الأمام واضعة رأسها فوق كفيها و هى تصوب نظرها تجاه جسد الصبى المرتجف الذى لا يلبث ان يلمح نظرتها له و تركيزها عليه حتى تخور قواه فيزداد فى تشنجه .. كانت تبدو مستمتعة لاحساسها بالهيمنة عليه و كأنها تتفنن فى تعذيبه ..
أسرع اليه خالد ليساعده فى ترتيب اوراقه من جديد . كانت المفاجأة لهذا الأخير حين تعرف لأول مرة عن قرب ماهية تلك الوريقات المهترئة التى يصر يوسف على اصطحابها معه فى كل مرة . كانت فى الحقيقة رسومات بدائية على اوراق منزوعة من كراسات مدرسية لطفل دون السادسة , ملونة بألوان الخشب الرديئة و مكتوب اسفل كل منها بخط لا يقل ردائة عن الرسومات نفسها  ... " بريشة الفنان / يوسف " .
* * *
وصل الطبيب , دلف الى غرفته و دخل خالد وراءه , دسّت السيدة فريدة مروحتها داخل الحقيبة بينما اعتدلت الهام فى جلستها و اما يوسف فظل على حالته . خرج اليهم خالد معلنا :
- الدكتور بيقول لحضراتكم اتفضلوا مع بعض , مجموعة المساندة هتقتصر على حضراتكم النهارده .
تنهدت فريدة و هى تشعر بالضجرمن هذا التصريح , اما الهام التى تسلل اليها الشعور بالذنب تجاه هذه السيدة المسنة و الشاب العليل فقد انتظرت ان يدخلا اولا . لم يتحرك يوسف الا حينما نادى عليه الدكتور فهمى من الداخل فقام مستجيبا لدعوته .

جلس الأربعة فى حلقة دائرية صغيرة لا يفصل بينهم اى شىء سوى الفراغ , و اغلق الباب .
بدأ الدكتور فهمى حديثه , نظر الى لوحة معلقة على حائط امامهم , كانت مقولة لباولو كويلو :     

( عندما تتعب اقدامنا نستمر بفضل قلوبنا , و عندما تتعب قلوبنا نستمر بفضل قوة ايماننا .. )

- عاوزكم تتأملوا فى الجملة دى كويس

قاطعته السيدة فريدة معترضة :

- استسمحك بس يا دكتور فهمى , ممكن تقول للآنسة دى تبطل تعمل صوت بالماستيكة الى فى بقها .
اومأ الطبيب بابتسامة هادئة الى الهام , فبصقت ما فى فمها و هى تقول :

- تؤمرى يا أبلة , ادينى رميتها اهه .

- و ياريت بلاش ابلة دى الى عمالة من الصبح تقوليها لى , اسمى فريدة هانم , مش عاوزة تقولى هانم قولى لى طنط فريدة و خلاص .

قال الطبيب :

- كل انسان محتاج بشعر بأنه محاط بأشخاص بيحبوه , الشعور بالوحدة هو اسوأ ما يمكن ان يقاسيه الانسان فى حياته , خصوصا فى وقت الضيق . الاحتياج للمساندة مش معناه الضعف بالمناسبة ..احنا مخلوقين لنتكامل جسديا و نفسيا و اجتماعيا . القاسم المشترك فى حالاتكم على اختلاف خلفيات و اعمار كل واحد فيكم هو شعوركم الشديد بالوحدة . كلنا بنعانى , الحكمة فقط تكمن فى اختيار الأشخاص المناسبين لمصارحتهم بمعاناتنا . "


طلب الدكتور فهمى من الثلاثة ان يدون كلٌ منهم على صفحة بيضاء كل ما يود كتابته عن نفسه , شريطة ان يكتبه بصراحة مطلقة .

                                                        ( بقية القصة فى الجزء القادم )
                                                     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...