1
هل أيقظه الحر الخانق المشبّع برطوبة أغسطس و شمس
الظهيرة التى تحيل الأرض جمراً يستعر؟ أم تراه أفاق على صوت قطرات الماء التى
تتساقط عبر السقف المتهالك لغرفته التى أصبحت لا تفارقها رائحة العطن؟ من أين أتى
الماء الذى غطس فيه الجسد النحيل بأكملِه؟ جبهته تتفصّد عرقاً غزيراً دون توقف، و
حين تحسس فخذيه أدرك أن مثانته - من دون علمه - قد أفرغت ما بها أثناء الليل.. صوتُه
الآتى من أعماقِه يؤلمه حين يجرح شيبته بمرارة التحسّر: عُدتَ طفلاً يا أنطون؟! بلّلت
فراشك مرةً أخرى! ما عادت لك أمٌ تحتمل رائحتك يا أنطون...
تبقي له عشر دقائق فقط يتهيأ خلالها للهرب، بعدها
ستستيقظ أم سعاد صاحبة تلك البناية المتهالكة التى يقطن غرفةً بها ذات شباكٍ وحيد
مهشّم، و سقفٍ تتقاطر منه مياه مجهولة المصدر.. إن تعثّر فى إيجاد عكازِه الخشبي
الهَرِم، أو طال وقت البحث عن نظارته العتيقة وسط الكراكيب التى أصبحت ظلالاً
لزمنٍ فات، فسيصطدم بها على درجات السلم، متوشحةً بشالٍ ينبسط على منكبيها
العريضين، تبين منه خصلاتٍ بيضاء عند جبهتها، امرأة ذات بنية ذكورية ضخمة، لها
صوتٌ جَهورى يسمعه كل السكان البائسين متى طالبتهم بدفع الإيجارالمتأخر.. كانت
تتحرّج من مطالبته به مباشرةً، فسنواته السبعون و هُزاله الذى يتضح من خلف قميصه
الأبيض الوحيد الذى هتكه الزمان، يبعثان فيها قليلاً من الشفقة.. كانت تكفى
ابتسامتُها المتكلفة لتذكره بالإيجار المتأخر، فكان يرد صباحَها بابتسامةٍ عاجزة،
لتبين من بين شفتيه سنتُه الأمامية الوحيدة المتبقية..
شعر باضطرابٍ فى صدره حين رآها أسفل السلم.. نزل بهدوء
حتى لا تشعر به، وجهُه مصوب نحو قدميه ليزداد ظهرُه تقوساً، كان أشبه بفأرٍ حان
صيده.. رمقها بزاوية عينه فيما يمر بجوارها فلم يلمح ابتسامتها ترتسم على شفتيها
الغليظتين.. أشاحت بنظرها بعيداً فيما تنفث ببرودٍ دخان الشيشة لأعلى.. ربما تناست
تأخره عن الدفع لشهرين متتاليين..
حين كان يهم بوضع قدمه الأخرى على العتبة الخارجية
للبناية و فيما تغشى بصرَه آشعةُ شمس الظهيرة و قبل أن يبتلعه الشارع بظلاله،
اخترقه صوتُها كرصاصةٍ لم تخطىء يدُ مُطلقِها:
" كل شهر و أنت طيب يا عم أنطون " ..!
***
2
لم يعتد على طلب المساعدة أبداً، حتى كان تحمل الماء
المتقاطر من سقف غرفته أهون عليه من مذلة الوقوف بكفٍ ممدود يتعرّق من فرط
الخزى...
سار نحو الكنيسة، بيت الله الذى لا يعرف سواه.. تجاوز
البوابة الخارجية ليجد نفسَه فى الصحن المُعبأ بالبخور و تضرعات المساكين أمثاله..
هنا لا يُسأل الداخلون عن إيجارٍ مستحق السداد و لا تنزف السقوفُ ماءً عطِناً...
أغمض عينيه اللتين تحجّرتا من فرط الدموع التى لم تُذرف أبداً.. أتحمل الجوعَ و
العطش و لا تمر بحلقى مرارةُ كلمات الشكر حين يساعدنى إنسانٌ كأنى شحاذٌ..
سوف ينتظر طويلاً حتى ينتهى القداس، و تنصرف الجموع، و
يغادر آخر الزوار مكتب الأب الكاهن دون أن يُحكم غلق الباب، حينها سينفرج البابُ
قليلاً ليسمح للرجلين أن تلتقى أعينهما.. واحدة مِلؤها السكون، و الأخرى تتفصّد
خجلاً...
- اتفضل يا عم أنطون، عاش من شافك يا راجل يا طيب.
قام مستجيباً لنداء الكاهن، يحاول أن يبطىء الخُطى حتى
لا تُفصح عن شدة احتياجه.. مداراة العَوَز أشق علي نفسِه من إخفاء البقعة التى
سببها سلسُه البولى أثناء الليل.. جلس مقابلاً للكاهن الذى بادره بالسؤال عن صحته
ثم تطرق للسؤال عن أحواله الروحية. كان أنطون يجيبه بابتسامةٍ واهنة دون أن ينطق
بحرفٍ، فقط جِفناه المتهدلان لأسفل مثل أوراق شجرٍ ذابلة أخبرا بكل شىء..
قام القِس فأحاط رأسَ ضيفَه بيديه واضعاً الصليبَ أعلاها
فيما انحنى أنطون مسلماً إياه رأسَه من
أجل إتمام الصلاة.. ثم فتح القِس أحد أدراج مكتبه فأخرج أوراقاً نقدية.. كان مايزال
أنطون مقوساً لأسفل لم يستقم جذعُه بعد حين لمح اليدَ التى كانت تباركه منذ لحظة و
هى تمتد له بالمال. ذلك الخجل المحفور فى عظامه الهشة يفور مثل حمضٍ فيكويها، و
ذلك الوسواس المستوطن أعماقه يقايضه على كرامته:
“ أتمد يدك للصدقة يا أنطون و أنت فى آخر العمر؟ ألعلك
أيضاً ستقبّل اليد التى ستنقذك من الطرد من غرفتك؟ إنه فى سن أولادك يا أنطون، لو
لم يأخذهم الوباء لبقوا أحياءً يحفظون شيبتك.. ستون عاماً من بيع الصحف لم تَبِت
ليلةً واحدة و فى جيبك ما لم تكسبه بعرقك ثم تصبح مديناً لآخر و أنت على عتبة
القبر؟ أصبحتَ شحاذاً يا أنطون؟!"
كان على وشك أن يمد يده، لكنها لم تطاوعه و ظلت مضمومةً
بعنفٍ أدهشه شخصياً.. شيخوخته أبتْ أن تُجرح على هذا النحو و لو كان البديل أن
يفترش الجرائد التى ظل يبيعها لستة عقود... حاول الكاهن بشتى الطرق لكن قبضة الرجل
السبعينى النحيل لم تَلِن أبداً.. كان كلما حاصره العَوَز يزداد صلابة!
على عتبة الباب جاءه صوت الكاهن من خلفه بعدما أعاد
النقود إلى درج مكتبه، يائساً و
مندهشاً:
- طيب مش محتاج أى حاجة يا عم أنطون؟!
بعنادٍ طفولى يحاول ابتلاع مرارته و بعينين قابضتين على
الدموع حتى لا تتفجّر ينابيعُها استدار ليواجه القِس للمرة الأخيرة، قائلاً:
- صلواتك يا قدس أبونا..!
3
عند البوابة الخارجية للكنيسة لفحته شمسُ ما بعد الظهيرة
فتصبب عرقاً.. حرارة الجو أصابته بدوار فتذكر أنه لم يأكل شيئاً منذ ليلته الفائتة..
تحسس جيبَه فوجد بضع عملاتٍ معدنية تكفى لرغيف خبزٍ و قرص طعمية..
- اتأخرت أنت النهارده يا مقدس أنطون، شطبنا والله..
ظل ينظر بتحسّر نحو المقلاة التى لم يتبق بها سوى القليل
من الزيت الذى اسودّ لونُه من تكرارا الاستخدام..
رفع يدَه بتوسلٍ مكتوم و هو يشير نحو محدثّه بحركة
دائرية من معصمِه.. فأجيب بيأسٍ:
- قلّبتها والله يمين و شمال الطاسة فاضية مفهاش و لا
نقطة عجين!
لم يجد بُداً من الجلوس وحيداً على الرصيف المظلل بشجرةٍ
وحيدةٍ عالية. كان كلما مرّ أحد زبائنه القدامى - و هم فى تناقصٍ ملحوظ - يحاول فرد ظهره المعقوف بأقصى ما يستطيع حتى
يخفى ما فعلته الأيام بالرجل صاحب الدراجة الذى كان يمر بين الأزقة و الحوارى يبيع
الصحف و المجلات الأجنبية، و يحفظ أسماء سكان البيوت و عمال الورش و حتى صبيان
المقاهى..
"غدوتَ مشرداً يا أنطون، حتى الموت سيبحث عنك
طويلاً حتى يعرف مكانك..!"
هكذا كانت تَلكمه الأصوات بداخلِه..
على الجهة المقابلة لمكان جلوسِه لمح فجأة رجلاً خمسينياً
ببدلة و رابطة عنق له كرش ضخم يتدلى أمامه، يسرع نحوه فى ود:
- المقدس أنطون بتاع الجرانين.. فينك يا راجل من زمان..
معقولة واحد من صنّاع الفكر يبقي قاعد على الرصيف!
ظل أنطون ينظر إليه من خلف زجاج نظارته الذى تراكمت عليه
أتربة الشارع، لا يتذكّر الرجل، ربما باع له الجريدة لمراتٍ معدودة، بيد أنه لا
يتذكر أدنى حوارٍ دار بينهما من قبل. تابع الرجل حديثه الذى ازداد حماساً:
- تعرف يا مقدس، لولاك مكانش يبقى فيه ثقافة فى بلدنا،
أنت حلقة الوصل مابين صنّاع القرار و رجل الشارع. بدون جرنال الدولة يبقى ملهاش
لسان. تخيل؟!
- ...
شيءٌ ما يغلّف العالم حولَه بضبابٍ كثيف، ربما الجوع
الذى بدأ يزحف نحوه و العرق الشديد الذى يتصبب من كل جسده ما جعلاه يستمع إلى
مُحدّثِه بنصف وعى..
هل استمر الرجل فى حديثِه المتوهّج؟ لا يعرف، كان فقط
يلمح كرشَه الضخم و هو يهتز مع كل كلمة يقولها.
لكن الرجل مدّ يده فجأة و أمسك
بحماس باليد المعروقة لبائع الصحف الذى لم يأكل شيئاً منذ مساء اليوم الفائت..
- قوم بينا يا أنطون على مقر الحزب، مش بعيد ما انت
عارفه و ياما وزعت جرانين على كل أعضائه.. أنت مكانك مش على الرصيف يا راجل يا
عظيم..
سار أنطون وراءه يقاوم آلامَ ركبتيه و ساعدِه المشدود
على أتمه و كفِه الذى انحسرت عنه الدماء بسبب القبضة المحكمة للرجل الذى لا يتوقف
عن الحديث و لا يكف كرشُه عن الاهتزاز..
دخلا إلى سرادق كبير اكتست جنباته كليّاً باللافتات التى
لم يتمكن بسبب السن و داء السكرى أن يقرأ بوضوحٍ محتواها. لما تقدما الصفوف
المكتظة بالحضور استطاع تبيّن المكتوب، فلم يُثِر فيه أى انفعال، إذ كان أشبه
بمانشيتات الصحف التى ظل يبيعها طوال حياته.. حوله بشرٌ لا يكفّون عن الهتاف و
التصفيق و القسم بالسماء و الأرض أن يظلوا أوفياءً للحزب و للوطن.. تركه الرجل فى إحدى جوانب
السرادق ليجد نفسه يرى المنصة من زاوية ضعيفة الإضاءة لا يتناهى إليها الصوت عبر
الميكروفون إلا مشوشاً.
مرّت ساعتان، أو ثلاثة.. تحدّث خلالها كثيرون، لم يكن
يالقرب الكافى ليميّز ملامحَهم، لكنه رأى من بعيد أنهم يرتدون جميعاً بدلاتٍ داكنة
ويتصببون عرقاً من فرط الحماس و لا ينزلون عن المنصة إلا محمولين على الأعناق..
كان كلما غيّبه الجوع عن وعيه أيقظته عاصفةٌ من التصفيق تهز الأرضَ تحت قدميه..
فجأة وقف مُضيفُه الخمسينى بعد أن بُح صوته و دعاه
لإلقاء كلمة بتلك المناسبة الوطنية العظيمة.. لمحه بعينين مغبشتين و هو يحرك يدَه
نحوه مشيراً له بالتقدم نحو المنصة.. لم يصدّق إلا متى دفعه الجالسون حوله
ليتحرك.. تناهت إلى سمعِه المشوش كلماتُ الترحيب به باعتباره إحدى الأعمدة التى
ترتفع عليها مظلة الحزب العريق! عندما صعد الدرجات الثلاث شعر بالحرارة المنبعثة
من معدات الإضاءة الضخمة المسلّطة عليه، دزينةٌ من من آلات التصوير مصوبةٌ نحو
وجهه، هو الذى قضى عمرَه فى الظل.. انسحب الواقفون على المنصة إلى الوراء، ليتركوه
وحيداً أمام الميكروفون..
يسمع صوت مضيفه من ورائِه هامساً:
- قول أى حاجة للناس..
صدره يرتجف من هول ما يرى، جمعٌ لا يرى نهايته شاخصٌ إليه.. توقف الزمنُ فجأة، صار فى المركز بعدما عاش حياته بأكملها مطروداً إلى الهامش! ماذا يمكن لبائع جرائد يسكن قبراً و يحاول أن يخفى بقع البول التى تتكون على بنطاله بلا توقف أن يقول؟! هذه فرصتُك الأخيرة يا أنطون لأن يسمعك العالم قبل أن تصمت إلى الأبد.. تكلّم.. كان يريد أن يقول أنه تأخر فى سداد الإيجار لشهرين متتاليين، لأن الناس باتوا لا يقرأون الصحف، أو لأن الذين يقرأون قد ماتوا.. و أن أم سعاد تنتظره عند مدخل البناية الآيلة للسقوط و ربما ستمنعه من الدخول إذا لم يدفع الإيجار.. تكلم يا أنطون.. كان يريد أن يقول أن الماء الساقط من شقوق غرفتِه بات لا يُحتمل.. كان يود فى تلك اللحظة تحديداً أن يصرخ فى الحضور جميعاً و يقول: أنا جائع... لكنها تحشرجتْ فى حلقِه من شدة الخجل.. كل الأصوات تتداخل فى صدرِه بعنف.. تكلم يا أنطون.. كان يريد أن يقول كل هذا دفعةً واحدة بلا توقف كاسرِاً جدارَ صمتِه الأزلى، حتى و لو تشظّى بعدها إلى نِثارٍ و رماد.. لكنه فى اللحظة الأخيرة، نظر السرادق و الحشود و رايات الحزب العالية، و قبل أن تنطلق الرصاصة من مكمنها، صرخ:
- فليحيا الوطن!
***
فى صباح اليوم التالى، وُجِد المقدس أنطون بائع الصحف ذى
السبعين عاماً راقداً بسلامٍ و وداعة بجوار الرصيف، بين الكنيسة و مقر الحزب، بعدما تحرّج أن
يعود إلى غرفته دون سداد الإيجار المُستَحَق، و بعد أن انفض المؤتمر الشعبي للحزب و تفرّقت الحشود.
و لما حاول صبيان المقهى المجاور أن يوقظوه وجدوا أنه قد مات، فجاءوا بأوراق صحفٍ
قديمة ليغطوه بها، و ذهب أحدهم ليُبلغ الشرطة.
(تمت)
مارك كاسترو
20/9/2024

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق