الجمعة، 9 أغسطس 2013

رائحة القهوة ( قصة قصيرة )


تصاعد بخار قهوة الصباح ممازحاً انفى برائحته النفّاثة بعد ان وضعه النادل كعادته امامى على الطاولة . تلمستُ بتثقل حافة الفنجان لعلنى اتخلص بسخونته المنبعثة من آخر بقايا النوم الرابضة بأجفانى . يراودنى النعاس كلما تذكرت ان حِزمة من الصحف مُلقاة بقليل من العناية امام عينىّ ، تجاورها بضع وريقاتٍ بيضاء لم يطأها قلم . كل هذه استعداداً لكتابة المقال الأسبوعى للجريدة الذى قلّما افرغ منه فى موعده المحدد .

رشفتُ رشفةً أخيرة من القهوة قبل ان افرك وجهى بكلتا يدىّ معلناً بإستياءٍ عن البدء فى الكتابة . أخذتُ نفساً عميقاً و انا أتطلع الى الكافيه الواقع فى احدى أقدم و أرقى أحياء مصر الجديدة ، حيث لا تحلو لى كتابةً الا هنا . أخذت انظر الى الزبائن ، و العاملين ، و أطباق الحلوى و الأكواب الساخنة المارة بجانب رأسى .. لا شىء جديد ! فأجمل الأشياء ينطفىء بريقها بداخلنا حينما نفقد متعة الإشتياق إليها ..
وضعتُ ابهمى على أحد أزرار اللابتوب محاولاً ايجاد ديباجة ملائمة لمقالى ، و مع أنى لازلت اجهل فى أى موضوع سوف أكتب الا ان هذا ليس على قدرٍ من الأهمية ؛ فحينما يدخل السأم قلوبنا لا تختلف الأشياء كثيراً فى مقدماتها ..
تذكرت أنى مُكلف بتبنى ملف المرأة هذا الأسبوع ، علىّ اذاً أن أكتب عنها هذه المرة . بدأت فى نسج المقدمة حتى نظرت الى يدى اليسرى و قد ارتسمت على شفتىّ ابتسامةٌ فيها من السخرية ما يكفيها لتبقى طويلاً على وجهى . ببساطة يدى اليسرى فارغة ؛ ليس لدى تجربة حقيقية مع هذا الكائن الذى علىّ ملء صفحاتٍ عنه .
و مع أنى كنتُ منزوعٌ من أى حِس الا أنى ارغمتُ نفسى على التدوين ، تصفحت عدة مواقع إخبارية بحثاً عن أية أنشطة نسائية  لهذا الأسبوع . و بينما تدخل أصابعى فى سباق مع عقارب الساعة و قد تلاشى بداخلى أى احساس بالمكان أو الزمان فى مواجهة هذا المارد المتسلط ؛ موعد الطباعة و النشر .

مرّت بالقرب منى بينما أنا غارق ٌ فى صفحاتى ، لم ألحظ دخولها فى البداية ، و لم ألتفت حتى لمعرفة ما اذا كان المار بجانبى رجلاً ام إمرأة ، الا أن رائحة العطر الفرنسى الفاتن يبدو انها ستظل فى صراعها الأبدى مع الرجال .. كانت كفيلة لإخراجى من هذا الانكباب لأعرف من أين يأتى هذا الرحيق الأنثوى الأخّاذ .
كانت قد جلست هى قبالى فى طاولةٍ لا تبعد كثيراً عنى . و مع انها لحظات بسيطة التى تسللتُ فيها ببصرى للتطلع الى هذه الزائرة الجديدة ، الا انها كانت بالوضوح الكافى لأن تُبقى مكاناً لها فى ذاكرتى .
بُساطٌ من الشعر الأصفر يحيط وجها بيضاوى هادىء ليفصح عن عينين عسليتين تملؤهما الرغبة ...
انتزعتُ نفسى من هذه الحالة الاستسلامية الولهانة التى طالما ارفضها، و قد ظننتُ أنى فعلتها ، و لكن سرعان ما وجدتُ نفسى أطرق البصر لها مراراً و مرارا ..
صرنا نتناوب النظرات حتى اشتبكت عيوننا فى بضع لحظات خاطفة بين الحين و الآخر ، تطول حيناً و تقصر حينا آخر .. حاولت للحظات التظاهر بعدم الاكتراث الا أن هيهات الصمود امام اصرار امرأة ..


إن ثمّة معضلة استشعر وجودها تقف حائلاً بينى و بين هذا الكائن المجهول . فأول امرأة فى حياتى ، التى منها انا خرجت ، لم يشأ القدر أن يجمعنا سوياً على أرضٍ واحدة ، ففى اليوم الذى جئت فيه الى الحياة غادرتها هى . ثم كانت تجربتى الأخرى و الأخيرة ، اختى الكبرى التى عنيت بتربيتى ، احببتُ فيها الأمومة المفتقَدة الى أن صارعها المرض فهزمها..

تجربتان انتهوا بى الى حقيقة ثابتة ؛ إن هذا الجنس يرتبط فى ذاته بثنائية مريرة مع الموت و الفناء ، و من هنا كان هروبى المبرر من النساء الذى هو فى الحقيقة هروبٌ من الموت ..

و لكن انا الآن جالسٌ فى مواجهة امرأة غايةً فى الجمال ، لستُ متأكداً إن كان داء الموت قد اصابها أم لا ، و لكنها تظهر مفعمة بالحيوية .. تجلس أمامى ، و بيننا نظرات ممتدة ، تتعانق حيناً و تنفك حيناً .. أجد نفسى فى مفترق طرق عسير ، أحمل ورائى تجربةً أليمة لسيدتين كانتا أعز ما املك  و قد جعلانى اكتشف حقيقة الموت .. و لكنى فى ذات اللحظة أجد أمامى واحدة أخرى من نفس هذا الجنس ، من عينيها تتفتق الحياة ... و ليس من الذكاء ألا نختار الحياة ...


من المؤكد ان الورقة التى تركتها لها مع النادل ستكون بين يديها حينما اكون على ابواب الكافيه فى طريقى الى العمل بالجريدة . فسنظل نتذكر كلانا انى فى صباح هذا اليوم كتبتُ لها على ورقة كان من المفترض ان تُملأ بجملٍ جوفاء تُنشر ليقرأها المئات ، أرادها الله كلماتاً مقتضبة لتصل الى شخصٍ واحد ، أو ربما لتذكرنى بهذا الميثاق الجديد : " يا امرأة .. كانت مبارزة ممتعة هذا الصباح ، حاولتُ فيها الإفلات من شباكك ظاناً منى انها الهلاك الى ان عرفت أن ما دونها هو كذلك ... لا يهمنى إن كنت قد احببتكِ أم لا ، و لكن يكفى انى عرفت فى هذا الصباح أن هنالك رائحةٌ تفوق فى جمالها رائحة قهوتى الصباحية ... "

مارك كاسترو


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...