ارختْ راحتيها حول رأسى كأنها تحتضن وليدا بلا ام ، جاءت به الدنيا من رحم مجهول و تركته شريدا ، قالت فى نبرة خافتة تحف اطرافها صوت الكنارى من حولنا ، و صوت شلالات عملاقة تنحدر من اللامحدود لتكمل استدارة الأرض .
" كيف تريدنا ان نحيا معا ؟
تسألنى و كأنها لا تعرف ، او ربما تسألنى لتطمئن لتمام معرفتها ، كتلك اللاتى يسألن عشاقهن فى كل ليلة ، هل تحبنى ؟
اجبتها بأن الحياة تبدأ بلقياها و تنتهى عند الخوف من الفراق ، ثم لثمتُ خدها كعادة كل الأيام ، و خِلتها اطمأنت لإجابتى التى تكررت على مدى اثنى عشر يوما متتال . لكنها فاجأتنى بذات السؤال من جديد :
" كيف تريدنا ان نحيا معا ؟
ظننتها تود بلوغ ما هو اعمق من مجرد قبلة ، فشبكت ذراعىّ حول ظهرها و احتضنتها ، و قبلتها ثانيةً ، لكنها فاجأتنى و تمنّعتْ حتى انتابنى الريب بأنها تمقتنى . قالت بلهجة حذرة ، و يائسة :
" لن تلمسنى حتى تجيبنى بصدق على سؤالى "
كانت اجابتى المعتادة فى كل ليلة من الليالى السابقة تكفى لسكون نفسها و منحها التحرر من تلك الأفكار التى قد تفقدها متعة كل شىء بيننا . من العسير ان تحب امرأة تفلسف الحب! لم ينفذ جوابى عليها هذه المرة الى مكانه المخصص له فى قلبها ، ألعله فقد تأثيره المدوى على اذنيها ؟ ام انها قد اصيبت بداء الملل ؟
" اريد ان اعرفك اكثر ، لذا اجبنى بصدق على هذا السؤال !
تسألنى و هى عازمة على نوال اجابة تشفى فضولها ، و لا تعلم ان مثل تلك الأسئلة تزيد من شعلة القلب . و لأننا نكتسب الرغبة فى الاجابة من تأجج رغبة السائل ، لذا قررت ان امنحها ما تتوق اليه نفسها ، فى ليلةٍ غادرتها - على ما يبدو - متعة تلاقى الجسدين ، ربما لتمنح الفرصة لتلاقى روحين ..
" يا عزيزتى ، برغم انك لستى الأولى التى اتأمل عن قرب بياض بشرتها ، الا انك الوحيدة التى شعرت بقربى منها ان وراء ذلك الجسد الساكن روحا فى مقدورها ان تثب الى اللانهائى ، لتدور فى فلك لا يعتريه القلق و لا تعكر صفوه ثمّة بغضة و لا كآبة .
لى معكِ اثنتى عشر ليلة حتى هذه اللحظة ، و حسنا تودين معرفة كيف سنعيش معا ، يؤلمنى حقا ان اخبرك ان لى مع هذا السؤال دهرا طويلا ، فلطالما حلمتُ ان اعيش كما اتمنى ، و كيفما اشاء ، احمل فى جيبى ما يكفينى للترحال الى اى مكان تقودنى اليه روحى ، و احمل فى قلبى ما يكفينى من الحب ايضاً .
ان مُنحت القدرة على الاختيار فلن ابقى فى مكان واحد ليومين متتاليين ، العالم اكبر بكثير من ان نحصره فى بيت او حديقة ، سأنطلق بلا خريطة و لا بوصلة ، و لا عصا و لا مزود كما قال سيدنا المسيح ، سأستجيب لما تأمرنى به ساقاى ، و سأكون سعيدا و محظوظا بأى مكان سوف اصل اليه . ان اتعبتك قدماكِ فى الطريق فلا تنظرى ورائِك و لا تتحملى مشقة اخبارى بذلك ، فقط ابتسمى ، فالنصرة على الالم تتولد من السخرية منه ، و حينها سأحملك على ظهرى طوال المسير .
ان مُنحت القدرة على الاختيار ، فلن اعيد على مسمعك بيتا واحدا انشدته من قبل ، بل سأبدع فى كل لقاء بيننا انشودة جديدة
، تستقر فى اعماقك . سأسألك عن سر اعجابك بالزهور البيضاء و ستجيبينى بملء الفؤاد ، انها ترمز الى الحرية ، و سأكرر عليكِ هذا السؤال من حين لآخر ، فقط لأطمئن انك لن تتخلى ابداً عن مفهوم الحرية . هذا لأن الحب لا يمكن ان يتولد من قلب تذله القيود.
ان مُنحت القدرةَ على الاختيار ، فسأجلس بجوارك لنعد النجوم سويا ، و سنهتم بمنح كلا منها اسما مختلفا ، و قبل ان تثقل اجفانك سأنتقى اجملها و اكثرها توهجا ، لأمنحها اسمك .. حتى تخلدى الى النوم فى كل ليلة و انتِ على يقين بأنك نجمتى المضيئة دوماً .
سأحمل معى كل ما كل ما ابدعه من سبقونا ، حتما سيتسع العمر لقراءة كل روايات دستوفسكى ، سنقرأها معا ، على ضوء القمر ، بينما تعزف بجوارنا الكمان الشجىّ لتضفى على كل حرف منها سحرا جديدا .
حينما سنسمع بأن أديب شاب او حتى عازف مبتديء سيقوم بعرض موهبته فى اى مكان على هذه الأرض ، فسنكون حتما فى اول
الصفوف ، مندسين ضمن تلك الفئة العذبة و الراقية من البشر ، اولئك الذين اهتدوا بالفن الى منابع السعادة ، سنستقل كل السفن و كل القطارات و اى حافلة فى طريقنا لنصل فى موعدنا دون تأخير، و سنصفق له بكل ما أوتينا من حرارة . لا تظنى اننا بذلك نكون قد كرمنا مجرد شخصٍ ، و انما نكون قد جلبنا ارثا جديدا للعالم .
اقسم لكِ ان لا بردا فى الشتاء و لا حرارة فى الصيف ستمنعنا من اللحاق بتلك الحياة التى نعشقها .
إن طقسا مقدسا سوف نقوم باتمامه قبل ان نأوى الى الفراش فى كل ليلة ، سنجلس قبالة الصليب المقدس ، و سنقوم بتقديم الغفران لكل من اساء الينا طيلة هذا النهار ، لن يتملك النوم منا و نحن حاملين فى قلوبنا اى شىء سوى الحب .
سوف نكون على موعدٍ مع البحر ، قبيل بزوغ الفجر عند مفترق الليل من النهار ، لنقص عليه ما تهيم به ارواحنا ، و سيملأكِ الشغف لتعرفى سر عشقى له و التطلع الى الأفق البعيد ، و سأجيبك بعبارة واحدة :
"ان البحر فقط هو من يدعنى ابوح دون مقاطعة ".
ان مُنحت القدرةَ على الاختيار ، فستكون هوايتى هى ان اجوب كل بلدان العالم ، من اجل ان ارى شروق الشمس بألف زاوية و زاوية ، و ان اسمع دوى اجراس القداس من ألف كنيسة و كنيسة .
سأكتب الرواية التى لطالما حلمتُ ان اتممها قبل ان ارحل ، سأكتب عن الحب و الحياة ، عن السعادة حين تتولد من رحم الألم ،
عن العشاق الذين جاءوا و مضوا دون ان يأنسوا بمن احبوا . سأكتب عن اولئك الذين لم تسعنا الأوقات لنبوح اليهم بما كان لهم فى قلوبنا ، ربما استطيع اخبارهم و لو بالحبر على الورق ، فلعلّها تكون الفرصةَ الأخيرة .
باختصار ، لا اود الذهاب الى القبر و قد عشت نصف حياة ، اود ان اشتاق الى الموت بقدر شوقى الى كل لحظة احياها على هذه الأرض .
حبيبتى ، هذا ما جادت به نفسى حتى هذه الساعة ، فلتقبليه ان شئتِ ، ان بعض الأسئلة تتغير اجاباتنا عليها كلما ازددنا ادراكا لهذه الحياة .. اما الآن فهل تمانعين مزيدا من العناق ؟ "

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق