الاثنين، 4 يونيو 2012


حينما يكون الخيال هو المهرب الوحيد من الواقع الأليم ...

حينما يصير الأمل على ارض الاشواك هو حلم العشق و
 العاشقين...


حينما تصبح الروح  ملجأ الشعراء و المضطهدين...
 فى وطنٍ ملىء بالمساجين...

حينما يحتاج البشر الى ايدى حانية , رحيمة ,
 تشفق و تعزى ..
 فى دنيا مليئة بالطغاة و المفسدين ...

حينما تبحث الأجيال عن تلك الحسناء الطاهرة ,
تلك التى لا تعرف رائحة النبيذ ...
و لا تجد متعة فى اغواء الرجال...
و لا تعرف كم هى شهية حتى القتال ...
يبحثون عنها فلا يجدوها ... ربما فى حلم .. او فى الأدغال...
يا احبائى انها ليست بموجودة من الأساس ...
فحواء نفسها لم تكن كذلك , و بناتها على نفس المنوال...
انتهجن درب الغواية ...

حينما يخطىء الكثيرون فى تفسير افعال النساء...
نظن اننا رجال صالحون و اما هن فجاهلات...
لقد تنبهنا الى اجسادهن و تغافلنا ...
ان عيوننا هى النجسات ... !!

حينما يشتهى العالم ان يقفز الى الخيال...
حينما يلهث البشر وراء الفلاسفة ليثبتوا ان الدنيا هى جزء من الخيال...
حينما يبدع الملحدون فى وصف الحياة كلون من الخيال...
حينما تنتهى كل اساطير العشق القديمة لتدخل الى حيز الخيال...
حينما يصير الله خيال ...
حينما يصير الأنبياء خيال...
حينما يصبح الحب اعظم خيال ... 
و العشاق مختلون...
و الأدباء و الشعراء اكبر المتوهمين ...

كلها افكار مبعثرة ... و مرتبة ... صائبة ... و خاطئة ... طاهرة ... و ماكرة ....
حقا انه السؤال : لماذا يهرب البشر من الواقع و يدسون نفوسهم بين طيات الخيال ؟؟!

انا لن اجيب على هذا السؤال و لن اشتت القارىء اكثر من هذا , و لن اطلب منه الخوض فى فلسفة الحكماء اكثر من هذا الحد ... و لكن هيا بنا الى الخيال , طالما ان كثيرون قد سبقونا اليه , و لنغوص بين لججه قليلا ...او كثيرا ... او كيفما نستطيع تحمل الأمواج ...

لن ألحد هذه المرة ...
 و لن انكر اللاهوت و الثالوث ...
كما انى لن اخوض فى بحر التعقيد و الطقوس...
سنثبت خيالنا على ارض روحية ... ارض الرجاء ...

عزيزى التائه معى , هل تقبل ان اصطحبك فى رحلة خاطفة قد تستغرق ثوان او دقائق ... او ربما مئات السنين ؟
عزيزى القارىء نعبر اللآن الى الشط المقابل ... حيث اليوتوبيا تعوم هناك ... 
افلاطون باسم الثغر ينتظرنا هناك...
و جموع الطيبين و الأخيار ينتظرون رسو سفينتنا هناك...
هيا بنا سأريك ما اشتهته النفوس ... و قد نجده هناك... 
سأجعلك تشاهد ابهج منظر فى الوجود ... و ها انا اعد له منذ ايام كثيرة , ستراه و ربما تبكى ...
او تضحك...
او ترتسم عليك علامات الجنون...

و لكن من الثابت لى انى بكيت عند رؤيته بقدر ما بكت لويزا عند فراق عيسى العوام و بقدر ما ذرفت العذارى الجاهلات عند فراق العريس و بقدر ما بكت مريم بجوار الصليب ...

ان المشهد الذى سأرويه لك يا عزيزى لن تنساه البشرية من ذاكرتها ... لن يتوقف هذه المرة عند الحد الخيال او الأمنية فحسب ...

انه مزيجٌ بين كل هذا : حقيقة و خيال , حلم و امنية , طلبٌ و رجاء...

" كان الجمع كثيرا , لا تستطيع التمييز بين الأشخاص , فالحشود غفيرة و الميدان متسع و البشر فى تلاحم مستمر .
كان العراك شديدا و الناس متشاحنون لا يسكنون تارة , فلا مكان لمن يخور او يغشى عليه , فالبقاء... لمن يستطيع البقاء حيا !
لقد توهج الميدان بينابيع الدماء التى تفجرت ليختلط لونها بلون تراب العاصفة و الرياح و لون الدموع الرقراقة التى تذرفها الأمهات على بنيها... كان الصراخ يتزايد شيئا فشيئا و كان النحيب لا ينقطع من وسط الهتافات ... 
كان البكاء و الدموع يتساقط ليغسل القلوب قبل ارض الميدان .
لا سكون بين ارجاء المكان , و لا هدهدة و لا اطمئنان , فكل شىء و كل همهمة تحدث ضجيجا ! لقد سقطت كل فنون الحوار و انطمست كل آداب التواصل لتعيدنا الى جهل العشيرة .
لقد كان مشهدا يرثى له حقا : البشر و الدماء و الأشلاء , كل كدقيق مطحون ... لا تستطيع التمييز بين من بقى حيا و من سقط صريعا ... و بنظرة اكثر عمقا تتيه الأذهان عن ماهية الصواب و الخطأ ... كوحوش جوعى , كل فرد فى تلك الهجمات الوحشية ينطح من يأتى امامه , دون رحمة او شفقة .
لقد كان ميدان التحرير فى اسوأ حالاته فى هذا التاريخ ...القريب ... البعيد... , حينما لا تعد تفرق بين ثائر و فلول , عدو و محب ... شيوعى و زنديق ... , يندفع الجمع الحاشد الى هوة المجهول , و من ناحية اكثر وضوحا و حينما نرى ان قسوة القلوب قد ساقت البشر الى منحنى شديد الخطر حيث لا نعد نرى فى الأفق سوى : انفس ضائعة ... قلوبها قاسية ... و متحجرة . " اين ذلك الحب الذى حير الفهماء فى تفسيره , اين تلك المشاعر النبيلة .. الرءوفة ..القادرة على صنع المعجزات ... لقد اقتلعت من جوف البشر , لتجعل منهم بهائم متناطحة و متباغضة .
المحبة و البصر و البصيرة و الحكمة و التعقل ...كلهن يبتن فى العراء طالما ان البشر قد فضلوا الحياة بدونهم . 

لقد كانت الحاجة الى شخص واحد ... يحمل على عاتقه اعادة احياء الثورة الروحانية ... حيث لا تفتح السجون و المطابق المادية فحسب , و انما تنشق القلوب ليخرج منا ما استطاعت ان تحوى .. كم الغش و الخداع , لن يطلق السجناء و انما يحرر الخطاة المستعبدين لنجاسات قلوبهم , لن يكون حكمه ارضى و انما يملك على القلوب المستقيمة , التى تقطر شهدا و نقاوة ... نحن حقا بحاجة الى تلك الثورة , التى تعيد المحبة الى القلب و الوجدان ...
كان الميدان لايزال يصارع الموت و قنابل الغاز ترسم غطاءا جويا و كأنها تحجب خطية البشر عن انظار الله ...

كان هناك ... لم يره الكثيرون فى البداية , حتى انا , فأجواء الميدان الصاخبة لم تمهلنا فرصة لمشاهدة الأفق البعيد .. او ربما قلوبنا الصماء وقفت حاجزا لمشاهدة جمال طهره ...
لقد وقف صامتا بعض الشىء .. لم استطع تمييز هيئته , كطيف خفيف يتهادى و كقطرة ماء تحمل بداخلها المحيط ... كان منظره بهيا , ان لمحته و لو لهفوة , لا تستطيع انزال عينيك من عليه ... كان لا يزال واقفا هناك , لا تستطيع تحديد ملامحه , كل ما تتمناه هو ان تقترب منه اكثر فأكثر ...
    و ها هو هذا الشخص قد بدأ التقدم للأمام , الى احشاء الميدان , كلؤلؤ مضىء و كنجمة متوهجة بدأ يشق الطريق الى قلب العراك ...... جاء المسيح من آخر السماء و هبَ مندفعا نحو ملتقى الثوار , حقا انه هو ... جاء الى ميدان التحرير فى مشهد اسطورى , بموكب ملوكى .. و بسيط ! جاء السيد وحده .. جاء و لازلت اجهل سبب الزيارة .. لقد بدأ الجمع بالفعل يلاحظونه , فربما شعر احدهم بنسمة سلام تمر بجانبه . 
لازال السيد يمر فى الوسط , بجلبابه الطويل الأبيض  , كما جاء قبلا منذ ألوف السنين .. كان سيره مستقيما كما كانت اقواله منذ   
آمد بعيد .. كان وجهه لا يبدى انطباعا واضحا و نظرة عينيه تخرج كل لحظة بآلاف التفسيرات . أحزين هو ؟ لا اعرف , ربما يظهر الحزن بين طياته ,, و لكن حزن الرب ليس كسائر البشر . . . حزن ممتزج بالمحبة و شفقة دون احتقار و عشق دون ادنى كراهية : هكذا كان السيد يسير ...
فى لحظات معدودة صارت كل الأنظار معلقة بشخصه , هدأت عاصفة الميدان رويدا رويدا الى ان صارت الحشود لتتمكن من سماع انفاس المخلص ... وقف هو فى الوسط , لم يستطع الكثيرون النظر فى عينيه , كانتا صافيتان كجداول انهار الأمزون , و بريئتان كعيون طفل , و حكيمتان كسراج مضىء ... كانت الدهشة تخيم على وجه الجميع و كأنما تيقظ البشر فى لحظة لما كانوا يقترفون ...
و اذ بغتةَ يواصل السيد سيره ليدخل وسط الجموعو لا يزال صامت لا يفارقه سلامه و ان كانت قد بدأت تبدو عليه علامات العجلة بعض الشىء ... دخل الى العمق حيث يحتشد الناس  , و اذ يفاجأ عموم الثوار بأنه اندفع نحو احد الذين سقطوا اثر ضربات قوية وجهت اليه , و يبدو من منظر انبطاحه على الأرض و اللكمات الشديدة التى اوكلت اليه انه كان و بلغة الثورة احد المندسين فى الميدان ... وصل السيد المسيح الى هذا الشاب الذى بدا مستحيلا التعرف على ملامح وجهه من هول ما اصابه ... و فى لفتة مذهلة لاتزال تسطع فى مخيلتى الى اللآن ... : مد السيد يده الى هذا البدن المتهتك الذى ربما تكون نهايته على ايدى المتواجدين بعد لحظات ... 
كان رد الفعل عنيفا بعض الشىء , لقد بدأت تتعالى الصيحات و التجديفات على شخصه , فكيف يمد يد العون لمن خان الوطن حسب اعتقادهم , كيف لا يتقدم اولا ليضع النياشين على صدور الثوار , كيف لا يصعد على المنصة ليندد و يصيح  و يهرتل كالباقين ؟ 
انه لم يكن كذلك ! لم يهتم السيد بتجديفاتهم التى اعتاد عليها منذ قديم الدهور و كانت لاتزال يده ممدودة الى هذا الشاب الذى بدأ يفيق من غيبوبته ليرى يد الرب ممدودة , منتظرة , مترفقة ... انه لمشهد عجيب حقا !!   لقد خشى الشاب ان يلمس يده فى البداية , ظانا منه انه احد هؤلاء المتربصين الذين سيواصلون لكماتهم اليه , و لكنه  نظر فى عينى السيد و قد رأى اجمل بسمة فى الوجود , و قد ارتسمت على شفتى المخلص ... كانت الجموع قد بدأت تتدافع لتمنعه من تقديم الشفقة اكثر من هذا الى الشاب , لم يعبأ المسيح بهم او بالأحرى كان يجب ان يتم رسالته الى هذا اولا ... 
و بيدين مرتعشتين اعطى الشاب يده الى خالقه و مخلصه , و عينيه تنهمر بالدموع ... المحبة و التسامح فى اجمل صورهما ... 
ربت يسوع على كتف الشاب و ضغط بكلتا يديه ليقيمه من التراب ... كانت الصيحات تتعالى من حولهما و قد حاول الكثيرون القاء الأيدى مرة اخرى على هذا الشاب و لكن كان السيد متيقظا على ابنائه بحيث لا يمسه المتربصون و لو حاولوا  , لقد احتضنه الفادى بكل قوته كى لا تصيبه ضربات الجموع المحتشدة ... ان هذا الشاب و ان لم يدرك , فقد كان فى  اجمل مكان فى الوجود " متكئا على صدر المخلص " ...
بدأت ايدى السيد تخف تدريجيا من عليه و كأنما كان يحوطه ليحميه الى ان تعبر العاصفة ... تبسم المسيح للمرة الأخيرة الى هذا الشاب ليدير ظهره كى ينظر خليقته البشرية ... كانت نظرة حب عميق اكثر حتى من كونها نظرة عتاب ... ظل ينظر الى وجوههم الحانقة علهم يفهمون هذا الدرس ... فلم يأتى المسيح ليجازى الأبرار الكاملين بقدر ما جاء يقيم البائسين و الخطأة و يرفع المتنجسين الذين حطتهم الأزمنة ...
شق السيد طريقه عائدا من حيث اتى من عند الآب , دون ان يتكلم او يرفع صوته .. خرج من وسطهم و قد ترك لهم مثلا حيا و واقعا ملموسا...
"لم آت لأدعو ابرارا بل خطاة للتوبة"  ...
هكذا تكون المحبة التى علمنا اياها و هكذا نسلك نحن و نؤمن انك قدوس يا الله و لا تشاء موت الخاطىء ...
                                                
                                        مارك كاسترو



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبد ... الإله (قصة قصيرة)

  " فيــن عبد الإله ؟!! " تلك كانت صرخة مدير المصلحة الفرعية للقياسات و المساحة، التى وجهها بأعلى طبقات صوتِه و أشدها خشونةً نحو...