يُحدِث محمد رمضان جدلاً مدوياً مع كل جديدٍ يطرحه , بصورةٍ ربما لم يسبقه إليها ممثلٍ فى أى جيلٍ مضى , حتى أن التطرف الشديد فى تقييمه ما بين وضعه على القمة و خسفه حتى القاع ساعد بشكلٍ لافت و غير مباشر فى صناعة أسطورته
...إلى رمضان , و أعدائه , و الحاقدين عليه .. أقدم هذه السطور
أعدتُ مشاهدة الأغنيتين التى قدمهما فى أقل من شهر , و ساءنى فى أول الأمر نبرة الغرور المنفّرة التى ظهر بها الرجل و كأنه تقاسم البطولة مع مارلون براندو و آل باتشينو فى ثلاثية "الأب الروحى" الخالدة ! لكن إذا تخليت عن موقفك تجاهه لقليل من الوقت سوف تكتشف أن الأمر مختلفٌ بعض الشىء: فبالتدقيق فى كلمات الأغنيتين سوف تكتشف أنه لا يتوجه بحديثه إلينا كجمهور و لا حتى إلى الحاقدين الجدد على ثروته , لكن أشخاصاً و وسطاً بعينه ذاهبةٌ إليه كلمات أغنيتيه !
نعم , إن المغالاة فى الكبرياء , او لنقل الرغبة فى الانتقام التى يغنى بهما رمضان , إنما تُظهر لنا قسوة الوسط الفنى الذى يملأ !شاشاتنا ليل نهار !
ذلك الوسط الذى لفظه طويلاً و أذاقه مرارةً من أسوأ ما يمكن للشاب أن يذوق فى أول حياته , و هى أن يكون موهوباً , و فقيراً...
لذلك أرى فى نشوة النجاح التى تتملكه انتصاراً من أجل كل "الكومبارسات" الذين أمضوا حياتهم على عتبات المخرجين يستجدون فرصةً أمام الكاميرا , و أرى فى نبرته الانتقامية ثأرا فى سبيل كل الراسبين فى اختبارات الأداء لأنهم أتوا بلا واسطة , و تضميداً لجرح كل من سمع تلك العبارة اللعينة : " سيب رقمك و هنبقى نتصل بيك "... نعم , أرى فى نجاحه الساحق حتى و إن اختلفنا على محتوى ما يقدم أملاً جديدا لكل من رفضهم المنتجون بحجة لون بشرتهم الأسمر ,أو لأنهم لا يملكون الوسامة الأباظية حتى تباركهم العدسة المقدسة فتمنحهم الميلاد السينمائى .. و فى كلمة: هذا الرجل قفز إلى عقر دارهم , و نافس فطاحلهم , و فتح من ورائه الباب مجدداً للموهوبين بلا واسطة , و للحالمين بلا سقف ..
عودة إلى أمر تضخم الذات , و الذى شخّصه غيباً بعضُ محدثى الطب بأنه جنون العظمة .. لا ليس جنونا و لا عظمة بل امتداد تلقائى! لقد خرج رمضان بأغانيه ( نمبر 1) و (أنا الملك) من فصول أساتذة تعليم الثانوية العامة الذين ارتقوا مراتبَ وهمية , من أمثال إمبراطور الكيمياء , و رئيس اتحاد مُلاك الفلسفة , و زعيم عصابات الجغرافيا !!
و كما انحدر المجتمع لم يسلم الفن أيضاً , فماذا يختلف ما قدمه فى كليباته عن بعض القصص التى تُكتب فقط لإشباع غرور نجوم الصف الأول ؟ ما رأيك أن تتابع مسلسلا يحكى قصة امرأة يقع فى غرامها كل من يراها من فرط سحر مساحيقها التجميلية ؟! لتتراكم لدينا أعمالٌ على شاكلة " زُهرة و أزواجها إلى مش فاكر كانوا كام " .. و ما الفرق بين بارانويا رمضان – إذا سلمنا بهذا التشخيص- و بارانويا بعض نجمات الشاشة فى دور " البطلة إلى مابتغلطش" , لتطل علينا كلٌ منهن على مدى حلقات العمل بمنطق أنا ابنة الحرة و جميعكم أبناء الجارية !
الكبرياء أو حب الزعامة ضارب بجذوره في هويتنا , فى كتابة التاريخ كما فى تأليف الأغانى, الفرق أنه أفلت من رمضان بشكلٍ غوغائى لأنه يمتلك المال لفعل ذلك !
ثم نأتى إلى المحتوى , و أعيد تكرار الجملة التى ما بقى لها طعم و لا رائحة من فرط التكرار, بأن الفنَ مرآةٌ للمجتمع , قسماً بكل غالٍ فى هذه الحياة الفن مرآةٌ لنا .. الفن نحن.. الفن هو أخطاؤنا الأشد استتارا حين تفضحنا رغما عنا على الشاشة ! ففى مجتمعٍ يُنظّف فيه المسئول سطحَ مكتبه ليضع فوقه المصحف , ثم يفتح الدرج لتقبل الرشاوى , و فى بلدٍ يعاقَب فيها المجنىّ عليه لأنه سجل لحظة الاعتداء بدونٍ إذن نيابة , هذا سيكون فنه بلا أدنى تجميلٍ ! و رمضان قدّم البلطجى حين أصبح البلطجية سادةَ الحوارى , و غنى المهرجانات حين غنى الكبار لصفوة المجتمع , و لعب دور البطل حين اهتزت فينا القدوة .. غيّروا المجتمع تتغير الشاشة ..
قد يكون الحكم قاصرا حين لا نمنح التجربة فرصتها لأن تكتمل , و معظم النجاحات الكبيرة بلغت مجدها حين تجاوزنا عن الإخفاقات الأولى .. فلو أن الجمهور و النقاد ذبحوا الممثل الشاب - حينها - محمد صبحى لعبارته المسرحية التى تحمل إيحاءً مبتذلاً, حين قال " انت مش بتحط فيها خيار " , لمَا صحح الأخير مساره و قدّم لنا أعظم عملٍ تربوى عُرض على شاشتنا الصغيرة , و هو يوميات ونيس .. و لنا أن نعترف بأننا غفرنا إساءة سينما المقاولات و مشاهد الثمانينيات الجريئة التى حذفها التليفزيون المصرى و عرفناها حين دخل الدش بيتنا, لمجرد أن بعضاً من صناعها ارتدين الحجاب على كِبَر !
الكلمات الأخيرة موجهة إلى محمد رمضان : ثمة مثالان قلّبهما أمام عينيك , الأول هو عادل إمام , أمدّ الله فى عمره الفنى لما قرأ أعمال نجيب محفوظ , و جالَس المثقفين , و شاهد مسارح العالم , فأعاد إنتاج شخصيته الفنية مراتٍ عديدة بفضل عقله الذى سبق اندفاعه , و ثقافته التى هذّبت موهبته . أما المثال الثانى فهو محمد سعد , الذى استنفذ كل عضلةٍ فى وجهه ليضحكنا , إلى أن انتهى به الأمر فقيراً و مفلساً يقلّب فى جثة اللمبى الضامرة لعله يجد فيها عضلةً لم تنقبض بعد , و لم تُقدّم له قبلة الحياة من جديد إلا فى فيلم الكنز , الذى كنتَ أنت أحد أبطاله ! أتمنى أن تقرر أى الأمثلة جديرة أن تُتّبع ..
كما أتمنى ألا تتكىء فى تقييمك لنفسك على أرقام المبيعات , لأن فى مجتمعٍ رأسمالى كهذا يمكن أن يُغَض الطرْف عن رجلٍ يهبط على سطح القمر فى مقابل إذاعة لقطةٍ لمختلٍ يمشى عارياً, لمجرد أنه يجتذب عددا أكبر من الإعلانات !
فكما يتهافت النجوم على ضم مصممى المعارك إلى فريق العمل , ضُم أنت إلى فريقك مشيرين نفسيين يعاونوك فيما تقدم على الشاشة.. اقتنِ مكتبةً تشجع بها متابعيك على القراءة. و كما يتبارى زملاء مهنتك فى الذهاب إلى أطباء التجميل , تجاوزهم أنت و انتقِ طبيبا نفسيا يكشف لك ذاتك من الداخل , لعل طموحك نحو القمة يدفعك لأن تأنس بجلسةٍ خاصة فى ضيافة الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي , فيكشف لك هذا العالم الجليل ما فاتك من أغوارالنفس البشرية و تعقيداتها , ما ينعكس على عمق ما ستقدم مستقبلاً..
محمد رمضان , أنت أهم من الفيرارى التى تركبها , و دمعة عينك فى مشهد تراجيدى متقن أكثر قيمة من صورك و أنت ترقص مع النمر . أحببتُ رسالتك لطلبة الثانوية العامة , و الجناح الذى افتتحته باسم والدك للعلاج المجانى فى مستشفى 57357 , و ذكرك لتفاصيل تصميم بيتك لتفوق غرفة والدتك مكتبك , حتى تكون على حد تعبيرك قدما أمك فوق رأسك ... اعلم أن المدح كالذم , عند تجاوز الحد يصبحان شديدى الفتك بالإنسان .. أتمنى لك أن تظل مؤلف المعادلة , لا مجرد رقمٍ بها .
مارك كاسترو

اتفق معك جدا
ردحذف