فيما كان محدثُه يختفى وراء الستارة , كانت
تأتيه عباراتُه مفعمةً بالفخر مطعمةً بكلمات إنجليزية مبهمة , تبيّن على كل حال
لذة الأخير فى ترديدها .
- زى ما باقولك كده ,
ماتخافش , إحنا نقدر نطلع العيل ياكشى يكون ماسك فى بطنها
بايديه و سنانه.
حين انتهى من الفحص توقف عن الحديث قليلاً. عاد
إلى مكتبه مجدداً فى مقابلة الشاب ذى الوجه الأصفر النحيل الذى بادره بالسؤال :
- امتى إن شاء الله يا
دكتور ؟
- بكره قبل الساعة عشرة
تكون انت و جميلة فى الاستقبال . ابسط ياخويا
قبل المغرب هتكونوا مروحين انتوا
التلاتة !
جاءت كلمتُه الأخيرة منعشةً لقلبين تألما
طويلاً من فرط الانتظار.. أسرع إيهاب متهللاً خلف الستارة ليساعد جميلة فى عدل
هِندامها. أمسك بحقيبة يدها حتى انتهت من ربط الطرحة , مفصحةً عن وجه أبيض تام الاستدارة .
أزاح قطرات العرق بلطفٍ عن جبينها الندىّ بالفرح . رمقها بحذرٍ مشيراً نحو رأسها, فأخفت
خصلات شعرها الداكن التى أفلتت من الطرحة . طلب منها أن تجلس, ثم انحنى نحو قدميها
على غير ما جرت أى
عادةٍ بينهما , ليحمل عنها مشقة ارتداء الحذاء..
قبّلت جميلة الممرضة بحرارة باعتبارها رفيقة
درب, فيما نقد إيهاب العاملين
بالمستشفى بعض المال, لينالا بذلك صُحبةً من
الدعوات و الابتسامات و حتى
الزغاريط تزفّهما حتى بوابات المستشفى .
سارا فى طريق العودة
بمحاذاة الكورنيش . تمسّكا بأيدى بعضيهما بلهفة كأنه اللقاء
الأول , و كمراهقَيـن يختطفان ساعةً من الليل بعيداً عن
الأعين. و للمرة الأولى لاتؤلمها قدماها المنتفختان من جرّاء الحمل . سارت إلى جواره بدلالٍ يتجلى انعكاساً على
صفحة النهر المُضاءِ بالمراكب . تسير فى زهوٍ و دلال , فالليلة إثباتٌ أنها كباقى
النساء , امرأةٌ مكتملة الأنوثة !
أخذا يمعنان النظر فى وجوه
الصِبية من حولهما , ضحكاتهم , أجسادهم الرقيقة فى طور النمو , لهوهم الذى كان مصدر
إزعاج قبلاً . فى ليلة كهذه , كل أطفال الدنيا يبدون أكثر براءة من أى وقتٍ مضى ..
على الفراش الذى لم يثمر لعشرِ سنواتٍ مضت كان
عناقهما فى تلك الليلة حارّا, و عذباً
.. ضمّها إليه فى شوقٍ لم يعيقه سوى البطن المنتفخ على أهبّة الطلق. كان من
الطبيعى أن يتعجّلا السواعى فى ترقّب الوليد المنتظر . فكم هى عسيرة الليالى التى
يستبد بها القلق و الترقّب , و الشوق .. لكن هذه الليلة انفردت بشعورين على أتمهما
من الانسجام , و الغرابة ! فلا التحرّق لرؤية المولود كان باعثاً على انقباض القلب,
و لا متابعة عقارب الساعة كان مملاً على أى نحو .هذا لأن النبأ حلو , و انتظاره
على صدر المحبوب يزيده حلاوة ..
بين غفوةٍ تروح و تجىء , تلتقط الذاكرة
أحداثاً مضت , تعيد ترتيبها , تنفض الغبارَ عن أقدمها , لتشكل منها عشرَ سنواتٍ كاملة
على مقاعد الاستقبال فى انتظار الطبيب. رجفة القلب عند سماع التشخيص , تحاليل
المنىّ كل ستة أشهر , ملاحقة فترة التبويض بعد كل دورة , الحب الذى تحول إلى
اختبارٍ ميكانيكى للتخصيب . الجزم بأن هذه المرة سيحتفظ الرحمُ بمكنونِه و لن ينزف.
ثم ينزف !
قطع صوتُها الصمتَ الدافىء :
- أخيرا هابقى شجرة . .
.
- هاتبقى شجرة ؟!
- أيوه .. هابقى شجرة .
و هتبقى لى فروع كبيرة , لحد السحاب. أخيرا الجدور هيجيلها يوم و تنبّت ..
يتبين إيهاب ملامحها الساهية. كانت تشخص لأعلى ,
إلى اللامحدود . لم يُزد حرفاً. غفا و هو مُطرقٌ نحو وجهها الذى ينير بياضُه عتمةَ
الغرفة .
هل كان يشعر بالخزى حيال ما فات ؟ و لمَ هذا الشعور
؟ ألم يكن كلاهما عليلاً ؟! و لكن بلادنا تغفر للرجل شتى صنوف الخطايا , إلا أن
يكون عاجزاً عن الإتيان بالنسل !
حلّ الصباح بهيّاً , لم يحتاجا منبهاً
لإيقاظهما . تلون وجه جميلة بالبسمة التى طغت على شعورها بالإعياء. ساعدها إيهاب
فى ترتيب الحقيبة و مستلزمات ما بعد الوضع . استقلا سيارةً أجرة حتى باب المستشفى
. لم يتبق لكليهما لا أب و لا أم ليقوم بتلك المهمة . اليدان مشتبكتان حتى آخر
لحظة . ستتذكر جميلة الأطياف الأخيرة التى رأتها قبل سريان الخِدر : يد إيهاب
المتشبثة بيدها , قبلته الحميمية على شفتيها قبل مجىء الممرضات لاصطحابها , نظرة
الطبيب الواثقة عند دخول "الترولّى" إلى عنبر التوليد , دعوة سيدة مسنة
لها ترتدى خماراً رمادياً و تمسك بسبحة فضية كانت تنتظر ميلاد حفيدتها ..
عند اندفاع الضوء الأصفر فى مقلتى المريض , عادةً
ما تتدفق معه الذكريات دفعةً واحدة , كأنها تقبض على أوصاله قبل أن تتركه جسداً مسجى بلا حراك .لم تهادنها فى هذه اللحظات مشاهد اللقاءات الأولى حين كانا
موظفَين فى مصنع النسيج . الكلمة الأولى , و البسمةُ المرسلة خلسةً وسط ضجيج الماكينات
, و جلسة العائلتين فى الصالون المُدهب بعد نزع الأغطية البالية من عليه . تتذكر
مليّاً صدمة الأهل , و رفض الأم لهذا العريس الذى يشاركهم الفقر . تم الزواج مشفوعاً
بتوسلاتِ جميلة , لتحل بعدها مرحلة التقريع و حتى الشماتة بعد كل شهرٍ لا يُسفر عن
حمل .
مرّت ساعة .. خرج الطبيب متجهمَ الوجه . تنهد
عند رؤية إيهاب كأنه كان يتحاشى اللقاء .اقترب منه و أمسك بذراعه فى صمتٍ حتى
يتبعه لكن إيهاب تسمّر فى مكانه صائحاً :
- جميلة حصلها حاجة ؟
-
جميلة بخير.
- و ابنى ؟
- بنتك . بنتك فى الحضّانة عشان ضعيفة حبتين
. لكن مش دى المشكلة !
فى المكتب نفسه تهيّأ الطبيب لإخباره بالنبأ
. أشعل سيجارة و قدم أخرى لإيهاب الذى رفض . بدأ بديباجة عقيمة سرعان ما أدرك أنها
لن تجدى نفعاً , فخلص إلى الحقيقة المجردة :
- بنتك عندها إعاقة ذهنية !
- ...
ينظر إليه أيهاب غير مصدق . الكلمات سيوفٌ
تذبح سامعها . استكمل الطبيب موضحاً :
- طفرة ! كروموزوم زايد بيسبب التأخر العقلى
و بقية الأعراض , زى الشعر الأملس و اللسان الى أطول من الفك , و طبعاً العقم .
لم يفهم إيهاب على الأرجح معنى الطفرة و لا
ما يعنيه الطبيب بكلمة كروموزوم , لكنه استخلص الحقيقة التى ستبقى : أنه أنجب
بنتاً ليست كبقية البشر .
عند باب المستشفى , تحمل جميلة
الرضيعة التى لم يسمونها بعد , بينما تقدم إيهاب ليبحث عن سيارة أجرة . ترن فى
أذنيهما نصيحة الطبيب التى ستظل عائقا بينهما كلما قارب أحدهما الآخر : " ماتكرروش المحاولة , كفاية ابتلاء واحد
" .
تعلقت جميلة بالرضيعة مذ أن
دُسَّت فى حِضنها و هى لم تزل تحت تأثير المخدر. فعينا الأم ترى – على ما يبدو -
ما لا يمكن للآخرين رؤيته .أفاقت على صوت بكاءٍ كانت تموت كل ليلة رغبةً فى سماعه .تشبثتْ
بها و بكت للقياها. راحت تخاطبها بكل ما تمليه عليها أشواقُ الأمومة من عبارات يتقاطع
معها دمعُ الفرح , و كأنها تناست أن تلك الرضيعة
لا تفهمها , و ربما لن تفهمها أبداً ...
من مرآة السيارة ظل إيهاب يتابعهما و هو جالسٌ فى المقعد
الأمامى . ثمّةَ إحساسٌ يختبره للمرة الأولى , أن يشرب المرء ماءاً و مع ذلك يبقى ظمآن .. يتأمل
ملامح الرضيعة بإشفاق , فكل أب تكمل سعادته عندما يحمله أبناؤه متى شاخ , أما هذه
الصغيرة فإن لزاماً عليه أن يحملها طوال حياتِه ..
مارك كاسترو
31/3/2017

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق