ككل العابرين إلى هنا، من الضفةِ الأخرى من الترعة
الممتدة بطول قريتهم حيث قذفنى التكليف، كان يمرّ علىّ دون أن أتعرف به أبداً .. مرةً بمفرده و مراراً مع ابنتِه الصغيرة، وهما يعبران ما بين الضفتين لتلتقطهما أىُ ‘ركوبة‘ ذاهبة إلى المدينة حيث يعمل، و حيث توجد مدرسة الفتاة .. توحى ملامحه
أنه جاوز الخمسين، و لهفة الخوف على صغيرته التى لم تتعدّ السابعة تقول أنه
..تأخر
فى إنجابِها
واحدٌ من مئات الوجوه التى نلتقيها يومياً فى
مصالحنا الحكومية : موظفٌ كما ترسمه الأفلام القديمة، بقميصِه الذى اهترأ من تكرار
الكى، و رائحة الكولونيا التى تفيح من ذقنه الحليق تواً، كذلك "الجرنان"
المطوى تحت إبطه، و الحذر المبالغ فيه على هندامه لئلا يتلطخ فى مستنقعات الوحل
أثناء عبور الفلاحين.
كان يرسل إلىّ ابنته مرّة أو مرتين فى الشهر
لتبتاع له شفراتِ الحلاقة و تركيبةً لمنع الحشرات، بينما ينتظرها بالخارج و عيناه
مصوّبتان عليها من خلف الزجاج. لم يدخل الصيدلية أبداً.. ربما لحنقِه على رائحة
الدواء التى تتوزع فى كل أركانها، أو لأنه يشمئز من شكاوى الفلاحين و هم يأتون إلىّ
طالبين علاجاً لداء الديزنتريا المتكرر، و الذى ما عاد يفارق قريتهم ..
أراه
من خلف الزجاج المطلّ على مساحةٍ فسيحة من المزروعات التى يقطعها سريان الماء، حيث
اعتاد المارّون أن ينقروا إحدى ضلفتيه و هم يتصايحون : ‘صباحك فلّ يا دكتره‘..
لكنه لم يفعل مثلهم أبداً، طوال السنوات الست الأخيرة، منذ أن دسّنى مكتبُ تكليف
القوى العاملة بينهم..
لكنّ هذا صباح مختلف! و لا يكمن وجه الاختلاف
فى لفحةِ الشمس التى تجلد ظهور الفلاحين على مدى ساعات اتقادها، و لا فى عدد حالات
المرضى الذين يدخلون الصيدلية و هم يتألمون من أعراض الديزنتريا ..وجدته و ابنته
يعبران الترعة، لكن هذه المرة يتعكّز على جِريدة نخل. يسير فى عرجٍ مفاجىء و قد شدّ
إحدى ركبيته برباطٍ ضام. لم يتجاوز الصيدلية مثل كل نهار، لكنه توقف ببابها العتيق
قبل أن يدفعه بقوة مصطنعة.
قال بدون تحية ، و لا شبه ابتسامة :
- أنا عندى استشارة كده .. و أنا راجع من الشغل
هاعدى عليك.
لم ينطق بشىء آخر. استدار و عاد يتعكّز على الجِريدة
ممسكاً بيد ابنته.
اعتدتُ فى هذه القرية ألا أتعجب من شىءٍ أبداً،
ربما لكثرة ما رأيتُ بها من مساخر : أمهات يطعمن أبنائهن الملوخية فى أول شهر من
ولادتهم، ثم يتساءلن فى ذعرٍ عن سبب صراخ الرضيع و الإسهال المتّصل! و أخريات تناولن
شريط المضاد الحيوى كاملاً فى جرعة واحدة، من منطلق هاجم عدوك بكل الأسلحة دفعة
واحدة! و لا أنسى عم الشيخ مسعود ذى الثمانين عاماً الذى طبختْ له زوجته ليّة خروف
مسبّكة حال معرفتها بإصابته بالصفراء ، ضاربةً بكل تعليمات طبيب المركز عن الأكل
المسلوق عرض الحائط . و ظلّت لسنواتٍ بعدها لا تفهم لماذا صعدت روح عم الشيخ مسعود
إلى بارئها بعد أن قام من على " طبلية الوكل " بساعاتٍ قليلة.. و ظلّت
تلعن الطب و الأطباء ما بقى من عمرها !
قاربت الشمسُ على المغيب .. رأيته و ابنته
عائدَين. لا يزيد على المشهد سوى العرجةِ الجديدة فى قدمه، وجريدة النخيل .. طلب
من ابنته انتظاره عند الباب، و وقف قبالى :
- ناولنى ورقة وقلم !
مددتُ إليه قلماً و قطعتُ ورقة من دفتر تأييد
المبيعات، لاحظ دهشتى فقال :
- تابعنى و أنا باكتب ..!
كتب بشكلٍ يوحى بأنه لا يكترث لما يدوّنه، و
إنما بطريقة الكتابة ذاتها .. أغلق القلم و سألنى:
- ها.. إيه رأيك ؟!
لم أعرف بم أجبه ، هل جاء مهروّلاً إلى
الصيدلية ليسألنى عن رأيي فى إجادته لخط النسخ ؟!
شعر بالضيق إذ لم أكن على درجة الذكاء
المطلوبة! فتح القلم من جديد. عاد ليكتب، لكن هذه المرة بعنفٍ متتزايد:
" بص علي إيدى و هى بتكتب، إيدى بتتهز
.. إنت مش ضاكتور و لا ايه ؟!
إدينى فيتامين يرجعلى إيدى ماتتهزش ! "
فى هذه البلدة يتعاملون معى كنادل فى كازينو على
نيل القاهرة، يشخّصون و يقترحون الدواء و ما علىّ إلا صرفه.
- حضرتك عمرك كام سنة ؟
- ماشى فى الـ 54 .. و عاوز فيتامين عشان
إيدىّ لو سمحت !
كان يضغط على الكلمات كمن يتحاشى المزيدَ من
الأسئلة.. لاحظتُ لاصقاً طبياً مثبّتاً على ذقنه، كذلك بعض الأجزاء غير المشذبة
بها، مثل أرضٍ جُرِّفت من جراء الإهمال. فعاودت سؤاله:
- حضرتك جرحت دقنك و أنت بتحلق ؟
أطلق زفرةً و هو يجيبنى بنفاد صبر:
- اه.. النهارده الصبح. الموس باينه فلت و
أنا باحلق، أو ايدى اتهزت، مش عارف .. الله يحرقها الأمواس التِلمة بتاعتكو. سيبك
من دقنى دلوقتى.. يعنى إيه اللافندى المدير يقولى خطك اتغيّر و مبقاش يتقرى! قُصر
الكلام أنا عاوز دواء يرجعلى إيدى حديد !
قالها و هو يضرب بقبضته بقوة، على الرف
الزجاجى الذى يفصلنى عنه، حتى كاد يفلقه نصفين.
ابتلعتُ ريقى و أنا أشخُصُ في عينيه اللتين
ازداد جحوظهما ، قلتُ بصوتٍ هادىء:
- مـ..مكن سؤال كمان ؟
لم أمهله فرصة الرفض إذ عاجلته به :
رجلك ؟! انت اتكعبلت فى حاجة ؟ أصلك رابطها
يعنى .. و شايفك بتتعكز على جريدة النخل؟ -
حين تتعامل مع فئة الموظفين بالقرية، فغالباً
ما تكون أمام من حصل على قدرٍ لا بأس به من
التعليم، يمكّنه من التقاط الخيط الذي
تحاول جذب أطرافِه بأسئلتك، لتُحكِم العقدة فى النهاية على تشخيصٍ.. لذلك فك الرجل
قبضة يده التى كانت ماتزال مضمومة. أمعن النظر إلىّ و هو يقول بنبرةٍ اختلفتْ
كليّا:
- إلى فاكره انى ماتكعبلتش فى حاجة ..أديلى
كام شهر رجلىّ مش زى الأول، و لا إيدىّ.. و النهارده زى مايكون رجلى كلبشت فى الأرض،
كأنها خرجت عن طوعى أو اتجمدت قيمة ثانية كده.. فوقعت !
لاحظتُ فعليّا أن
ارتجافة يديه تزداد وضوحاً كلّما همّ بالحركة.. بزغ فى عينيه شيءٌ من الشك، أو
التوسّل.. ربما أدرك أنى
لا أنوى صرف دواءٍ له، أو أن شكواه تعدّت أن يكون علاجها كبسولات الفيتامين..
تشخيص المرض عادةً ما يكمن فى التفاصيل التى
لا يذكرها المريض، فى الكلمات التى لا يتفوه بها، فى الأعراض التى تفلتُ عنوةً حتى
و لو بالغ فى إخفائها.. و ما عهدتُ مريضاً فى هذه القرية يقول كل الحقيقة، إنهم
يخافون مواجهة المرض لذلك يعمدون إلى إخماده، و هذا يفسر سر الولع بالمسكنات.
و ما تغيّر الخط بسبب رجفةٍ تصيب اليدين، و
التى بدورها تؤدى إلى عدم التحكم فى شفرة الحلاقة، و فقدان السيطرة على القدم، إلا
فروعٍ ينبغى إرجاعها إلى جذعٍ واحد..
أعلمُ أن العاصفة َ قادمة لامحالة :
- ممكن تنزل مصر تكشف مخ و أعصاب ..؟
كما لو أنى باغته بلكمةٍ فى حشاه، ثار و هو
يفور غضباً. تحشرج صوتُه و هو يصيح :
- ليه ؟؟ أنا عندى إيه يا ضاكتور ؟ فال الله
و لا فالك يا شيخ ..
- اكشف بس .. علشان نطّمن.
استدار بغتةً ليرى ابنته، التى راحت فى غفوةٍ بعد
يومها الدراسى على المقعد الخشبى الملاصق
للباب. أطمأن أنها لن تسمع الآتى من
الحوار.. أدار وجهه إلىّ من جديد و قال
بنبرةٍ خفيضة، نبرة من يفصح بعد طول ممانعة :
- أنا جالى الرّعاش .. مش كده ؟ بالله عليك ماتخبيش
علىّ !
تمنّى بكل ما في قلبه من إيمانٍ بالله و
الأنبياء و السماويات أن تكون إجابتى بالنفى.. لكن ردى
..أفضى إلى مزيد من الشك
" اكشف.. عشان نطمّن ... "
كان محمرّ العينين كذئبٍ لا يصدق
فرار فريستِه !
لم ينبس بكلمة. قرر الرحيل. سار خطواتٍ نحو
الباب، قبل أن يعود مهرولاً، عودةَ مَن تذكر شيئا قد يغير من حيثيات الحكم:
- بس لعلمك أنا مش تعبان أوى .. دى رعشة
خفيفة يعنى، حتى بُص ! ( جاهد فى قبض
عضلات يده حتى تبين ساكنة) و اكتسى صوته بالضعف من جديد.. و بالتوسّل..
لازم
يعنى موضوع الكشف ده ؟
استشعرَ أنى لن أعدل عن رأيي، فتضاعف إحباطه، وعاد متباطئاً نحو
الباب.. و ما هى إلا لحظة من السكون حتى وجدته يعود للمرة الثانية! بدا العرق
غزيراً على جبهته، و أصبحت رجفة يده ملحوظة.. فما عاد يحاول إخفاءها !
قال بنبرة مضطربة، يائسة :
" الولية أم سعيد، إلى كانت بتقعد حذا
الترعة من الناحية القبلية، صابها نفس التعب ده قبل ما تموت، كنا عيال ديك الأيام،
و كنت باشوفهم بيسقوها الميه عشان مكانتش بتعرف تمسك القُلة من كتر ما ايديها
بترعش ..
تصلّبت عيناه و اتسعت و هو يكمل :
هو أنا هابقى زيها ..؟
"!! لما
أجى آكل أهطّر على نفسي .. و يسنّدونى من الناحيتين و أنا داخل دورة المياه ؟
كل كلمات الطمأنينة تختفى و أنا فى حاجةٍ
حثيثة إلى قولها. أحسستُ أن جُملاً محفوظة على شاكلة الطب بيتقدم يوم عن يوم حتى و إن كانت صحيحة، لن
تجدى نفعاً مع مريضٍ مهدد بملاقاة الـ(باركينسون) لبقية عمره.. كيف أخبره أن قدميه اللتين خانتاه عند مطلع الصبح ستستمران فى تكرار فُحش الخيانة من الآن فصاعداً .. العلاج المتعارف
عليه حتى ساعته و تاريخه يؤخّر من تفاقم المرض، يطيل المدة الزمنية بين الرجفة التى بالكاد يلاحظها
أهلُ المريض .. و الشلل التام! لم أملك سوى الإمساك بكتفه المرتجف فزعاً و
غضباً. ربتُّ عليه بحنو، و وجدتُ العبارةَ تخرج منى بلا سابق إعداد:
- ماتخافشي .. ربنا موجود ..
قطع المشهدَ أحدُ الشبّان الذين يفلحون الأرضَ
فى الجوار، يرتدى جلباباً و عمامةً ملطّخيَن بالطين، ترك فأسَه بالخارج ، دخل يقول:
- عاوز بورشام الفالاشيل يا دَكتَره.
هذه طريقتهم فى نطق دواء الـ(فلاجيل). بل و
ينطقونه بكل الفخر كأنه المشروب الرسمى لقريتهم! ذهبتُ لآتى به من أعلى الرف. فيما انزوى الموظف مستنداً
على الجدار يلتقط أنفاسَه بصوتٍ مضطرب.. كملاكمٍ أُثخِن ضرباً فى جولته الأولى..
أطرق إلى الشاب مفتول العضلات ذى العمامة و الجلباب الذى ينتظر دواءَ أميبا
الأمعاء.. تمنى فى قرارة نفسِه ولأول مرةٍ لو كان مصاباً مثله و مثل باقى الفلاحين
بالديزنتريا! بدتْ له فى تلك اللحظة كمرضٍ محتمل، بل و مسلّ، على عكس ما كانت تثير
فيه التقزز قبلاً! يتناول ما يحلو له من أطياب الأرض و خيرها، ثم يتولى العَقار
تطهير أحشائه ! هذا كل ما فى الأمر!
لم نتحدث بعد مغادرة الشاب. همّ مجدداً
بالرحيل. ذهب حيث كانت تستلقى بنيّته. لم يشأ إيقاظها.
خلع عنها شنطتها المدرسية،
ثم قام بحملها ضاماً رأسَها إلى صدره. ثم التفت نحوى و هو على عتبة الباب، فكانت هى
المرة الأولى التى أرى فيها رجلاً من هذه القرية يبكى!...
سألنى، و هو يغالب الدمعَ، بصوتٍ مترددٍ
مختنق، على عتبة الصيدلية :
- البتاع ده له علاج مش كده ؟
تبسّمتُ بارتياحٍ و أنا أشير بالموافقة، و
أزدتُ على قوله إذ كنت أعلم بما يدور فى خلده :
- و هتفرح بيها و تسلمها لعريسها كمان ..
و
تمنيتُ من الله أن يعتصمّ بالجَلَد حتى ينزل إلى القاهرة.
تسنى لى مشاهدته من زجاج الصيدلية. سار فى
اتجاه الجسر المتهالك الواصل بين ضفّتي الترعة،
حاملاً صغيرته التى تغطّ فى النوم،
تدفعه أكتاف الفلاحين العائدين من أراضيهم.. لم يأبه ببقع الطين التى تنثرها
جلابيب " الفواعليّة" حوله. فما عاد يشعر بوجودهم... انعقفت كتفاه و
انحنتا تماماً تماماً... لكنه توقف فجأة ! التفت بحركة عصبية إلى الخلف. شىءٌ ما
ينقصه !
جِريدة النخل!..
انتبه أنه نسيها عند باب الصيدلية! دبّ الألمُ
فى ركبته من جديد، كاوياً و عنيفاً، يغترف من قلقه فيفيض على كل عضلات جسده.. تذكّر أنه أصبح مريضاً محتملاً لداءٍ لم يتثبّت منه بعد.. خاف
أن تزِلّ به القدم و هو يحمل ابنته، فوق الجسر عند أعلى نقطةٍ من الماء العَطِن..
فأيقظها على الفور. أنزلها ببطءٍ من على صدره. أناب عنه هواء الغروب فى تجفيف
دموعه التى سالت رُغماً عنه، لم يشأ أن تراه باكياً.. هذا شعارُ كل أبٍ فى القرية حيال ابنته : ‘أموت و لا ترانى ضعيفاً ‘.. تبسّم إليها بفيضٍ من حبٍ أبوى هادر و هى تستقيظ من
غفوتها القصيرة... تُرى من منهما يحمى الآخر الآن من السقوط؟! تشبّثا بأيدى
بعضيهما..
ثم عبرا الترعة ...

رائعة
ردحذف